تشعر بالوحدة وأنك منبوذ اجتماعيًا؟ ذلك الشعور الذي قد يخلق علاوة على التوتر والضغط، صدمات نفسية، قد تؤدي إلى تغييرات في السلوك والاتجاهات والأفكار، إذًا كيف تواجه تلك التأثيرات وتعيش مع اختلافك المفترض في سلام نفسي؟

هذا سؤال نحاول الإجابة عنه بنصائح معرفية في المفاهيم والمعتقدات، أساسها نظريات علمية نفسية، تدرك من خلالها التأثيرات السيكولوجية التي قد تصيبك في حالة النبذ الاجتماعي والشعور بالوحدة والعزلة لتدركها وتضعها في وضعها الطبيعي وتحافظ بالتبعية على سلامك النفسي.

1- دوامة الصمت.. سكوتك لا يعني رضاك!

«السكوت علامة الرضا»

مثل شعبي شهير ولكن قد لا يعكس الحقيقة، فصمتك لا يعني بالضرورة رضاك. فالإعلام قد يجرك إلى دوامة صمت وأن وجهة نظرك تمثل الرأي العام، وهذا ما تفسره نظرية إعلامية تحمل اسم «دوامة الصمت»، أسستها الباحثة الألمانية إليزابيث نيول نيومان عام 1974.

وترتكز الفكرة الرئيسية للنظرية على أن الفرد يميل إلى تشكيل رأيه، طبقًا للرأي العام السائد في المجتمع الذي يعيش فيه، وتعتمد النظرية على افتراض رئيسي مفاده أن وسائل الإعلام حين تتبنى آراء أو اتجاهات معينة خلال فترة من الزمن، فإن معظم الأفراد سوف يتحركون في الاتجاه الذي تدعمه وسائل الإعلام، وبالتالي يتكون الرأي العام بما يتسق مع الأفكار التي تدعمها وسائل الإعلام.

وقد لاحظ بعض الباحثين أن وسائل الاتصال الجماهيرية تتخذ أحيانًا جانبًا مؤيدًا لإحدى القضايا أو الشخصيات، ويؤدي ذلك إلى تأييد معظم الأفراد للاتجاه الذي تتبناه وسائل الإعلام بحثًا عن التوافق الاجتماعي.

وتستخدم وسائل الإعلام ثلاث وسائل  لتحقيق ذلك التأثير، الأولى: وهي التراكمية، وهو ما قد يمكن التعبير عنه بالمثل  العامي «الزن على الآذان أوقع من السحر»، بميل وسائل الإعلام إلى تقديم رسائل متشابهة ومتكررة حول الموضوعات التي تقدمها، والثانية: الشمولية، بهيمنة وسائل الإعلام على بيئة المعلومات المتاحة بشكل قد يصعب الهروب منها.

والثالثة: التجانس، وتتمثل في توافق الأفكار التي تبثها وسائل الإعلام على جمهور المتلقين، ووجود تنسيق مسبق بين القائمين بالاتصال للسير نحو توجهات معينة، وتؤدي هذه العوامل السابقة مجتمعة، إلى تقليل فرصة الفرد المتلقي في أن يكون له رأي مستقل حول القضايا المثارة، وبالتالي تزداد فرصة وسائل الإعلام في تكوين الأفكار والاتجاهات المؤثرة في الرأي العام.

أما الأفراد المعارضون للاتجاه الذي تدعمه وسائل الإعلام، فإنهم يتخذون موقف الصمت تجنبًا لاضطهاد الجماعة وخوفًا من العزلة الاجتماعية وربما يتمدد الأمر للخوف من (العزل من الوظيفة والنبذ المجتمعي)، وبالتالي إذا كانوا يؤمنون بآراء مخالفة لما تعرضه وسائل الإعلام، فإنهم يحجبون آراءهم الشخصية، ويكونون أقل رغبة في التحدث عن هذه الآراء مع الآخرين.

وبذلك تؤكد النظرية إن صمتك لا يعني رضاك وإنما رفضك في هذه الحالة، وهذا ما يجب أن تدركه داخليًا على الأقل وإن لم تلوح به للعالم الخارجي، لتكوين رأي مستقلًا بعيدًا عمّا يروجه الإعلام.

2- أنت لست وحدك.. الإعلام لا يعكس بالضرورة رأي الأغلبية

وسائل الإعلام لا تعبر بالضرورة عن رأي الأغلبية، هذه أحد أبرز الانتقادات الموجهة لنظرية دوامة الصمت، فوسائل الإعلام قد تعكس أحيانًا أغلبية «مزيفة» وهو انتقاد عززه المفكر الإعلامي ناعوم تشومسكي، عندما  أشار في كتابه «السيطرة على الإعلام، الإنجازات الهائلة للبروبجندا» إلى كيفية استخدام الإعلام والدعاية في تجريد الديمقراطية من قوة تمثيلها للإرادة الشعبية وتحويل تلك الارادة الشعبية نحو موضع مزيف آخر يصب أو يخدم مصلحة النخب المهيمنة في المجتمع.

وهنا يبرز بقوة مصطلح الرأي العام «الكامن» بتقسيم الرأى العام وفقًا للنظم السياسية المسيطرة على الحكم في المجتمع الحديث إلى نوعين، الأول: رأي عام ظاهر في الدول الديمقراطية، والثاني: رأي عام باطن أو كامن في الدول القمعية التي تفتقد إلى الديمقراطية، حيث يعجز المواطنين عن إبداء آرائهم بحرية خوفًا من القمع الأمني، وبذلك فإذا امتلكت رأيًا مخالفًا لما تروجه وسائل الإعلام، فلا تقلق، إذ قد يعكس رأيك الأغلبية ولكنها أغلبية «كامنة» وليست «ظاهرة» بشكل معلن في وسائل الإعلام.

3- أعمل عقلك.. الأغلبية ليست على صواب دائمًا

ما هو أطول خط من تلك الخطوط؟ الإجابة تبدو بديهية جدًا ولا تحتاج لأي تفكير، بالطبع الخط الثالث فوق حرف «C»، ولكن الأمر يبدو مختلفًا إذا ما أجمع من حولك أن الخط الأطول هو «B»، فستتردّد وتفكر في الإجابة عن هذا السؤال البديهي!

وهو ما درسه الدكتور آش، في خمسينيات القرن الماضي، ليقيس تأثير الأغلبية في آرائنا الشخصية وقناعتنا، عندما أجرى تجربة تحمل اسمه، أتى فيها بمبحوث وسط ممثلين متعاونين مع آش، أجمعوا على الإجابة الخاطئة، ليتردد المبحوث قبل الإدلاء بإجابته. وقد كشفت التجربة أن نسبة الخطأ في الإجابة عن هذا السؤال ترتفع من 1% إلى 75%، إذا أجمع المحيطون بك على إجابة خاطئة، مما يُشكّك الشخص في إدراكه الشخصي، وقدرته على مواجهة الأغلبية. ولذلك لاابد من إعمال العقل بشكل جيد وإدراك أن الحق والصواب ليسا بالضرورة مع الأغلبية.

4- لا للتقليد الأعمى.. احذر تأثير المطابقة

ولأن الحق والصواب ليسا بالضروة مع الأغلبية، فاحذر من حرصك النفسي على أن تقلد الأغلبية السائدة في المجتمع ومحاولة التطابق معها، فقد يتولد بالفعل لديك توجه نفسي يميل نحو محاكاة ما يفعله الكثرة حولك، دون مبررات منطقية كافية لتلك الأفعال والسلوكيات.

فهناك تأثير نفسي علمي اكتفشه الباحث الأمريكي كراشفيلد عام 1955 ويُعرف بـ«تأثير المطابقة»، وهذا نوع من التأثير الاجتماعي الذي يتضمن تغييرًا في الاعتقاد والسلوك لكي يتناسب مع الجماعة، ويأتي هذا التغيير نتيجة ضغط حقيقي أو خيالي من الجماعة، وهذه تجربة تُظهر كيف يغير المرء سلوكه ليتطابق  مع من حوله دون مبرر منطقي ظاهر لذلك، فقط لأن من حوله اتجهوا بأجسادهم نحو اتجاه معين، تجده يحاكيهم فقط للتخلص من وحدته.

لذلك قد تجد نفسك منجرًا لـ«تريند» منتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فقط لانتشاره وشعورك بأنك وحيد، إذا كنت مقتنعًا به فلا بأس أما التقليد الأعمى فهذا غير محبذ، فأنت لست مجبرًا على التقليد وكونك وحيدًا لا يعني أنك تعاني من مشكلة؛ فقد تجد نفسك تتجه نحو الصف الأطول لشباك تذاكر وسائل النقل تاركًا شباكًا آخر فارغًًا فقط من وحي تأثير المطابقة وحرصك على تقليد الأكثرية، لكن مخالفتك للأغلبية قد تسهل عليك شراء تذكرة من الشباك الفارغ!

«حينما يُعلمنا الأطفال».. 4 تجارب تكشف لك الكثير عن نفسك

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد