إذا كانت لعبة العروش وصراعها هي لعبة الملوك المفضلة، فعلى مر التاريخ كانت النساء إبان العصور والخلافات المختلفة، ومن غرف قصورهن، يدرن شئون البلاد، ويسقطن ملوكًا ويولين آخرين؛ بالحبِ أو بالدمِ، بالذكاء والحيلة أو بالسمِ، وسواء كانت أمًا أم شقيقة أم زوجة، نالت النساء مبتغاهن. وفي السطور التالية سنتناول سيرة أربع نساء وصلن إلى مكانة عالية في إدارة شئون البلاد، ومارسن القتل والاغتيال في سبيل ولاية العهد.

الخيزران بنت عطاء.. لماذا أمرت بقتل ابنها؟

«قالت لجواريها الحسناوات: اجلسن على ابني، وهو نائمٌ في سريره بالقصر، ولا تتركنه حتى يفقد النفس، أريد خبرهُ الليلة، فلا عاش من غلَّ يديَّ في حُكم الخلافة الإسلامية، فأنا أم الخليفة، لي فوق ما له وأزيد». * الكاتب أحمد الشهاوي عن مقتل الخيزران لابنها الخليفة موسى الهادي

في كتاب الشاعر أحمد الشهاوي «نواب الله»، يشير إلى حادثة مقتل الخليفة موسى الهادي على يد أمه الخيزران قائلًا: أنها أمرت جواريها بأن يجلسن على وجه الخليفة وهو نائم حتى يفقد النفس، وهو ما ورد في تاريخ الطبري «تاريخ الرسل والملوك» الجزء الثامن؛ إذ قال: «وقد جاءت وفاته من قبل جوارٍ لأمه الخيزران»، وعن السبب الذي من أجله قتلت الخيزران ابنها، يقول الطبري: «كانت الخيزران في أول خلافة موسى الهادي تفتي عليه في أموره، وتسلك به مسلك أبيه من قبله، في الاستبداد بالأمر والنهي»؛ وهو الأمر الذي لم يتقبله الهادي، فأمرها أن تلزم بيتها وصلاتها والتسبيح، قائلًا: إن «قدر النساء ليس في الاعتراض على شئون الملك».

كانت الخيزران في بداية حياتها واحدة من الجواري الحسان التي أهداها الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور إلى ولده محمد المهدي وهو في الخامسة عشرة من عمره؛ إذ انتدبه للاستقرار في إقليم خراسان، وزوده بجيشٍ من 30 ألف مقاتل، كما زوجه من ابنة عمه ريطة بنت أبي العباس، الملقب بـ«السفاح». أنجبت الخيزران للمهدي ابنه البكر موسى الهادي، وبذلك ساوت مكانتها مع زوجته ريطة التي أنجبت له في العام التالي ابنًا هو علي، إلا أن مكانة الخيزران قد ارتفعت عند المهدي بعدما حملت مرةً ثانية، فأنجبت للمهدي ابنه الثالث هارون الرشيد شتاء عام 148هـ، وبعدها انتقلت الخيزران إلى قصرٍ جديد شيده الخليفة المنصور لابنه المهدي.

أصبحت الخيزران سيدة القصر الأولى، وقد شغفت المهدي حبًا، وما إن تولى الأخير الخلافة عام 159هـ حتى قام بعتقها، وتزوجها، وتمكنت الجارية التي أصبحت زوجة الخليفة من إحكام قبضتها على زمام الأمور، وأقنعت الخليفة بمبايعة ولدها البكر موسى الهادي بالخلافة، ومن بعده الرشيد وليًا للعهد، وقد استسلم المهدي وخلع على ولديها الخلافة من بعده، لتصبح المرأة الأولى التي تلد خليفتين، وفي الوقت ذاته أحكمت قبضتها على شئون الدولة، وأصبح يقصد بابها أصحاب الحاجات من القواد والعمال، وكل طامع في منصب أو جاه، وذلك ما ورد في كتاب «الدولة العباسية: مراحل تاريخها وحضارتها».

بعد فترة أصبحت الخيزران تدرك أن ولدها موسى الهادي لن يصبح طوع أمرها كما كان أبوه، ولذلك حاولت إقناع الخليفة المهدي أن يستثني ولدها الأكبر من الخلافة، وينقلها إلى الأصغر هارون الرشيد، إلا أن المهدي قد توفي بغتةً قبل أن تنال مبتغاها عام 170هـ، وما إن تولى الهادي الخلافة حتى أوضح أنه ينوي الحكم بنفسه دون تدخلٍ من مراكز القوى في الدولة أو أمه الخيزران والتي كانت تستبد بالأمر والنهي في شئون الحكم، وكما ورد في كتاب «صور من حياة التابعات»، أن الخيزران قد طلبت من ولدها الهادي أن يولي خاله اليمن، لكن الهادي قد خيرهما ما بين طلاقه من ابنة خاله – إذ كان متزوجًا بها، وولاية اليمن – فأختارا ولاية اليمن، وطلق الهادي زوجته حينها.

يقول الطبري: «إن الخليفة موسى الهادي قد اشتاط غضبًا من أمه الخيزران وذلك لاستقبالها أصحاب الحاجات في قصرها، كما كانت تفعل في عهد أبيه، فانثال الناس عليها، وطمعوا فيها، فألزمها الهادي بيتها»، قائلًا: «إن وقف ببابكِ أحدًا من قوادي أو أحد خاصتي، لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله؛ فمن شاء فليلزم ذلك». يروي الطبري بعد ذلك عن حادثة إرسال طعام مسموم إلى الخيزران، قائلًا: «إن موسى الهادي قد أرسل إليها أرزة»، قائلًا: «استطبتها وأكلتُ منها؛ فكلي منها»، مما أثار الريبة في نفس بعض الخدم، فقالت لها إحداهن: «إمسكي عنها حتى تنظري، فإني أخاف أن يكون فيها شيئًا تكرهينه»، ويضيف الطبري أن الخدم قد جاؤوا بكلبٍ، أكل منها؛ فتساقط لحمه، وأرسل لها الهادي فيما بعد يسأل عن الأرزة، فقالت الخيزران: «وجدتها طيبة»، وأجابها: «لم تأكلي، لو كنت أكلتِ لاسترحتُ منكِ، متى أفلح خليفة له أم».

وعن موت الهادي يشير الطبري إلى أنه بعد هذه الحادثة أراد الهادي أن يخلع أخاه هارون من ولاية العهد وينقلها إلى ابنه جعفر، فيقول: «خشيت الخيزران على هارون منه، فأرسلت إليه من جواريها من قتلنه بالغم، والجلوس على وجهه».

الحاجب المنصور الذي حكم الأندلس ربع قرن دون أن يعتلي كرسي الخلافة!

سليمان القانوني يقتل ولده بتدبير السلطانة روكسلانة

«بذلت السلطانة «خرم سلطان» – وهو الاسم الذي أطلقه الأتراك على روكسلانة – جهدها، وصنعت كل ما في وسعها سرًا كي يتولى الحكم ابنها بايزيد الذي تحبه كثيرًا، وقد كان السلطان واقعًا تحت تأثير تلك المرأة الجميلة، ومن ثم كان عليه التخلص من الأمير مصطفى». *إسماعيل حقي جارشيلي، «التاريخ العثماني»

تشير المصادر التركية في ذكر مقتل الأمير مصطفى، إلى أنه أراد أن يقابل والده السلطان سليمان القانوني في قونية أثناء حرب من حروبه، ودخل إليه ليقبل يده، إلا أن سبعة من رجال والده المعروفين بالبكم، قبضوا عليه واعتقلوه وقتلوه، وتركوا جثته أمام خيمة السلطان، وقد جاء مقتله أمرًا سلطاني، ومكيدة دبرتها زوجة أبيه السلطانة روكسلانة مع الصدر الأعظم رستم باشا.

كانت روكسلانة جارية روسية، قدمت إلى السلطان سليمان القانوني كهدية من حاكم القرم عام 1520م، وكانت في هيئتها تشبه البولنديين ذوات الشعر الأحمر، ولهذا اختلط على المؤرخين أصلها ما بين روسيا وبولندا. عرفها الأتراك باسم «خرم سلطان» وذلك لأنها خلال أيامها الأولى في القصر كانت بشوشة الوجه ودائمة البهجة. أحبها السلطان سليمان القانوني حبًا جما، حتى أنهما كانا يتبادلان خطابات الغرام، فتقول له في إحدى خطاباتها: «سلطاني، يا حبيب الروح، إني أتضرع إلى الله وأبتهل إليه وأرجوه أن يريني وجهك المبارك في أقرب وقت».

ويقول المؤرخون عنها: «إن خرم لم تتمتع بجمالٍ طاغ، ولكنها تمتعت بجاذبية من نوعٍ خاص؛ إذ أحبها السلطان من الوهلة الأولى التي رآها فيها، ومنحها مكانة خاصة في قلبه». يقول عن ذلك المؤرخ حسين مجيب المصري في كتابه «معجم الدولة العثمانية»، أنها كانت مستحوذة على قلب السلطان ومسيطرة على تصرفاته إلى أبعد حد، وكان السلطان سليمان القانوني لا يرد لها طلبًا ويعمل بمشورتها.في البدء كانت خرم سلطان جارية شغفت السلطان حبًا، ومن ثم أنجبت له الولد، وأخذت بعدها تدفع العوائق شيئًا فشيئًا حتى أصبحت زوجة السلطان الشرعية، وابنها ولي العهد.

عُرف عنها الذكاء، كما كانت تتمتع بشخصية غامضة ومعقدة، فرضت سيطرتها وهيمنتها على النساء في القصر العثماني، كما جسدت سيادة المرأة وسطوتها، في شهر مايو (آيار) من عام 1524، ولد الأمير سليم، ليصبح الابن الثالث للسلطان سليمان، والأول لروكسلانة، وبقدومه ارتفعت مكانة خرم لدى السلطان القانوني فأصبحت بنفس مكانة جلبهار، الزوجة الأولى للقانوني ووالدة الأمير مصطفى ولي العهد، إلا أنه بمرور الوقت بدأت مكانة جلبهار تقل شيئًا فشيئًا، حتى انقطع عنها السلطان وأصبح ولاؤه كاملًا لروكسلانة.

بعد وفاة والدة السلطان، أعلن سليمان القانوني «خرم سلطان» زوجة شرعية له، وهجر نساءه الأخريات وفاءً لها وتعلقًا بها، ويضيف المصري إلى أنه بعد وفاة الوالدة، لم يبق في القصر العثماني أعداء لروكسلانة سوى «بوسفور سلطان» أو جلبهار، وهي السيدة الأولى في الحريم، وإبراهيم باشا الصدر الأعظم وزوج أخت السلطان سليمان. وأن روكسلانة قد حاكت المكائد من أجل إبعاد الأمير مصطفى عن والده؛ إذ أقنعت السلطان بإسناد منصب له في الأناضول، وأرسل السلطان بعد ذلك إليه أمه جلبهار.

أما إبراهيم باشا فقد دعاه السلطان إلى القصر – مثلما كان يفعل في كثيرٍ من الأحيان، يوم الثاني والعشرين من رمضان؛ إذ تناولا معًا الإفطار، وتجاذبا أطراف الحديث حتى منتصف الليل، وعندما ذهب إبراهيم باشا إلى غرفته الفخمة داخل القصر لينال قسطًا من النوم، إذا به يُقتل مخنوقًا على يد الجلاد أثناء نومه، وذلك بأمرٍ سلطاني، ولم يفصح السلطان أبدًا عن سبب قتله إبراهيم باشا رغم ما جمعهما من صداقة؛ إلا أن البعض ينسب مقتله إلى روكسلانة، التي دبرت الخطط من أجل التخلص منه، وتعيين رستم باشا الموالي لها صدرًا أعظم.

وفي مقتل الأمير مصطفى، يقول المؤرخ جان ألبجوونج في كتابه «السلطانتان: خرم ومهرماه»،أن بعض الأرذال قد قاموا بالتقرب من الأمير مصطفى يبثون في عقله بعض الأفكار، ويحرضونه على التمرد ضد والده، فجمع الأمير الصغير بعض رجال الجيش والعسكر، ورفع راية العصيان ضد والده السلطان، وقد أتى رستم باشا ببعض الوثائق التى تؤكد عصيان الأمير مصطفى وعرضها على سليمان القانوني، وكان من بينها بعض الخطابات المتبادلة مع شاه إيران، وهو الأمر الذي دفع السلطان إلى إصدار حكم بإعدام إبنه البكر وفلذة كبده. وعن ذلك يقول إسماعيل حقي في كتابه «التاريخ العثماني» أن السلطانة روكسلانة كان لها دورًا كبيرًا في التخلص من الأمير مصطفى؛ إذ خشيت أن يهدد اعتلاؤه للعرش مكانة أولادها.

يقول حقي: «أخذت تنفذ خطتها رويدًا رويدًا، وقد لعب رستم باشا دورًا كبيرًا في هذه المسألة؛ إذ قام بتزوير خطابات موقعة من الأمير مصطفى وموجهة إلى شاه إيران».

ست الملك والانتقام من أخيها الحاكم بأمر الله

هي ست المُلك بنت العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله، الفاطمية العلوية، أميرة من الفضليات الحازمات المدبرات، وهي أخت الحاكم بأمر الله – الخليفة الفاطمي- غير الشقيقة، وقد كان الحاكم يستشيرها في شئون الحكم ومعضلات الأمور، كما جاء في تاريخ تقي الدين المقريزي «اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء»، ومن ثم تغير عليه وهم بقتلها، وساءت سيرته؛ فاتفقت ست الملك مع حسن بن دواس، من كبار القواد، ووعدته بإدارة الملك من أجل اغتيال الخليفة الحاكم، فقتل الحاكم عام 411هـ، وقامت ست الملك بإدارة شئون البلاد أربع سنوات، حتى وفاتها في مصر.

«ثم جاء الحاكم بأمر الله: أبو علي المنصور، الذي سار سيرة عجيبة في الحكم في الناس، انتهت باختفاء غريب وغامض، وقيل إن وراء مقتله تدبير أخته ست الملك» *رجائي عطية، «دماء على جدار السلطة»

يشير الكاتب محمد رجائي عطية في كتابه «دماء على جدار السلطة»، إلى الوقائع التي أراق فيها الخلفاء المسلمين الدماء من أجل السلطة والحكم، فقتل الابن أباه، والأخ أخاه، والابن والده من أجل الملك، ومن بينهم يسرد سيرة ست الملك، شقيقة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله قائلًا: «لم تكن ست الملك مدبرة قتل أخيها الخليفة الفاطمي السادس، متصارعة تطلب الحكم لنفسها، بل كانت تعرف أنه محال آنذاك أن تتولى الخلافة، لكنها نظرت فوجدت أخاها وقد أفسد الأمور وقلب أحوال الناس، وهدد وجود الدولة الفاطمية، فتحركت من أجل الحكم، لا صراعًا عليه، لتحفظ له قوامه».

 

تولى الحاكم بأمر الله الخلافة عام 390هـ، وقد شبَّ تحت وصاية مربيه برجوان الخادم، وبعد أن تجاوز هذه المرحلة، بدأ يُظهر تعصبه الشديد للمذهب الفاطمي، فاضطهد أهل الذمة وكافة المسلمين من غير الشيعيين، وحيكت الأساطير حول طبيعته العجيبة وطرق حكمه، حتى أنه حرَّم بعض الطعام، ورويت عنه الحكايات، فقيل أنه عندما أزعجه نباح الكلام، أمر بقتلهم جميعًا، كما قيل عنه أنه منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلًا ونهارًا، ومنع الأساكفة من صنع الخفاف المنجدة لهن، فأقمن في ذلك سبع سنين وسبعة أشهر حتى خلافة الظاهر.

أما ست الملك فقيل عنها إنها امتازت برجاحة العقل والكرم والحزم، ولم تتزوج، وكان لها نفوذًا كبيرًا في إدارة شئون الدولة الفاطمية، وضمنت للحاكم الهدوء إبان فترة حكمه، وكان يتقبل النصح منها حتى أن رجال الدين كانوا يأتون إلى بابها من أجل التوسط بينهم وبين الخليفة، وذلك حتى انقلب الحاكم عليها.

يقول المقريزي: «إن الحاكم بأمر الله قد رمى شقيقته بالفجور، مُدعيًا أنها حامل، وما كان من ست الملك إلا أن راسلت سيف الدين بن دواس وتواعدت معه على قتله، واحضرت عبدين ودفعت لهما ألف دينار؛ ليقتلا الحاكم في الليل أثناء وجوده على الجبل»، ويضيف: «وقف العبدان له وضرباه حتى مات، وطرحاه وشقا جوفه، ولفاه في كساء، وحملا الحاكم إلى أخته، فدفنته»، راسلت ست الملك فيما بعد عبد الرحيم بن إلياس أمير دمشق، وكان الحاكم قد خلع عليه ولاية العهد ومن ثم تخلصت منه هو الآخر، وأخذت البيعة لعلي بن الحاكم بأمر الله المعروف باسم «الخليفة الظاهر»، وهو في السادسة عشرة من عمره، وأبقت مقاليد الحكم في يديها بصفتها وصية على العرش، أما من اطلعوا على سرها فقتلتهم جميعًا، وماتت بعد عامين.

الجدير بالذكر أن بعض المؤرخين المعاصرين للدولة الفاطمية قد نفوا التهمة عن ست الملك، قائلين: «إن ست الملك كانت في العقد الخامس من عمرها إبان حادثة مقتل الحاكم بأمر الله، وهو ما ينفي اتهامه لها بالفجور والحمل السفاح، مُشيرين إلى تحامل المؤرخين السنيين على الدولة الفاطمية ومذهبها الشيعي»، ولذلك حاولوا الطعن في كثيرٍ من جوانبها، وذلك كما جاء في كتاب «الاغتيالات السياسية في عصر الدولة الفاطمية».

الصقالبة والمماليك والانكشارية.. «عبيد السلطان» الذين أقاموا دولًا وأسقطوها

بغداد خاتون زوجة السلطان أبي سعيد

كان الجليل أبو سعيد بهادر خان سلطان العراقين وخراسان، وهو الذي أسلم من ملوك التتر، ولما استقل السلطان أبو سعيد بالملك أراد أن يتزوج ابنة الجوبان، وكان اسمها بغداد خاتون، ويقال عنها كما ورد في رحلة ابن بطوطة «تحفة النظار في غرائب الأمصار»: إنها من أجمل نساء عصرها، وكانت حينذاك متزوجة من الشيخ حسن، وهو ابن عمته، فأمره ليطلقها، وكان له ما تمنى فتزوجها أبو سعيد، يقول عن ذلك ابن بطوطة: «كانت أحظى النساء لديه، والنساء لدى الأتراك والتتر لهن حظ عظيم»؛ إذ كان السلطان إن كتب أمرًا وأرسله يقول في آخره: «عن أمر السلطان والخواتين»، كما كان لكل خاتون الكثير من البلاد والولايات والجبايات العظيمة، وكان لبغداد خاتون لدى أبي سعيد مكانة عظيمة، وفضلها عمن سواها من النساء، وذلك حتى تزوج دلشاد خاتون.

«تزوج أبو سعيد من امرأة تسمى دلشاد، فأحبها حبًا شديدًا، وهجر بغداد خاتون؛ فغارت لذلك وسمته بمنديل مسحته به بعد الجماع، فمات وانقرض عقبه» * ابن بطوطة عن مقتل أبي سعيد

في كتاب «الوافي بالوفيات»، يقول صلاح الدين بن أيبك الصفدي، أن بغداد خاتون، ابنة النوين جوبان، من الأسرة الجوبانية، ولما انقلب أبو سعيد على والدها فهرب الأخير، وقتل أبو سعيد شقيقها، اغتصبها من زوجها، وأجبره على تطليقها، وقد كان أبو سعيد يميل إليها ميلًا عظيمًا، وكان والدها في البدء يفهم ذلك، فلا يدعها تقرب مكانًا هو فيه، وعندما تزوجها أبو سعيد صارت لها الكلمة النافذة في جميع الممالك، وتركب في موكبٍ من الخواتين وتشد السيف على وسطها، ومنحها السلطان لقب خواند كار أي «سيدة العالم»، وفي كتاب «العراق في العهد الجلائري»، يُقال إنها تدخلت في شئون الحكم دون أن يقدر أحد على التصدي لها، وكان الوزير يساعدها في تحقيق رغباتها، فكانت هي وراء عزل حاكم هراة الملك غياث الدين كرت، ودبرت مقتل حاكم خراسان وغيره من الأمراء، وذلك انتقامًا من مقتل والدها وأشقائها.

لم تستثن بغداد خاتون أحدًا في مسيرتها نحو الانتقام من قتلة عائلتها، حتى زوجها أبي سعيد، والذي قيل إن أطباءه استشعروا وجود السم في بدنه عقب وفاته، وأن الخاتون هي من دست له السم لما تكنه له من حقد. وكانت وفاة أبي سعيد إيذانًا بانتهاء الدولة الإيلخانية؛ إذ لم يخلف السلطان وراءه من يحمل اسمه لأنه كان مصابًا بالعقم، أما في ذكر مقتل أبي سعيد، يقول ابن بطوطة أنه تزوج من دلشاد خاتون إبنة أخت بغداد خاتون عام 734هـ، وهو الأمر الذي أشعل غيرة ابنة جوبان، فقتلته، ولما عرف الأمراء أن بغداد خاتون هي التي سمته، أجمعوا على قتلها، فأتاها الرومي خواجة لؤلؤ من كبار الأمراء وهي في الحمام، وضربها حتى فقدت النفس، وقد ظلَّ جسدها هناك أيامًا مستور العورة بقطعة تليس – وعاء من الخوص، وبعد وفاتها استقل الشيخ حسن – زوجها السابق بملك العراق، وتزوج دلشاد امرأة السلطان أبي سعيد.

مزاج الملوك.. لماذا ينقلبون على المقربين منهم؟

المصادر

تحميل المزيد