«أبرز علامات تقديس الحكام: هو أن يكون للحاكم مؤسسة تحمل اسمه (جامعة رجب أردوغان في ريزة)، وهو لا يزال على قيد الحياة»

بالطبع كان مختلفًا عن هؤلاء العلمانيين الذين تربوا وترعرعوا في إسطنبول وأنقرة، ولا يربطهم بعامة الشعب، سواء الانتخابات والروابط الانتخابية، وكان حريصًا أن يكون في منتصف العصاة، كإسلامي سابق مبتعدًا عن كل ما قد يمنح خصومه فرصة لاتهامه بالتعصب والتطرف.

5 أسباب للتفاؤل بمستقبل تركيا بعد التعديلات

عندما أعاد مصطفى كمال أتاتورك هيكلة تركيا لكي تواكب الهياكل الدولية الغربية؛ برزت الطبقات المُجتمعية، وظهرت طبقة السياسيين الحاكمة التي تمركزت في البقع الهامة في تركيا، مثل أنقرة وإسطنبول، وبالطبع لقيت الأقاليم الأخرى حيزًا كبيرًا جدًا من التهميش في تعامل الحكومات مع قضاياهم ومطالبهم، ولكن الفتى«أردوغان» الذي كبر وترعرع في حي سليمان باشا الفقير «واحد من أحياء إسطنبول الفقيرة»، استطاع أن يشعر بهم ويرتبط بالفقراء والمُهمشين وجدانيًا على عكس ما سبقه من السياسيين الذين وصلوا لمناصب هامة في الدولة، و أداروا ظهورهم للشعب من بعد.

وبعد أن أخذ أداء ذلك الحاكم الشعبي الديمقراطي البطل منحنى يخشى البعض من تحوله لديكتاتوري في السنوات الخمسة الأخيرة، وبعد نتيجة الاستفتاء، أصبح منذ ساعات بإمكانه أكثر من أي وقت مضى في نظر البعض أن يكون ديكتاتور يمتلك قوانين تسهل له ذلك، وذلك بعد أن كشر أردوغان عن أنيابه الأولى لأكبر حركة احتجاجية في تاريخ تركيا المعاصر «الاحتجاجات على تحويل منتزه غيزي إلى مجمع تسويقي» عام 2013، وبعد أن انتقم لمحاولة الانقلاب عليه بحبس المئات من الصحافيين والعسكريين، وعزل الكثير من القضاة والمسؤولين وأساتذة الجامعات.

ولكن لماذا كانت «لا» أفضل من «نعم» في نظر البعض لمستقبل تركيا؟

أردوغان سيمكث في الحكم 20 عامًا.. دروس من لولا دا سيلفا

تقوم الشركات الكبيرة غالبًا بتغيير مدرائها التنفيذيين، مثل «جوجل» – مثلًا – كل خمس سنوات؛ وذلك من أجل تجديد الفكر الخلاق في عمل الشركة حتى تستمر جوجل في شكلها المُتميز، وكذلك هو الهدف من وجود رأس أية مؤسسة، سواء كانت حكومية أو غير حكومية في مكانه لمدة قصيرة، لا سيما وأن وجوده بشكل مستمر لا يضمن تطوير الأداء، وعند تطبيق المثال على رؤساء الدول؛ سنجد – بالإضافة إلى ذلك – أن هؤلاء الذين يمكثون على العرش وقتًا طويلًا تتحول عقيدتهم إلى الديكتاتورية، و إن بدأت بالديمقراطية المُطلقة.

وصل رجب طيب أردوغان لكرسي رئاسة الوزراء عام 2003 «أكبر منصب تنفيذي في الدولة»، وتم اعتبار فوزه آنذاك انتصارًا للسياسة والديمقراطية، وقد كان بالفعل في نظر الكثير من المحللين؛ فقد استطاع التخلص من الفشل الاقتصادي والمالي الذي عانت منه تركيا على مر عقود، وتحويلها إلى واحدة من اقتصادات العالم الـ20 الأولى، بالإضافة إلى أن إصلاحات أردوغان ضيقت الفارق بين الطبقات الاقتصادية في المجتمع التركي، واستطاعت الطبقة الوسطى أن تتوسع بشكل كبير.

وامتلكت تركيا خلال فترات حكم أردوغان الأولى بنية تحتية كبيرة، فالآن أصبحت تصنف جامعات تركيا بين أفضل جامعات العالم، وبرنامج المنح التعليمية للحكومة التركية من أقوى البرامج تنافسية بين الطلاب الدوليين، وتجددت المستشفيات والطرقات. أصبحت تركيا دولة متقدمة، والأهم من كل شيء في نظر البعض أنه استطاع تحرير تركيا من القبضة العسكرية.

ولكن كل هذا كان ينقصه في نظر البعض اتباع أردوغان الأمثلة الديمقراطية حتى النهاية، مثلما فعل الرئيس البرازيلي الأسبق «لولا دي سيلفا» الذي شهدت البرازيل في عهده طفرة اقتصادية هائلة تحولت فيها البرازيل أيضًا من دولة شبه نامية إلى دولة تمتلك اقتصادًا يناطح اقتصاد الدول الكبرى، ونظرًا لشعبيته الكبيرة، فقد طلب منه مؤيدوه عند انتهاء فترته الرئاسية أن يستمر أو أن يغير القانون؛ حتى يبقى لفترة رئاسية أخرى، ولكنه رفض بشدة وخرج على شعبه في خطابه الأخير باكيًا، ليقول لهم إنه من الذين حاربوا هؤلاء الذين مكثوا طويلًا في كرسي الحكم، فلا يمكن أن نقلدهم وأن نحتفظ بالكرسي، ولابد أن تُترك الفرصة لآخرين.

أما عن صديقنا أردوغان فكان يسير بشكل صحيح إلى أن تغيرت نواياه عام 2014، عندما انتهت ولايته كرئيس للوزراء وترشح على منصب رئيس الدولة، وعلى الرغم من أن الرئيس في تركيا هو منصب شرفي، إلا أن أردوغان كانت له نوايا أخرى، وبعد تعديل الدستور وموافقة الشعب عليه أمس سوف يتم إجراء انتخابات رئاسية عام 2019؛ لتصبح ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات، بعد أن كانت أربعًا فقط، ومن المتوقع ترشح أردوغان، وفي حالة فوزه سوف يكسر حاجز الـ20 عامًا على رأس السلطة التنفيذية التركية.

«التعذيب في تركيا».. حين وصلت «ديمقراطية السود» لأفق مسدود

قد نقول وداعًا لغالبية المعارضة في البرلمان

نتائج الانتخابات البرلمانية التركية عام 2015- المصدر جريدة الأناضول

طبقًا للمواد الدستورية القديمة؛ فإن البرلمان التركي يتألف قوامه من 550 عضو، وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة حصل حزب العدالة والتنمية «الحزب الذي ينتمي له أردوغان» على 258 مقعد فقط، بينما حصلت الأحزاب المعارضة جميعها على 292 مقعد؛ مما يهدد سيطرة العدالة والتنمية على قرارات البرلمان في حالة تحالف المعارضة.

أما عن المقلق في التعديلات الدستورية الجديدة، ليس هو أن عدد المقاعد أصبح 600 بدلًا عن 550؛ بل المقلق هو أن زيادة أعداد المقاعد سوف يتطلب توزيعًا جغرافيًا مُختلفًا عما سبقه، ولأن التعديلات الجديدة تسمح لأردوغان بتمرير القوانين، فإن الباب مفتوح أمامه لصنع قانون تقسيم دوائر جديد يخدم حزب العدالة والتنمية ويضمن له الحصول على عدد مقاعد كبير في الانتخابات، وتنص التعديلات الدستورية الجديدة أيضًا أنه يمكن لرئيس الجمهورية أن يظل على صلة بالحزب الذي ينتمي إليه، وبذلك يمكن للرئيس التصرف فيما يراه مناسبًا سياسيًا لحزبه، ولا يمكن لأحد أن يعترض؛ لأن الشعب قد قال نعم للتعديلات الدستورية.

الرئيس أصبح «سلطانًا»

تاريخيًا قد تحولت أغلب الدول إلى نُظم الحكم البرلمانية؛ لأنها تضررت كثيرًا تحت الحكم الرئاسي أو الحكم الملكي، وذلك لتحديد صلاحيات من يرأس السلطة التنفيذية، وعندما يحدث العكس فمن المتوقع أن يكتسب رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة بشكل كبير، مثل الصلاحيات التي يُكسبها الدستور التركي المُعدل للرئيس القادم في 2019، و إليك عزيزي القارئ هذه الصلاحيات الجديدة:

أزمة تركيا مع هولندا.. «السلطان أردوغان» يعادي الجميع

1-لم يعد هناك رئيس للوزراء يختاره البرلمان، ولم يعد من صلاحيات البرلمان اختيار الوزراء، كما كان يحدث قبل التعديلات، بينما الآن الرئيس هو من يعين الوزراء ويعزلهم، ويعين الكثير من المناصب التنفيذية في الدولة دون اعتراض من البرلمان.

2-من حق الرئيس أن يعلن حالة الطوارئ، وهي الحالة التي ارتبط اسمها دائمًا في البلاد التي تحكم بشكل ديكتاتوري بالاعتقال والتعذيب والتنكيل، وللرئيس الحق في تحديد شكل حالة الطوارئ والقوانين التي تسري بها؛ مما يزيد المخاوف من اتباع قوانين مختلفة مع محاسبة المُعتقلين الذين يعاملون بشكل قانوني إنساني في غير حالات الطوارئ.

3-من حق الرئيس تشكيل هيئة الرقابة الحكومية، التي تكون مهمتها فتح تحقيقات إدارية مع الهيئات والمنظمات الحكومية والاجتماعية وغير الحكومية، ومنح الرئيس كامل الحق في التدخل في هذه الهيئات والمؤسسات، وهذه المؤسسات بالطبع تشمل المؤسسة العسكرية.

4-تم تقليص عدد أعضاء الهيئة القضائية العليا من 22 عضوا إلى 13 عضوًا فقط، يُعين رئيس الجمهورية أربعة أعضاء، والبرلمان سبع أعضاء، ويكون وزير العدل وسكرتير وزارة العدل أعضاء في هذه الهيئة، أي بطريقة ما يمكننا القول بأن رئيس الجمهورية يعين ستة أعضاء، وذلك لأن الرئيس هو من سيعين الوزراء وسكرتير كل وزارة طبقًا للدستور الجديد، وبما أنه – الآن – يمكن للرئيس حفظ روابطه مع حزب إن كان عضوًا فيه أو رئيسه، فيمكن لرئيس الجمهورية أن يكون أيضًا رئيسًا لحزب سياسي، وفي حالة فوز هذا الحزب بأغلبية البرلمان، يمكن لرئيس الجمهورية أن يضمن تعيين جميع أعضاء الهيئة القضائية العليا، وبذلك سوف يمتلك الرئيس زمام السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية أيضًا.

5-يُمكن لثلث أعضاء البرلمان تقديم طلب للبرلمان لعزل الرئيس، ولن يتم الموافقة إلا في حالة موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، وبعد ذلك يتم تمرير القرار إلى المحكمة الدستورية التي تمتلك القرار الأخير، ومن الجدير بالذكر أن قوام المحكمة الدستورية يتكون من 17 عضوًا، يعين رئيس الجمهورية منها 13 عضوًا، ويعين البرلمان عضوين، ومن هنا يطرح سؤال عند البعض: أليس هناك مساحة أن يعين رئيس ما قضاة موالين له؛ حتى يضمن أن يستمر في الحكم، بالرغم من فساده؟

ولكن لماذا يتحدث أصحاب الرأي الرافض عن مخاطر مستقبلية للتعديلات يدخل بعضها في حيز التوقع؟

«إن من الغباء أن تعيد تجربة بنفس الخطوات وتنتظر نتيجة مختلفة» *ألبرت أينشتين

يمكننا توقع المستقبل السياسي لأداء حكومة ما من خلال ممارستها في الوقت الحاضر، وخير مثال بالنسبة للمعارضين على ممارسات خاطئة يرتكبها النظام التركي، أنه من بعد الانقلاب الذي حدث في يوليو (تموز) الماضي، أعلن أردوغان حالة الطوارئ، ومنذ ذلك الحين تم القبض على ما يقرب من 50 ألف شخص بذريعة أنهم موالون ومُساعدوون للانقلاب، وتم إقالة 100 ألف شخص بنفس الحجة.

كل شخص يبرز رأيًا يظهر فيه – ولو من بعيد – تعاطفًا مع الانقلاب، أو حتى حقوق الأكراد، فهو في نظر النظام الآن أصبح خطرًا على الدولة، ويجب القبض عليه أو عزله من منصبه.

وكل هذه الممارسات بجانب تعديل القوانين بشكل يسمح للسلطة التنفيذية التصرف بحرية، لا تؤدي في النهاية في نظر المعارضين، إلا إلى دولة تحكم بعقيدة ديكتاتورية.

5 أسباب للتفاؤل بمستقبل تركيا بعد التعديلات

عرض التعليقات
تحميل المزيد