دائمًا ما يكون للثورات سحرها الخاص، فغالبًا ما يصحب الثورة تغييرات كبرى، الثورة السياسية تكون مصحوبة بتغيير النظام الحاكم وإنشاء نظام جديد يتسم بقدر أكبر من الحرية والسعة، في العلم تتخذ الثورات تأثيرًا متجاوزًا فالثورة العلمية تتعلق ببساطة بالنمط السائد في التفكير والنظر للكون والحياة الذي يسكن في عقل البشر، لذلك فالثورة العلمية قد تستغرق عقودًا حتى تتم بينما قد يبقى أثرها لعقود أخرى.

هلموا بنا إلى جولة في أهم الثورات العلمية في التاريخ كما جاءت في كتاب أفكار سبع هزت العالم لـ”نيثان سبيلبرج” و”برايون أندرسون”، ولا يهمنا قطعًا أن نخوض في تفاصيل النظريات والمعادلات الرياضية بقدر اهتمامنا ببيان الفكرة العلمية وملامح الثورة الفكرية والاجتماعية التي نتجت عنها.

1- من كوبرنيكوس إلى جاليليو “الأرض ليست مركزًا للكون”

الأرض هي مركز الكون وهي ثابتة في مكانها وجميع الأجرام السماوية تدور حولها، ببساطة كان هذا هو الاعتقاد السائد لأكثر من ألفي سنة؛ حيث أسس لهذا الاعتقاد فلسفيَّا أرسطو بينما تم تطوير نموذجه العلمي بواسطة بطليموس الذي صور الأرض بأنها تقف في المركز تحيط بها ثمان كرات تحمل القمر والشمس والنجوم والكواكب الخمسة المعروفة وقتها، وقد تم تضمين نموذج أرسطو وبطليموس كاملاً في التعاليم الكنسية وانعكس ذلك على أطروحات اللاهوتيين أمثال دانتي وتوما الإكويني.

تبنت الكنيسة هذا الاعتقاد من 12 قرنًا، حتى جاء الفلكي والراهب والفيلسوف البولندي نيكولاس كوبرنيكوس “1473-“1543” ليهدم كل ذلك.

تصور بطليموس وتصور كوبرنيكوس.

طرح كوبرنيكوس أفكاره في بحث بعنوان “في ثورات الأجواء السماوية” لم يتم نشره كاملاً سوى عام 1543 “العام الذي توفي فيه”، وتأسست نظريته – التي طورها عبر مشاهدات وحسابات مستخدمًا أجهزة بدائية – على عنصرين هامين هما: تدور الكواكب في فلك حول الشمس، والأرض واحدة من هذه الكواكب وتدور حول محورها.

وبالرغم من أن كوبرنيكوس بدأ تلك الثورة العلمية، إلا أنه لم ينهها، فقد ظل معتقدًا أن الكواكب تدور في مدارات دائرية، لذا فقد ساهم الفلكي الدانماركي تيخو براهي – على الرغم من أنه ظل مؤمنًا بنظرية نموذج مركز الأرض – في تلك الثورة بتقديمه للعديد من الملاحظات التي استغلها الرياضي والفلكي الألماني يوهانس كبلر لتطوير نموذج كوبرنيكوس وتلافي أخطائه خاصة فيما يتعلق بالمدارات التي أقر كبلر أنها دائرية وليست بيضاوية، قبل أن يأتي جاليلو ليضع اللمسات النهائية لهذا التصور عبر مشاهداته التجريبية باستخدام التلسكوب ويدق آخر مسمار في التصور الأرسطي.
لم يمثل هذا الطرح مجرد ثورة في علوم الفلك والفيزياء ولكنه تصادم أيضًا مع الأطروحات الدينية أيضًا؛ حيث كانت الكنيسة قد تبنت التصور الأرسطي وضمنته إلى تعاليمها اللاهوتية باعتباره مطلقًا مقدسًا لذا فإن إعلان جاليلو عن أفكاره قد جعله عرضة لغضب الكنيسة؛ حيث تم تقديمه لمحاكم التفتيش ووضع تحت الإقامة الجبرية وأجبر على عدم طرح تصوره.

كان النموذج الكوني الجديد أحد أهم مفاتيح التحول الذي شهدته أوروبا في القرن السابع عشر والذي كانت أهم معالمه التمرد على هيمنة التصورات الكنسية على الأفق العلمي والفكري وهيمنة الكنيسة على أشكال التنظيم والتفاعل الاجتماعي.

على المستوى الفلسفي جاء استبعاد الأرض عن مركزية الكون مرتبطًا باستبعاد الإنسان عن مركزيته أيضًا، ساعتها أيقن الجميع أنهم لا بد وأن يكونوا أكثر حذرًا في طرح تصوراتهم عن الكون الذي بدا أنه أعقد من التصورات البسيطة وغير قابل للإحاطة والسيطرة كما تصور الأقدمين، أما على المستوى العلمي فكان النموذج الجديد هو مفتاح كل العلوم الحديثة ويعتبر هو النموذج التأسيسي للمقاربات الكونية.

 

2-إسحاق نيوتن “الكون آلية تعمل بالقواعد”

ليست مجرد قوانين للحركة كما تدرسها في حصص الفيزياء التقليدية فما قام به نيوتن أكبر من ذلك فقد عمد إلى نموذج كوبرنيكوس وقوانين كابلر ومشاهدات جاليليو فطورها إلى معادلات رياضية قال إنها لا تصلح فقط لتفسير حركة الكواكب ولكن لتفسير حركة كل شيء في الكون، فوفقًا لنيوتن فإن كل شيء في الكون يسير وفقًا لقواعد منتظمة يمكن تحويلها إلى معادلات رياضية.

درَس نيوتن البصريات وتحقّق من انكسار الضوء وبرهن على أن الضوء الأبيض ممكن أن ينقسم إلى عدة ألوان عند مروره خلال المنشور، ومن الممكن بالتالي تجميع حزمة الألوان تلك من خلال عدسة منشور آخر ليتكون الضوء الأبيض من جديد، باستنتاجه هذا تمكن نيوتن من اختراع المقراب العاكس ليتغلب على مشكلة الألوان التي تظهر في التلسكوبات المعتمدة على الضوء المنكسر.

عاد نيوتن لعمله البحثي في الجاذبية وتأثيرها على مدار الكواكب مستندًا على القواعد التي أرساها كيبلر في قوانين الحركة، ونشر نيوتن استنتاجاته في العام 1684 والتي تناولت قوانين الحركة الثلاثة الشهيرة وهي قانون القصور الذاتي وقانون التسارع وقانون الفعل ورد الفعل.

فوفقًا لنيوتن فإنه بإمكان البشر التنبؤ بكل ما يحدث لأي جسم في المستقبل إذا تم تحديد مكانه الحالي وسرعته المتجهة “السرعة والاتجاه” الأمر الذي يعني نظريًّا إمكانية التنبؤ بمصير الكون إذا تمكننا من تحديد موقع كل جسيم فيه وسرعته المتجهة، وهذا الأمر إن كان يستحيل عمليًّا إلا أنه يعني على المستوى النظري أن الكون يسير إلى مصير محتوم “قدريًّا”.

كما جاءت أيضًا قوانين نيوتن لترسخ مفهوم “السببية” كمنظر لفهم تطورات الكون الحياة فلم تعد الأمور تتعلق فقط بسؤال: كيف تسير الأمور؟ حيث تظل الإجابة على سؤال كيف محل شك دائمًا ما لم تتم الإجابة على السؤال الآخر المكمل: لماذا تسير الأمور كذلك؟ وما هي القوانين التي تسير وفقها؟

شرع العلماء في كل مجال في السعي لاكتشاف القوانين الحاكمة في مجالاتهم، ولا أحد ينسى المقال التاريخي لبنيامين فرانكلين المعنون “الإنسان في العالم النيوتني”، وجاءت ثورة العلوم الاجتماعية كأحد تبعات كشوف نيوتن كمثل محاولات آدم سميث في كتابه “ثورة الأمم” لمحاولة اكتشاف قوانين علمية للاقتصاد، ومثلها محاولات أوجست كومت في السوسيولوجيا.

امتدت فكرة القواعد والأسباب إلى ما هو خارج النطاق العلمي والبحثي إلى محاولة تصميم قوانين وقواعد حاكمة تتسق مع الحقوق الأولية للبشر فكانت الثورة الفرنسية ثم الثورة الأمريكية اللتين وضعتا قواعد للسياسة ونظم الحوكمة كما ظهر مثلاً في إعلان الاستقلال.

3- آينشتاين “القوانين مطلقة لكن الحقائق نسبية”

جاء آينشتاين ليدق مسماره في سماء “الحتمية النيوتينية” فما نراه بالضرورة يعبر عن وجهة نظرنا “الإطار المرجعي” الذي ننظر من خلاله ولا يعبر بالضرورة عن الحقيقة التي تكون نسبية بالأساس وبذلك فإن مفاهيم الزمان والمكان والكتلة والسرعة والحركة كلها مفاهيم نسبية.

هل يمكن تقدير وضع أي شيء في المكان؟ يمكن تحديد مكان جسم بالنسبة إلى جسم آخر، فماذا إذا كانت الأجسام جميعها متحركة؟ كمثال القطار الشهير الذي ضربه آينشتاين فإذا كان هناك قطارين متوازيين يسيران بسرعة ثابتة فإن ركاب كلا القطارين يشعران أنهما ثابتين بما يجعلنا نحتاج إلى منصة ثالثة لنحكم على حركتهما هذه المنصة الثالثة هي التي وصفها آينشتاين بـ”منصة الراصد” أو الإطار المرجعي”.

وبالنسبة لآينشتاين فإنه لا يوجد منصة ثابتة في الدنيا لأن الكون كله متحرك وبما أن كل شيء في حركة فإن كل التوصيفات المتعلقة بالأماكن والسرعات هي توصيفات نسبية في النهاية فلا يوجد شيء مطلق اسمه المكان “ولكنه مكان شيء بالنسبة لشيء” أو السرعة “سرعة شيء بالنسبة لشيء” وبالتالي فإن سرعة القطار بالنسبة لقطار موازٍ له تساوي صفر وبالنسبة لقطار آخر مقابل له فإنها تساوي مجموع سرعتيهما.

كذلك الزمان بالنسبة لآينشتاين فهو ليس إلا دلالات مكانية فاليوم مثلاً هو دورة كاملة للأرض حول محورها، والسنة هي دورتها حول الشمس، فالزمان والمكان عند آينشتاين مربوطان بحلقة واحدة وبذلك يكون النظام الزمني أيضًا هو نظام نسبي مرتبط بالنظام الحركي الذي اشتُق منه، فمثلاً في كوكب عطارد فإن مدة دورانه حول نفسه هي ذاتها مدة دورانه حول الشمس “88 يومًا أرضيًّا” بما يعني أن اليوم يساوي السنة في عطارد بمقاييس نظامنا الزمني فإذا حملنا ساعة أرضية إلى كوكب عطارد فإنها ستفقد أي قدرة لها على تحديد الزمن.

الاتصال الزماني المكاني أو ما يعرف بالبعد الرابع هو أهم ركائز نسبية آينشتاين فإذا أردت تحديد موقعك في الفضاء أثناء ركوبك مثلاً فإن أبعاد الطول والعرض والارتفاع لن تكون كافية لأن الطائرة متحركة وبالتالي يلزمنا البعد الرابع “الزمان” وما يجعلنا نتخلى عن البعد الرابع في حياتنا الطبيعية فقط أننا نسير جميعًا بسرعة منتظمة وثابتة.

أعقد ما قدمه آينشتاين في نظريته هو النظام الزمني والذي بسط آينشتاين فيه فرضيته الشهيرة، باعتبار أن شخصًا ما يقف في محطة قطار سيتحرك بين نقطتين ب و أ وبافتراض سقوط شعاع من الضوء على النقطتين في نفس الوقت فإن الراصد نظريًّا بإمكانه أن يرى الشعاعين يسقطان على “ب وأ” في آن واحد باستخدام مرايا عاكسة مثلاً، ولكن ماذا سيحدث لو كان الراصد داخل القطار فهل يمكنه أن يرى الشعاعين معًا.

بافتراض أن القطار يتحرك بسرعة الضوء فإن الراصد داخل القطار لن يرى الشعاع الساقط على نقطة ب “التي تقع خلفه” لأنه ببساطة يسير بنفس سرعته بينما سيكون بإمكانه رؤية الشعاع الساقط على أ، وبافتراض أن القطار يسير بأقل من سرعة الضوء فإن الراصد داخل القطار لن يرى الشعاعين أبدًا في وقت واحد كما يراهما الراصد خارجه وهذا ببساطة مفهوم تباعد الزمان كما في نظرية آينشتاين فكلما كان الجسم يسير بسرعة أكبر كلما صار الزمان أبطأ – لا يمكن ملاحظة ذلك إلا من وسط خارجي-، لهذا فإن فرضية آينشتاين تعتمد بالضرورة على كون سرعة الضوء هي السرعة المطلقة – لا يمكن أن تزيد سرعة جسم فوقها ولا يمكن حتى أن تزيد سرعته مهما زادت سرعة مصدره – التي تصير عندها قيمة الزمان مساوية لصفر.

ووفقًا لفرضية آينشتاين – نظريًّا – فإنه لو قدر لشخص أن يسافر في الفضاء بسرعة 167000 ميل في الثانية – نصف سرعة الضوء تقريبًا – بصحبة ساعة لمدة 10 سنوات أرضية فإن المسافة التي تقطعها ساعته سوف تكون 5 سنوات فقط.

إنّ فحوى ومجمل النظريات النسبية, في مجالات الاجتماع والفكر والفلسفة واللاهوت, تتعلق بفكرة أن كلّ الحقائق “نسبية”, سواء الكونية منها أو الذهنية, وهذا يعني أنه لا توجد هناك حقيقة أكثر مصداقية من الأخرى, وبالتالي لا يوجد مقياس موضوعي للحقيقة، وكنتيجة طبيعة لهذه المقدمات, تنكر هذه النظريات, وجود حقيقة مطلقة, سواء في الكون والوجود العيني المادي, أو في المعارف والعلوم، وفي الوجود الذهني, أو في الروابط بين هذين الوجودين من خلال جسور اللغة والتواصل بينهما.

وطبقًا للفلسفة النسبية فإنه عند التخلّي عن أية سلطة فوق الطبيعة, فإن الإنسان سيواجه قوانين أنشأها بنفسه، وعليه يُظهر هذا النمط من التفكير أن القوانين في الطبيعة والمجتمع قد أنشئت بطرق مختلفة وبأناس مختلفين وفي أزمان متفاوتة وفي حالات معينة وليس هناك حقيقة واحدة, وإنما هناك فقط حقائق مختلفة لمجتمعات متباينة.

وكذلك تنكر الفلسفة النسبية قدرة العقل والتفكير على اكتشاف وتأكيد الحقائق, فتنتج نسبية معرفية تفترض أنه لا وجود لنظام “إبستميولوجي”, أو منهج معرفي علمي يمكن اعتماده بشكل مطلق.

النسبية المعرفية لا بد أن تنتج لنا بالضرورة نسبية أخلاقية فالحقائق الأخلاقية, تتفاوت تبعًا للفرد والزمان والظروف كما أنه لا يوجد إطار مرجعي موحد يمكن أن نحتكم إليه للحكم على أخلاقية تصرفات بعينها بمعزل عن طبيعة المجتمع والظروف كما يظهر بوضوح في فلسفة التجريبيين أمثال جون لوك وديفيد هيوم.

4- ميكانيكا الكم وصفعة للسببية “لا يمكننا معرفة أو التنبؤ بجميع الأشياء”

حين يتعلق الأمر بالأجسام الدقيقة كالذرات تصبح ميكانيكا نيوتن عاجزة بشكل كبير حيث تُصوِّر الذرة كمجموعتنا الشمسية بتمركز النواة في الوسط ودوران الإلكترونات حولها. غير أنه وبإغفال الشحنات الكهربائية التي تتحول نتيجة الدوران السريع للإلكترونات إلى طاقة كهرومغناطيسية تبدد طاقة الإلكترونات مما يجعلها تصطدم بالنواة في جزء من الثانية لنفاذ طاقتها مما يؤدي إلى إنهيار الذرة، وهذا غير واقعي لذا جاءت الحاجه لنظرية جديدة تعطي نموذجًا آخر لتكوين الذرة.

نشأت مشكلة أخرى في ميكانيكا نيوتن عندما نتأمل إشكالية” الجسم الأسود “وهو جسم يمتص كامل الإشعاع الساقط عليه ليعيد إصداره بالكامل مرة أخرى” حيث فشلت كل المحاولات المستندة إلى الفيزياء الإحصائية التقليدية في تفسير منحنى إشعاع الجسم الأسود خصوصًا عند الترددات العالية وهذا ما عُرِف لاحقًا باسم الكارثة فوق البنفسجية.

اقترح ماكس بلانك تفسيرًا ثوريًّا لهذه الظاهرة؛ حيث افترض أن الموجات الكهرومغناطيسية لا تصدر بشكل مستمر متصل بل على شكل كميات متقطعة سماها “كمات”؛ حيث يعتبر الكم أصغر مقدار معين من الطاقة يمكن تبادله بين الأجسام وفق تردد معين وترتبط طاقة الكم بتردد الإشعاع المرافق له.

ولكن ظهرت إشكالية جديدة وهي أن نيوتن يؤكد بنظريته أن الضوء جسيمات, فنجد أن هناك عالمًا آخر يدعى يونغ يؤكد بتجاربه ونظرياته أن الضوء هو عبارة عن موجات وليس جسيمات, ويبدو للباحثين أن النظريتين صحيحتان, ولكن كيف يكون الضوء جسيمًا وموجة في نفس الوقت؟


جاءت جهود وليام براغ ومن بعده النظرية المزدوجة لآينشتاين ثم جهود مطولة لعلماء الكم لنخرج بالنهاية إلى حقيقة مفادها أن للضوء طبيعة مزدوجة، وبمعنى أكثر دقة فإن الضوء والمادة موجودان كجسيمات، ويكون التصرف الموجي ناشئًا عن تراكم العديد من جسيمات الضوء وزعت على احتمالات حيث يوجد كل جسيم، فالذرة إذًا ليست مجرد إلكترونات تدور حول النواة ولكنها عدد كبير جدًّا من الاحتمالات لتوزيع الإلكترونات حول النواة.

على سبيل المثال، لنفترض أننا نلعب لعبة توجيه الأسهم إلى الحلقة الشهيرة وأننا رمينا مثلاً مائة سهم على لوحة الرمي، يمكنا أن نرى كل سهم منفرد (لذا نعرف أن طبيعتهم مثل الجسيم) وبإزالة الأسهم “وإبقاء آثارها” سنتمكن من أن نرى نموذج الاحتمالات الذي شكله مسار ضرب 100 سهم على الحلقة، ويمثل هذا السلوك الموجي للأسهم.

يعتبر مبدأ الريبة أحد أهم الأسس التي قامت عليها ميكانيكا الكم وينص هذا المبدأ -الذي صاغه العالم الألماني هايزنبرغ – على أنه لا يمكن تحديد خاصيتين تم قياسهما من خواص جملة كمومية إلا ضمن حدود معينة من الدقة، أي أن تحديد إحدى الخاصيتين بدقة متناهية (ذات عدم تأكد ضئيل) يستتبع عدم تأكد كبير في قياس الخاصية الأخرى، ويشيع تطبيق هذا المبدأ بكثرة على خاصيتي تحديد المكان والسرعة لجسيم أوليّ، فهذا المبدأ معناه أن الإنسان ليس قادرًا على معرفة كل شيء بدقة 100%، ولا يمكنه قياس كل شيء بدقة 100%، إنما هناك قدر لا يعرفه ولا يستطيع قياسه.

ومبدأ عدم التأكد، أو عدم اليقين يعني ببساطة أن العلم لا يستطيع أن يفعل أكثر من أن تكون لديه تنبؤات إحصائية فقط، فالعالم الذي يدرس النشاط الإشعاعي للذرات مثلاً، يمكنه أن يتنبأ مثلاً بأن من كل ألف مليون ذرة راديوم مليونان فقط سوف يصدران أشعة جاما في اليوم التالي، لكنه لا يستطيع معرفة أي ذرة من مجموع ذرات الراديوم سوف تفعل ذلك، كانت نظرية عدم التأكد مقلقة وتنسف جدار الحتمية الذى تمسك به نيوتن بل وآينشتاين – برغم نسبيته كان يرى أن كل شيء يمكن التنبؤ به وإن كان نسبيًّا في حقيقته – حتى إن أينشتاين رفضها أول أمره قائلاً: “إن عقلي لا يستطيع أن يتصور أن الله يلعب النرد بهذا الكون”.

تعد قطة شرودنجر الشهيرة مثالاً لمبدأ الريبة الذي تعثر على الجميع فهمه “كيف تفترض أن يكون الإلكترون موجودًا فى مكانين في نفس الوقت أو موجود وغير موجود في الوقت ذاته”؛ حيث تخيل شرودنغر تجربة ذهنية تم فيها حبس قطة داخل صندوق مزود بغطاء, بصحبة عداد جايجر وكمية ضئيلة من مادة مشعة بحيث يكون احتمال تحلل ذرة واحدة خلال ساعة ممكنًا، وإذا تحللت الذرة فإن عداد غايغر سوف يطرق مطرقة تكسر بدورها زجاجة تحتوي حامض الهيدروسيانيك الذي يسيل ويقتل القطة فورًا، والآن يقف المشاهد أمام الصندوق المغلق ويريد معرفة هل القطة حية أم ميتة؟ فالنسبة له القطة بين الحياة والموت ما دام لم يرصدها فإذا رصدها صارت إما حية أو ميتة وهو ما يعرف بمبدأ “التراكب”.

على أي أساس إذًا يتحدد السلوك النهائي الذي نرصده للجسيم من ضمن هذه الاحتمالات اللانهائية؟ للتغلب على هذه المشكلة القاتلة في ميكانيكا الكم تقدم رواد هذا العلم ببعض التفسيرات التي تجعل ميكانيكا الكم مقبولة ومنطقية، أهم هذه التفسيرات هو تفسير كوبنهاجن لميكانيكا الكم المبنية على مبدأ الريبة التي تقول بأنه بالرغم من وجود عدد لا نهائي من الحالات العشوائية لأي جسيم كمي، فإن مجرد ملاحظة هذا الجسيم ومحاولة قياس أي حالة من حالاته تتدخل في سلوكه وتجبره على اختيار حالة واحدة ليسلكها، وعلى هذا تم تفسير العشوائية التي تنتج عند قياس الجسيمات الكمية وحركتها أو سلوكها الموجي… باختصار أطروحة هايزنبرج تقول إن الحواس الإنسانية تؤثر في سلوك الجسيمات الكمية عند ملاحظتها.

شكلت ميكانيكا الكم مدخلاً لعدد كبير من المقاربات الفلسفية المبنية على مبدأ “التراكب” ومبدأ “الريبة” أشهرها فرضية الأكوان المتناظرة التي تفترض أن الكون إنما هو “أحد” الأكوان الموجودة في مجموعة لا نهائية من الأكوان المماثلة والمناظرة، بل والمختلفة أيضًا والتي طرحها العديد من الفلاسفة أبرزهم الفيلسوف الإنجليزي وليم جيمس.

تطرح هذه الفلسفة الواقع من حولنا بأنه لا يصير حقيقة إلا إذا حضر في أذهاننا ووعينا ويتخلى عن وجوده إذا غاب عنه الوعي والمشاهدة, إذن فلا حقيقة مادية للإلكترون وبالتالي للوجود إلا في حالة وعينا به، وهو ما يعلق عليه الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينج قائلاً: “إذا صح تفسير مدرسة كوبنهاغن فلا بد أن يكون هنالك كائن خارج الكون يراقبه لكي تنهار الدالة الموجية للكون فيصبح الواقع الذي نشاهده فبدون هذا المراقب سيتبخر هذا الكون إلى مجرد دالة احتمال”، بمعنى أكثر وضوحًا ما الذي يجعلنا نظن أن لنا وجودًا مثل ذواتنا ما لم تكن هناك جهة ما ترصدنا من خارج هذا الكون، هل يمكن أن نكون حتى نحن البشر مجرد تجليات لدالة احتمال؟

لو نزلنا نحو مقاربات أقل تجريدية فإن الكمومية ألغت السببية تمامًا لصالح الاحتمالية، تفترض مثلاً: إن وجود زيد في بيته من عدم وجوده في بيته, يشكل حدثًا احتماليًّا, فقد يكون موجودًا في بيته بنسبة 50% , وقد يكون غير موجود في بيته بنسبة 50% أيضًا، ولكن هذا الاحتمال ناشئ عن قصور في المعطيات المعرفية, ولو كانت معطياتك المعرفية الخاصة بك ذاتيًّا كاملة عن زيد في هذه الحال, فتستطيع أن تجزم بوجوده من عدم وجوده بشكل يقيني، أما طبقًا للفلسفة الكمومية فإن الاحتمال ليس ناشئًا عن قصور في المعرفة ولكنه مكون أصلي للبنية الإبستمولوجية “المعرفية” بمعنى أن زيد موجود في بيته وغير موجود فيه في نفس الوقت وفقًا لدالة احتمال، وأن تدخل الراصد هو من يؤول الدالة إلى أحد احتماليها، بل إن وجود زيد في حد ذاته ليس أمرًا حتميًّا.

عزز مبدأ هايزنبرغ مبدأ الإرادة في مواجهة الحتمية أو القدرية لأن قرارات الإرادة الحرة هي أيضًا بالضرورة غير قابلة للتنبؤ بها فالإلكترون يختار بطريقة غير متوقعة وتحت تأثير مؤثرات غير فيزيائية أشبه بالاختيار الحر أو حتى بالتوجيه الإلهي.

كما مال بعض الفلاسفة اللاهوتيين لتفسير مبدأ عدم التيقن بأنه حد موضوع لما يمكن معرفته بالحس المادي، فهناك أشياء لا يمكن قياسها وبالتالي لا يمكن معرفتها وبناء عليه فإنها ليست موجودة أصلاً في الحس المادي.

كتب يمكن الرجوع إليها :-

1- أفكار سبع هزت العالم.

2- نيوتن والثورة العلمية.

3- أينشتاين والنسبية.

4- المدخل لنظرية ميكانيكا الكم.

المصادر

تحميل المزيد