يتعامل الكثيرون مع الوصول للسلطة في سن صغير على أنه إنجاز في حد ذاته، وعلامة خير وتميز للحاكم نحو الأفضل، بل يبالغ البعض في الاحتفاء بالمظهر الشاب للحاكم لدرجة ترويج شائعات إيجابية عنه، ولكن في الواقع وعلى عكس الصورة الذهنية، فمع وجود نماذج شابة ناجحة؛ لكن «البركة ليست دائمًا بالشباب».

في هذا التقرير نستعرض نماذج لحكام صغار حكموا بلادهم بالحديد والنار، منهم اثنان وصلا إلى السلطة بانقلاب عسكري، ومنهم من حكم بلاده لأكثر من 40 عامًا، وثالث تفنّن في القمع والإعدامات، ورابع ثار الشعب ضده منذ نحو 10 سنوات وظل ممسكًا بالسلطة، متسببًا في مقتل الملايين من أبناء  شعبه وإصابتهم وتشريدهم!

سياسة

منذ سنتين
ماكرون وترودو وابن سلمان.. هل «البركة بالشباب» دائمًا؟

القذافي.. حكم ليبيا في سن 27 واستمر 42 عامًا

وُلد معمر القذافي بمدينة سرت  الليبية في 7 يونيو (حزيران) عام 1942، وفي العشرينيات تأثر كثيرًا بالفكر الناصري، وقاد في الستينيات مجموعة الضباط الأحرار، التي دبّرت انقلابًا عسكريًّا على ملك ليبيا الملك إدريس السنوسي، وأطاحه من حكم البلاد في الفاتح من سبتمبر (أيلول) عام 1969، وأعلن الجمهورية الليبية، ليتولى حكم البلاد في سن صغير، بلغ 27 عامًا، ليكون من أصغر الحكام في العالم، ولكنه استمر في الحكم 42 عامًا، ولم يتركه سوى بمقتله.

ألّف القذافي الكتاب الأخضر عام 1976م، واعتبر أنه يمثل المبادئ التي تحكم البلاد، وأفاد أن كتابه يضم نظرية عالمية ثالثة تتجاوز الماركسية والرأسمالية، وتعتمد حكم الجماهير الشعبية المباشر. لكنه في الواقع كان الحاكم في ليبيا لأكثر من أربعة عقود، ورّسخ لحكم الفرد الواحد؛ فألغى الدستور، وألغى الأحزاب، وجرّم الحياة النيابية، وقمع المعارضين، وقتل الحياة السياسية بمعنى أدق.

وعمد معمر القذافي إلى تكوين تحالفات عربية، ودعم لدول أفريقيا، وحركات انفصالية في إسبانيا وأيرلندا، وبالغ في إعطاء ألقاب لنفسه؛ إذ عد نفسه «عميد الحكام العرب»،  «ملك ملوك أفريقيا»، «إمام المسلمين»، وهي ألقاب وضعته في «مكانة عالمية لا تمسح بالنزول لأي مستوى آخر» بحسب ما قال صراحة في إحدى جلسات جامعة الدول العربية، بين العديد من التصريحات الغريبة التي قالها القذافي، والتي من بينها اعتبار كلمة الديمقراطية بنطقها الإنجليزي كلمة عربية وتعني «ديمو الكراسي» (أي إن الشعب يجلس على الكرسي).

وسَئم القذافي من اقتراح حل الدولتين لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وألّف كتابًا أبيض رأى فيه الحل في إنشاء دول «إسراطين» الموحدة، وبعدما شرح لفترة نظريته في جلسة عامة للأمم المتحدة ألقى بالكتاب الأبيض خلفه في مشهد بدا غريبًا على هذا المقام الدولي، ولكنه ليس غريبًا على القذافي الذي اندلعت ثورة ضده في عام 2011، وصف فيها معارضيه بـ«الجرذان».

وقال في خطاب للشعب الليبي: «معمر القذافي هو المجد، أنا لو عندي منصب أو رئيس لكنت لوحت الاستقالة على وجوهكم، لكن أنا ما عندي شيء أستقيل منها أنا عندي بندقيتي راح نقاتل لآخر قطرة من دمي ومعي الشعب الليبي» وتمسّك بالحكم حتى قتله الثائرون عليه في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، في مدينة سرت التي وُلد بها.

كيم جونج أون.. رئيس عشريني أحب الإعدامات لأسباب تافهة

وُلد كيم جونج أون  في 8 يناير (كانون الثاني) عام 1984، لأبيه كيم جونغ إيل رئيس البلاد، وأم راقصة يابانية الأصل، وجِدٍّ هو الزعيم كيم إيل سونج الذي حرر كوريا الشمالية من اليابانيين. وفي العشرينيات من عمره بدأت الاستعدادات المكثفة لخلافة والده في حكم كوريا الشمالية.

في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011، توفي إيل ليخلفه أون الذي عُد «الخليفة الأعظم» في كوريا الشمالية، وخلال وقت قصير أصبح أون رئيسًا للحزب  لحاكم والدولة والجيش، في سن صغيرة تقترب من سن القذافي؛ إذ بدأ أون حكمه للبلاد قبل أن يكمل سن 27 عامًا.

ومنذ بداية حكمه أظهر أون اهتمامًا بالغًا  بالعتاد العسكري، وانصب الحاكم الصغير على تطوير الترسانة النووية لكوريا الشمالية وبرنامجها الصاروخي، وبالفعل تُعد كوريا الشمالية من أكثر دول العالم امتلاكًا للرؤوس النووية بحلولها في المركز التاسع عالميًّا بامتلاكها من 10 إلى 20 رأسًا نوويًّا.

وقد حل خلاف بين أون ونظيره الأمريكي دونالد ترامب بشأن السلاح النووي، جعل ترامب يًغرد على «تويتر» في بداية عام 2018، قائلًا: «رئيس كوريا الشمالية كتب منذ لحظات أن الزر النووي موجود على مكتبه دومًا، هلّا يبلغه أحدٌ من نظامه المتهالك والمتضور جوعًا، بأنني أيضًا لديّ زِر نووي، ولكنه أكبر وأقوى بكثير من زره، وزِري يعمل بكفاءة» قبل أن يهدأ التوتر بين الطرفين، إثر اجتماع تاريخي جمعهما في منتصف عام 2019.

أون رئيس كوريا الشمالية

الاهتمامات الأخرى التي شغلت أون بشدة أيضًا هو القمع، ليس للمعارضة التي لا تكاد أن تتحدث في كوريا الشمالية التي يحكمها أون بالحديد والنار؛ بل لعدم التأييد الكافي من المقربين منه، فالرئيس الكوري الشمالي دائمًا ما يتطلع في وجوه المصفقين له ليرى مدى إخلاصهم وحماستهم في التصفيق، ومن لا يظهر الحماسة المطلوبة قد يُعدم هكذا ببساطة.

ومن أبرز نماذج الإعدام هو إعدام وزير الدفاع هيون يونغ-شول رميًا برصاص مدفع مضاد للطيران، لاتهام الوزير «بعدم الولاء للزعيم أون والتقليل من احترامه»، بحسب وكالة «يونهاب» عن الاستخبارات الكورية الجنوبية، التي نقلت عنها الصحف والوكالات العالمية، الخبر.

تلك الوكالات التي لفتت إلى أن  إعدام وزير الدفاع جاء بسبب غفوته لبعض ثوان أثناء عرض عسكري كان يحضره الزعيم الكوري، وكانت حالة الإعدام تلك بين عدة حالات إعدام لأقربائه من بينهم عمه، وحالات أُخرى لشباب كوري أًعدم لأسباب تبدو بسيطة، كالتعرض إلى محطات راديو وعروض تلفزيون من خارج كوريا الشمالية، وإجراء مكالمات دولية، وممارسة شعائر دينية.

بشار الأسد.. ما يزال يحكم بعدما قتل البشر وجرّف الحجر

من القذافي وأون إلى نموذج آخر قد يكون أكثر وحشية وقمعًا، وهو الرئيس السوري بشار الأسد، الذي يحكم البلاد بالحديد والنار منذ عقدين من الزمان، بينهم آخر عقد الذي شهد مقتل ملايين السوريين وإصابتهم وتشريدهم، بعد اندلاع الانتفاضة الثورية ضده في 2011، التي واجهها بالقمع والعنف والقتل.

ففي 11 سبتمبر عام 1965، ولد بشار الأسد، وانطلق في مسار علمي أكاديمي، وكان في بدايته بعيدًا عن السياسة؛ إذ درس الأسد الطب وتخرج في كلية الطب جامعة دمشق عام 1988، قبل أن يكمل دراسته في طب العيون ببريطانيا، للحصول على درجة الماجستير، ولكن حدثًا استثنائيًّا وقع عام 1994 حوّل حياته نحو السياسة، يتمثل في وقوع حادث سيارة أدى لوفاة باسل أخيه الأكبر، والمرشح الأول لخلافة والده حافظ  في حكم البلاد.

ومن هنا استُدعي بشار الأسد للعودة إلى سوريا، لتجهيزه لخلافة والده حافظ، وبسوريا التحق الأسد بالأكاديمية العسكرية، وتولى مسؤولية الوجود العسكري السوري في لبنان عام 1998، وبعد ذلك حصل على رُتبة عقيد في الجيش السوري، وفي عام 2000 توفي حافظ الأسد؛ ولكن ظلّت عقبة واحدة تقف في وجه بشار لحكم البلاد تتمثل في عمره، الذي كان أقل من العمر القانوني للترشح للرئاسة، ولكن الحل سهل، تقليص الحد الأدنى للسن القانونية للترشح إلى عمر بشار الأسد الذي كان حينها 34 سنة، وهو ما فعلته سوريا من أجل عيون الأسد الصغير.

وفي يونيو عام 2000، تولى بشار الأسد رئاسة سوريا بعدما فاز في استفتاء رئاسي ترشح فيه وحده وحصل على  نسبة تأييد بلغت 99.7 %، وقال في بداية حكمه إنه «مُصلح»؛ لكنه كوالده قمع المعارضين لحكمه، بما فيهم الأحزاب السياسية المعارضة، والصحافيين والنشطاء الحقوقيين، وبعد ذلك أعيد انتخاب الأسد بالنسب العالية نفسها، في الدورتين التاليتين عام 2007 (استفتاء ترشح فيه وحده) و2014 (انتخابات ترشح فيها منافسون للأسد)، وها هو يحكم سوريا لنحو 20 عامًا، بعد انتخابات واستفتاءات صورية حاوطتها قبضة أمنية قمعية.

وفي بدية عقده الثاني، تحديدًا في 15 مارس (آذار) عام 2011، انطلقت ثورة سورية تطالب الأسد بالرحيل عن السلطة، وهي ثورة واجهها الأسد بالقتل والقمع، ليظل الرجل متمسكًا بالسلطة لنحو 10 سنوات، قُتل خلالها أكثر من 371 ألف شخص، بينهم أكثر من 112 ألف مدني، بحسب توثيق «المرصد السوري لحقوق الإنسان» خلال ثماني سنوات من الأزمة.

إنفوجرافيك لعددد من أبرز الهجمات الكيماوية التي نفذها نظام الأسد خلال الحرب  السورية

وبالإضافة إلى الخسائر البشرية الواضحة، أحدث النزاع دمارًا كبيرًا في البنى التحتية، قدرت الأمم المتحدة كلفته بنحو 400 مليار دولار. وتسبب بنزوح أكثر من نصف السكان وتشريدهم داخل البلاد وخارجها، بنزوح نحو 6 ملايين لاجئ سوري، ومع ذلك ما يزال الأسد متمسكًا بالسلطة، ونفّذ العديد من الهجمات الكيميائية ضد معارضيه للحفاظ على كرسي الحكم.

أندريه راجولينا.. تلاعب بالدستور لصالحه ووصل للحكم بـ«انقلاب عسكري»

وُلد أندريه راجولينا في 30 مايو (أيار) عام 1974، لأسرة غنية نسبيًّا في مدينة أنتسيرابي. وصل الرجل إلى سُدة الحكم في مدغشفر بعد خوضه انتخابات رئاسية وحيدة نُصب بموجبها رئيسًا للبلاد في 19 يناير (كانون الثاني) 2019، بعد منافسة شرسة مع نظيره مارك رافالومانانا، ففي الجولة الأولى حصد أندريه راجولينا نسبة 39.19% من الأصوات مقابل 35.29% لرافالومانانا، قبل أن يحسم راجولينا الانتخابات لصالحه، إثر حصده أكثر من 55% مقابل 44.34% لرافالومانانا.

ومع أن راجولينا فاز بانتخابات رئاسية وحيدة، فإنه سبق وأن حكم البلاد فترة كان من المفترض أنها «مؤقتة»، ولكنها دامت لخمس سنوات رغم تعهده بفترة انتقالية لا تتعدى العامين، إثر سيطرة على السلطة رُفضت أفريقيًّا ودوليًّا، وعدَّها الاتحاد الأفريقي عملية انقلابية، وقعت قبل عقد مضى، حين كان عمر راجولينا يقترب من 35 سنة.

إذ شهد عام 2009 صراعًا آخر على السلطة بين راجولينا الذي كان حينها رئيسًا لبلدية أنتاناناريفو عاصمة مدغشقر، وبين رافالومانانا رئيس البلاد حينذاك، عندما قاد راجولينا حركة سياسية أعلن بموجبها أنه رئيسًا للبلاد، ونظم الرجل ومؤيدوه مسيرة في 7 فبراير (شباط) 2009، ذهبت لقصر الرئاسة، بهدف استبدال راجولينا برافالومانانا؛ ففتح الحرس الجمهوري النار على المحتجين؛ مما أدى لمقتل نحو 23 شخصًا، وإصابة أكثر نحو 83 آخرين، في خطوة قلّصت من شعبية رافالومانانا، وأفقدته جزءًا من دعم الجيش.

وفي 6 مارس 2009، حاولت السلطات الملغاشية اعتقال راجولينا الذي لجأ للاحتماء بالسفارة الفرنسية، وفي 10 مارس، أمهل الجيش القادة السياسيين 72 ساعة لإيجاد حل للأزمة «متعهدًا بالتزام الحياد»، وإن لم يجدوا حلًّا سيتدخل الجيش «لحماية المصالح العليا للبلاد» بحسب بيان لرئيس أركان الجيش الملغاشي، جاء بعد مقتل أكثر من 100 شخص إثر الاحتجاجات التي شهدتها البلاد.

ليُعلن رافالومانانا في 15 مارس استفتاءً لحل الأزمة، رفضه راجولينا مطالبًا باعتقال الرئيس، ليلجأ رافالومانانا في اليوم التالي لحل الحكومة وتقديم استقالته، ونقل الختم الرئاسي إلى لجنة عليا بالجيش، بعدما اقتحمت قوات الجيش قصره واعتقلته، لينقل الجيش السلطة مباشرة إلى راجولينا، بصفته رئيسًا مؤقتًا للبلاد، ليكون أصغر رئيس في تاريخ البلاد والعالم حينها، في خطوة اعتبرتها المحكمة الدستورية الملغاشية قانونية، ولاقت رفضًا دوليًّا وأمميًّا وأفريقيًّا، بوصفها «انقلابًا عسكريًّا» أعقبه فرض عقوبات على مدغشقر وتجميد مساعدات لها.

راجولينا أثناء وجوده في مباراة لبلاده في كأس أمم أفريقيا مصر 2019

وبعد ذلك وبمساعدة فرنسا، بدأ رفع هذه العقوبات تدريجيًّا، بعدما أقرت مدغشقر دستورًا جديدًا للبلاد، عام 2010، بعد استفتاء بلغت نسبة الموافقة عليه 73%. وحاول راجولينا بموجبه إجراء تعديل يخصه، بخفض سن الترشح للرئاسة من 40 عامًا إلى 35 ليتمكن من الترشح للرئاسة، واستمر الرجل في الحكم الذي كان «مؤقتًا» حتى عام 2014، قبل أن يعود للحكم مرة أخرى مطلع عام 2019.

خلال فترة حكمه أجرى رئيس مدغشقر بعض الإصلاحات الاقتصادية، بزيادة الدعم للبنزين والكهرباء، ولكن اقتصاد مدغشقر ما يزال يُعاني؛ فبحسب ورقة بحثية حديثة نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» تعود ليوليو (تموز) 2019: «فإن مواطني مدغشقر يعانون من الفقر والبطالة، وعدم كفاية الرعاية الصحية، وانعدام الأمن الغذائي، وشُح الموارد الاقتصادية، وأعمال السرقة، وانقطاع الكهرباء والمياه».

ظهر راجولينا في مباريات بلاده خلال كأس الأمم الأفريقية مصر 2019، ومع مظهره الشاب انتشرت موجة عربية من الإعجاب والمبالغات، ولكن اللافت أن رواد مواقع التواصل الاجتماعي العرب الذين هوّلوا وضخمّوا من رئيس مدغشقر في محاولة لخلق «أسطورة» يُحتذى بها، ربما يجهلون أن راجولينا ابن جنرال عسكري متقاعد، مزدوج الجنسية، شارك في الاستعمار الفرنسي للجزائر، بحسب ما كشفه كتاب «أشخاص من أنتاناناريفو».

رياضة

منذ سنة واحدة
رئيس مدغشقر ليس بطلًا.. كيف يستغل الرؤساء كرة القدم من أجل صيت كاذب؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد