ربما تساءلت يومًا ما لماذا أنسى أسماء الأماكن والأشخاص؟ لماذا نسيت موقفًا حدث منذ شهر مثلًا ولم تنس موقفًا حدث لك منذ سنين وتتذكره بكل تفاصيله رغم مرور عدة أعوام؟ لماذا تنسى ما تذاكره بسرعة؟ ولماذا يزيد معدل النسيان في الامتحان؟ ماذا يفعل أولئك شديدو التركيز، أحاديو الذاكرة؟ هل ولِد كل مِنا بذاكرة ضعيفة أو قوية أم أن الأمر قابل للتحكم؟!، ستجد إجابة لهذه الأسئلة في هذا التقرير.

كتب جيفري. أ. دادلي في كتابه «Double your learning power» أن: الخبرات التي نمر بها تتكون منها صور عقلية تنطبع في أذهاننا كأشكال في الذاكرة، وكل شكل مصحوب بقدر معين من الطاقة العقلية التي تُرسَم من أشكال أخرى في الذاكرة قد استقرت بالفعل، والسبب في ذلك أن لدى الإنسان مقدارًا كبيرًا من الطاقة العقلية يمكن أن تتوزع على الخبرات التي يمر بها.

ومن هنا نتطرق لأول سبب من أسباب النسيان:

 

1- ضعف الصورة المنطبعة في الذهن

 

يرجع السبب وراء النسيان أن شكل الذكرى ينال مقدارًا قليلًا من الطاقة للبدء به أو يتجه نحو أشكال أخرى من الذكريات، فإن الخبرة التي ينوب عنها هذا الشكل تصير في طي النسيان.

يُعاني كثير من الأشخاص من سرعة نسيان أسماء الأشخاص والكتب والأماكن، وربما يزداد الأمر صعوبة عندما يكونون وسط أناس يقابلونهم للمرة الأولى، فهنا تكمن مشكلة (عدم الانتباه على التركيز) فهؤلاء الأشخاص عندما يكونون بصحبة أناس يقابلونهم لأول مرة يكون تركيزهم أكثر على الانطباع الذي سوف يتركونه لهم، فإذا ذكرت أسماء الأشخاص أو الكتب أو الأماكن فإنهم لا يستطيعون تذكرها لأنهم لا يعطونها الانتباه الكافي. فإذا كنت تعاني من هذه المشكلة فلا داعٍ للقلق أو تضخيم المشكلة، كل ما في الأمر أنك لم تعط الموقف الانتباه الكافي.

 

 

2- القمع    

                       

المؤلف الشهير بيرليوز إذ كان فقيرًا معدومًا وكانت زوجته مريضة, فإذا بوحي سيمفونية يأتيه ذات ليلة، فنهض من الفراش وشرع في تدوينها، ثم بدأت حالة صراع مفادها:

(لو أنني بدأت هذا المقطع فسأضطر لكتابة السيمفونية كلها، وهي عمل ضخم سوف يستغرق ثلاثة أو أربعة أشهر، وهذا يعني أنني لن أكتب مزيدًا من المقالات، وبالتالي لن أكسب مزيدًا من المال، ولن تجد زوجتي المريضة ضرورات العلاج، ولن أجد نفقاتي الشخصية ونفقات زوجتي، هذه الهواجس أرعبتني فألقيت بالقلم ساخطًاً ”سحقًا غدًا سوف أكون قد نسيتها“، ولكني في الليلة التالية سمعت المطلع بوضوح شديد وأكاد أكون رأيته مدونًا، وكنت على وشك أن أقوم من فراشي ولكن عادت هواجسي مرة أخرى فتشبثت مرة أخرى بأطراف النسيان وخلدت إلى النوم، واستيقظت في اليوم التالي كانت السيمفونية قد تسربت من ذاكرتي إلى الأبد).

إذًا فالقمع هو إقصاء الأفكار غير المقبولة في اللاشعور بعيدًا عن الوعي، وتجد هذه العملية عندما تتصارع قوتان في أذهاننا حيث توجد رغبة في الاستدعاء تعارضها رغبة عارمة أو ميل لعدم الاستدعاء. وتكمن أسباب قمع نشاط ما في الذاكرة لسببين أولهما؛ أن الشخص لو صار واعيًا بالنشاط المقموع سوف يصبح أكثر عرضة للشعور بالاضطراب والقلق، لذلك يكون الإنسان عرضة لنسيان الأحداث التي تعارض مع راحة البال واحترام الذات أكثر من الأحداث التي لا تمس هذين الأمرين.

السبب الثاني هو ارتباط الحدث المقموع، الذي قد يكون بغيضًا في حد ذاته، بحدث آخر مرذول. فمن السهل نسيان موعد مع طبيب الأسنان أكثر من ميعاد مع أصدقائك مثلًا. حيث إن القمع هو المسئول عن سوء التوافق مع النفس والاضطراب العاطفي، وبالتالي كلما زاد رضا الشخص عن نفسه كلما توافق مع ذاته، وعلى العكس كلما قل رضاه عن نفسه كلما صار أقل توافقًا مع ذاته.

 

 

3- الإهمال    

هذا هو السبب الرئيسي أنك سرعان ما تنسى ما تتعلمه في المدرسة و الجامعة أو تنسى معلومات قرأتها في كتاب، فعند هجر الشكل تقع التجربة في حيز الإهمال. فمن الطبيعي أن ينسى المرء معظم ما قد تعلمه خلال أيام قلائل بعد تعلمه ما لم يعتمد على المراجعة الدائمة، حيث إن صور الذاكرة تتلاشى بانقضاء الزمن.

وقد لاحظ عالم النفس Ebbinghaus أن بعد مرور ساعة واحدة قد نسي 56% من المادة التي درسها، ولكن بعد مرور تسع ساعات كان قد نسي 8% فقط زيادة، وبعد يومين زادت النسبة 6%، وبعد مرور شهر زادت النسبة إلى 7%، بمعنى أن حوالي 70 % من مقدار ما نسي في الشهر الأول نُسي في الساعة الأولى.

إذا كان يكمن سبب النسيان لديك في الإهمال فإليك الحل: التكرار، ولكن انتبه لقوانين التكرار فمن خلال البحث الذي قام به Ebbinghaus، وجُد أن أفضل طريقة لتلاشي النسيان أن تنعش شيئًا  في الذاكرة بعد التعرض للخبرة مباشرة بقدر الإمكان بدلًا من الانتظار.

 

 4- التداخل أو التشويش

ربما سمعت نصيحة من قبل أن لا تذاكر مادتين يُعتمد في مذاكرتهما على الحفظ مثلًا في نفس اليوم، أو مادتين يُعتمد في مذاكرتهما على حل المسائل كالفيزياء والرياضيات مثلًا. النسيان ليس مترتبًا كليًّا على مرور الوقت ولكن أيضًا على ما يحدث للذاكرة خلال مرور هذا الوقت! ذلك أن التداخل يحدث بين مجموعة من الذكريات، ومجموعة أخرى، وهذا التداخل ينقسم إلى نوعين: أولهما الكف الرجعي؛ بمعنى أنك قد تنسى ما درسته لأنك تعلمت شيئًا آخر فيما بعد، ويتحدد هنا مقدار النسيان على مقدار التشابه بين الموضوعين، إذ يكون التداخل أكثر نشاطًا إذا تشابهت المادة الدخيلة مع المادة المخزونة أصلًا.

 

ثاني شكل من أشكال التداخل هو الكف التقدمي؛ بمعنى أن يتداخل ما قد حدث مسبقًا مع ما يحدث في الوقت الحالي، فمثلًا يكون عجزنا عن تذكر فصل ما في مادة التاريخ أننا قد تعلمنا قبله درس في علم الاجتماع، وهذا يبين أن النسيان عملية تداخل متبادل أو نشاط متبادل بين أنواع المعلومات المختلفة التي تراكمت في أذهاننا نتيجة القراءة.

من أكثر المصادر شيوعًا لمسألة الكف التقدمي هو الجانب الوجداني العاطفي في الطبيعة الإنسانية حيث إن العاطفة تجعل الناس شاردي الذهن، فالتداخل الذي تسببه الصراعات العاطفية الداخلية هو جدير بأن يكون سببًا حيويًّا في نسيان ما تم محاولة تخزينه في الذاكرة بشكل مؤقت!

 

وبعد أن تعرفت على أسباب النسيان، فاذكر لنا ما أين يكمن سبب النسيان عندك؟ وما رأيك في هذه الأسباب؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد