تعلن دولٌ وأنظمةٌ بين حين وآخر تأسيسها وزاراتٍ للترفيه، وهيئاتٍ لإسعاد المواطنين، لكنها على جانب آخر، لا تخلو من قصص مروعة عن انتهاكات حقوق الإنسان، حتى باتت قضايا التعذيب مثار حديثٍ دائمٍ في مؤسسات المجتمع المدني، لتكشف لنا عن الوجه القبيح للمتهم والمدان في تلك القضايا.

نسرد في هذا التقرير أربعة قصص، تبرز لنا تورط رجال الأمن الخليجيين ومسؤولين إيرانيين أيضًا، في قضايا تعذيب وانتهاكاتٍ لحقوق الإنسان في أقبية السجون والمعتقلات، بالرغم من تلقيهم تعليمًا في جامعاتٍ محلية ودوليةٍ مرموقة، تُدَّرس فيها حقوق الإنسان والعدالة الجنائية.

1. ناصر الريسي.. لواء إماراتي مدان بتعذيب بريطانيين ومرشح لرئاسة الإنتربول

في الإمارات، انتُخب اللواء أحمد ناصر الريسي، المفتش العام بوزارة الداخلية، في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، عضوًا للجنة التنفيذية لمنظمة الشرطة الجنائية الدولية (إنتربول)، مندوبًا عن آسيا. ويعدُّ ناصر الريسي، الذي يمتلك ألقابًا فخرية ومؤهلاتٍ أكاديمية، بما فيها دبلوم الإدارة الشرطية من جامعة كامبريدج، أحد المرشحين لتولي رئاسة الإنتربول الدولي، بحسب جريدة «التليجراف» البريطانية.

وعلى الرغم من حصول الريسي على دبلوم الإدارة الشرطية من كامبريدج عام 2004، ودرجة الدكتوراه في الشرطة وسلامة المجتمع، من جامعة لندن متروبوليتان بالمملكة المتحدة 2013، المنوط بهما دراسة الاعتناء بحقوق الإنسان؛ فإنه متهمٌ بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، في الشرق الأوسط، بما في ذلك إشرافه على تعذيب مواطنيْن بريطانيين، بحسب الجريدة البريطانية.

واتهم ماثيو هيدجز، وهو طالب بالدراسات العليا، اللواء أحمد الريسي، بإجباره على تناول مزيج من المخدرات، عندما كان معتقلًا في مايو (أيار) 2018، في زنزانة انفرادية لمدة ستة أشهر في دبي، بتهمٍ تتعلق بالتجسس لصالح أجهزة الأمن البريطانية؛ ومطالبته بسرقة وثائق ومعلومات من خارجية بلاده، وإجباره على التوقيع على اعترافٍ كاذبٍ؛ ما تسبب في الحُكم عليه بالسجن مدى الحياة بعد جلسة استماع لم تستغرق إلا خمس دقائق، لكنَّ عفوًا رئاسيًّا عنه صدر في وقت لاحق من ذلك العام، إثر ضغوط دولية.

وكان علي أحمد – وهو مشجع كرة قدم بريطاني، اعتُقل لارتدائه قميص المنتخب الوطني القطري في إحدى مباريات بطولة الأمم الآسيوية التي أقيمت بالإمارات – قد قدَّم شكوى قانونية لدى الأمم المتحدة بشأن تعذيبه على يد الريسي، في يناير (كانون الثاني) 2019، شمل الصعق بالصدمات الكهربائية في أثناء الاستجواب، والطعن، والحرمان من الطعام، والماء، والنوم، والإساءات العنصرية.

ويعدُّ الريسي، بحسب روايات هيدجز وعلي، مسؤولًا عن تعذيبهما واعتقالهما؛ إذ تصرفت شرطة الإمارات تحت قيادته دون خوف من المحاسبة، ما دعاهما إلى إرسال رسالة إلى الأمين العام للإنتربول، يورجين ستوك؛ للتعبير عن قلقهما حال اختيار الريسي لرئاسة الإنتربول، المقرر عقدها في ديسمبر (كانون الأول) 2020.

وممَّا يجدر الانتباه إليه، أن الإمارات (عضو الإنتربول الدولي منذ 1973)، تعهدت في مارس (آذار) 2017، بتقديم 50 مليون يورو؛ لدعم سبعة مشروعات لمكافحة الإرهاب والجريمة للمنظمة الدولية. وقال الأمين العام، يورجين ستوك – آنذاك-: «سيكون لسخاء مساهمة دولة الإمارات العربية المتحدة تأثير كبير في تعزيز عمل أجهزة إنفاذ القانون في جميع أنحاء العالم».

2. نجل ملك البحرين.. إدانته في قضايا تعذيب لم تمنعه من منصب قائد الحرس الملكي

في البحرين، أُطلقت اتهامات واسعة بحق نجل الملك البحريني الأمير ناصر بن حمد آل خليفة، الذي سمَّاه معارضوه «أمير التعذيب» ؛ لمشاركته في تعذيب ناشطين بحرينيين.

وعلى الرغم من تخرج ابن حمد، من أكاديمية ساند هيرست العسكرية الملكية في العاصمة البريطانية لندن، التي تضم من بين برامجها التدريبية الالتزام بالانضباط والشرف الأخلاقي العسكري، فإنَّ الأمير البحريني تورَّط مباشرة في تعذيب بعض المعتقلين السياسيين البحرينيين، الذين شاركوا في تظاهرات البحرين عام 2011، بحسب «Global Voices» التي قالت إن الأمير الشاب نشر في إحدى تغريداته قائلًا: «لو كنت مسؤولًا، فسأبقيهم (المحتجين) مدى الحياة في السجن».

ومن المفارقات، أنه بدلًا من خضوع نجل الملك البحريني للمحاكمة على إثر اتهامه بعمليات تعذيب لمعارضين؛ ترقَّى الأمير الشاب إلى منصب قائد الحرس الملكي البحريني في 19 يونيو (حزيران) 2011، بيْد أنَّ محكمة بريطانية أعلنت قبول النظر في اتهامات لناصر بن حمد بالتورط في جرائم تعذيب بحق الناشطين البحرينيين، تسببت في رفع حصانته الملكية  في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، التي كان يتذرع بها إِبَّان إقامته المستمرة في لندن.

3. سعود القحطاني.. قائد عمليات التعذيب ومُخطِّط اغتيال جمال خاشقجي

يبرز سعود القحطاني، من بين الأسماء التي تداولها الإعلام الدولي في إطار قضية مقتل جمال خاشقجي، في 2 أكتوبر 2018، بعد اتصالٍ من القحطاني شخصيًّا بالصحافي السعودي، يوم دخوله القنصلية السعودية بإسطنبول، عبر مكالمة ببرنامج التراسل المرئي (سكايب) أهانه وسبه فيها قبل أن يرد عليه خاشقجي، ما دعاه إلى تكليف منفذي عملية القتل بإحضار «رأس الكلب» (يقصد رأس خاشقجي) إلى السعودية.

وعلى إثر عملية الاغتيال أقيل سعود القحطاني من منصبه يوم السبت 20 أكتوبر، بمرسومٍ من الملك سلمان بن عبد العزيز، تزامنًا مع إعلان اعتراف السعودية باغتيال خاشقجي وتصفيته.

وعلى الرغم من حصول القحطاني على درجاتٍ علمية في القانون والعدالة الجنائية من جامعة الملك سعود، وجامعة نايف للعلوم الأمنية، وعمله محاضرًا بمادة القانون في كلية الملك فيصل؛ فإنَّه كان العقل المدبر لاعتقال المئات من النخبة في بلاده، وقاد عمليات تعذيب وحشي لناشطاتٍ سعودياتٍ في ديسمبر 2018، هددهنَّ خلالها بالاغتصاب والقتل وإلقائهنَّ في مجاري الصرف الصحي، ما دعا منظمة «هيومن رايتس ووتش» لمطالبة السعودية بالسماح لمراقبين مستقلين دوليين بالوصول إلى ناشطات حقوق إنسان سعوديات معتقلات؛ للتأكد من سلامتهن.

مهماتٌ أخرى أُسندت لسعود القحطاني، مثل حملة التوقيف التي استهدفت حوالي 200 أمير سعودي ومسؤولين كبار في جهاز الدولة وحبسهم خلال ثلاث شهور تقريبًا في فندق «ريتز كارلتون» بالرياض، في 4 نوفمبر 2017 بـ«تهمة الفساد المالي».

4. مُدَّعي عام طهران.. جزَّار الصحافة وجلَّاد المعارضة

في إيران؛ كان سعيد مرتضوي، المدعي العام السابق لطهران – المنوط به مراقبة سير العدالة – والحاصل على درجة الدكتوراه في علم الإجرام في القانون الجنائي، مثار جدلٍ واسعٍ، إثر تورطه في قضية مقتل المصورة الصحافية الكندية من أصل إيراني، زهراء كاظمي، عام 2003، نتيجة تعرضها للتعذيب والضرب والاعتداء الجنسي، بعد اعتقالها؛ إبان تغطيتها وقفة احتجاجية لأسر سجناء أمام أسوار معتقل «إيفين» شمال طهران، واتهامها بالتجسس دون أدلة أو إجراءات قانونية.

وبعد ثلاثة أعوام من مقتل المصورة الكندية، شارك مرتضوي، الذي اشتهر عنه أنه «جزَّار الصحافة وجلَّاد المعارضة»، ضمن وفد النظام الإيراني، في اجتماعات مجلس حقوق الإنسان بجنيف، في يونيو (حزيران) 2006؛ ما تسبب في إصدار كندا والولايات المتحدة الأمريكية وناشطين دوليين لحقوق الإنسان إدانات واسعة، وإطلاق دعوات لملاحقته قضائيًّا.

ملصق دعائي يطالب المواطنين بتقديم معلومات تفيد في عملية ملاحقة سعيد مرتضوي. المصدر: «بي بي سي»

وتورط مرتضوي في تعذيب محتجين حتى الموت، بشكلٍ ممنهجٍ داخل معتقل «كهريزك» بالعاصمة الإيرانية طهران، خلال الانتفاضة الخضراء عام 2009، إبان حكم الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد.

واحتل مدعي عام طهران السابق، سعيد مرتضوي، قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي ضمن 32 مسؤولًا إيرانيًّا رفيعًا منذ عام 2011، بسبب دوره الواسع في انتهاكات حقوق الإنسان داخل إيران؛ إذ تقضي تلك القائمة بمصادرة أصوله في دول الاتحاد الأوروبي، ومنعه من دخول دول الاتحاد.

وعلى الرغم من السجل الحافل لمرتضوي بانتهاكات حقوق الإنسان، استمرت مسيرته المهنية في التقدم، حتى أصبح نائبًا للمدعي العام الإيراني، ثمَّ حصل على تعيين رئاسي لرئاسة مركز مكافحة التهريب في البلاد.

ومن المفارقات، حصول مدعي عام إيران الأسبق، المدان بقضية فساد مالي، على عفو من حكم قضائي بالجلد 135 ضربة، بناءً على مرسوم أصدره المرشد الإيراني علي خامنئي للإفراج عن سجناء، كما أُطلق سراحه في سبتمبر (أيلول) 2019، من سجن إيفين في طهران، بعد قضائه حكمًا بالسجن لمدة عامين في قضية مقتل معتقلي «كهريزك».

سياسة

منذ سنتين
اغتصاب وحرق وتعذيب بالكهرباء.. ما قد لا تعرفه عن «مسالخ» التعذيب في سجون إيران

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد