البارزة

تُعدُّ تطورات الأحداث في منطقة القرم هي الشغل الشاغل لوكالات الأنباء العالمية على مدار الأسبوع الماضي، بعدما نقلت وكالات أنباء عالمية عن دخول قوات روسية إلى شبه جزيرة القرم وانتشارها في الأماكن الحيوية داخل المنطقة وسط أنباء متضاربة عن إعطاء القوات الروسية مهلة للقوات الأوكرانية من أجل الاستسلام.

السؤال الجدير بالتأمل هنا، كيف يمكن أن تدخل القوات الروسية إلى الأراضي الأوكرانية بهذه السرعة والسهولة ودون أي مقاومة أو قتال؟ وما سر المواقف المترددة لأوكرانيا وحلفائها؟ وما موقف أهل القرم بشأن ما يجري على أراضيهم؟

 

1) القوات الروسية موجودة في القرم سلفًا

القوات الروسية في القرم

القوات الروسية في القرم

الأمر ليس مفاجأة بالتأكيد، فطبقًا لاتفاقية أسطول البحر الأسود بين روسيا وأوكرانيا، فإن مقر قيادة قوات الأسطول الروسي المرابط في البحر الأسود يقع في مدينة سيفاستوبول عاصمة إقليم القرم، وهي الاتفاقية التي كان يفترض أن تنتهي عام 2017 قبل أن تنجح روسيا في تمديد الاتفاق مع الرئيس فيكتور يانكوفيش لمدة 25 عامًا أخرى حتى عام 2042، وقد قام البرلمان الأوكراني بالتصديق على اتفاقية التمديد منتصف العام المنصرم.

وبناء على بنود الاتفاقية يحق للقوات الروسية إرسال حتى 25000 جندي روسي إلى مقار مرابطة الأسطول في القرم، ويبقى الخرق الذي تتهم أوكرانيا روسيا بارتكابه هو نشر قواتها في مواقع غير مواقع مرابطة الأسطول الروسي الموقع عليها في الاتفاقية بين البلدين.

من جانبها تخشى روسيا من إقدام السلطات الجديدة فى أوكرانيا – المدعومة أوروبيًّا- على إلغاء معاهدة أسطول البحر الأسود أو المساس ببنودها، وفي هذا السياق يمكن تفسير التحركات الروسية في شبه جزيرة القرم والمناورات العسكرية على الحدود الروسية الأوكرانية.

 

2) جزيرة القرم جزيرة روسية

خريطة توضح موقع شبه جزيرة القرم

خريطة توضح موقع شبه جزيرة القرم

نعم هذه هي الحقيقة، فحتى عام 1954 كانت شبه جزيرة القرم جزءًا من الأراضي الروسية قبل أن يتم منحها بموجب قرار من الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي، نيكيتا خروشوف، لصالح أوكرانيا التي كانت آنذاك جزءًا من الاتحاد السوفييتي.

بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانفصال أوكرانيا عنه عام 1991م صارت القرم رسميًّا تابعة لأوكرانيا إلا أن طابعها السكاني والثقافي المتميز – معظم سكانها من الروس أو من ذوي الأصول الروسية – جعلها تتمتع على مدار تاريخها بحكم ذاتي ضمن إطار الدولة الأوكرانية؛ حيث تضيق وتتسع صلاحياته على حسب كل حقبة تاريخية، كما تم عقد اتفاق روسي أوكراني بشأن شكل الوجود الروسي في البحر الأسود.
ومما عزز من الأغلبية الروسية لسكان القرم قيام ستالين بتهجير سكانها الأصليين من التتار المسلمين من موطنهم إلى كازاخستان في شرق الاتحاد السوفييتي عام 1944 بمبرر دعمهم للألمان أثناء احتلالهم القرم في أعوام 1942 – 1944.
وتبلغ نسبة الروس في أوكرانيا الآن أكثر من 60% وغالبيتهم من أنصار الرئيس المعزول فيكتور يانكوفيتش، ويعتبرون القرم امتدادًا تاريخيًّا وثقافيًّا لروسيا بل ويرحبون بالوجود العسكري الروسي على أرض القرم.
من جانبها لا زالت سلطات الحكم الذاتي في شبه جزيرة القرم ترفض الاعتراف بالسلطة الجديدة في أوكرانيا بعد عزل يانكوفيتش، كما قرر برلمان البلاد توسيع صلاحيات الحكم الذاتي في شبه الجزيرة، كما عقدت اتفاق حماية لمرافق البحر الأسود مع سلاح البحرية الروسي، بما يعني أنه وإن كان الانتشار العسكري الروسي ليس مرحبًا به من قبل السلطة المركزية الجديدة في أوكرانيا، فإنه يلقى ترحيبًا من قِبَل سلطات الحكم الذاتي ونسبة كبيرة من المواطنين القرميين.

 

3) روسيا لا تريد الحرب

3

نعم إنها الحقيقة، فبرغم حرب التصريحات المستعرة بين موسكو من ناحية وبين كييف والاتحاد الأوروبي وواشنطن من ناحية أخرى، فإن كلا الطرفين لا يريدان أن يتورطا فيما هو أكثر من ذلك.

روسيا لا تريد مهاجمة أوكرانيا، فقط هي تستغل الأغلبية الروسية في القرم من أجل تأمين أكبر لمصالحها في ظل ريبة موسكو الكبيرة تجاه السلطة الجديدة في أوكرانيا التي جاءت بدعم أوروبي، وروسيا تريد أن توقع اتفاقًا جديدًا يضمن اعتراف أي سلطة قادمة في أوكرانيا بمصالحها الاقتصادية والعسكرية ويكون الاتفاق برعاية أوروبية أمريكية حتى تضمن التزامهما به، ولعل هذا ما يفسر التصريحات الصادرة عن مكتب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والتي قالت فيها إن بوتين يرحب بمشاركة روسيا في وفد وساطة دولية لحل الأزمة في أوكرانيا.

على المستوى الاقتصادي، فروسيا أصبحت مرتبطة بالاقتصاد العالمي أكثر مما كانت عليه من قبل، فنصف تجارتها الآن أصبحت مع دول الاتحاد الأوروبي، مما يجعل اقتصادها عرضة للتأثر من حالة توقيع عقوبات أمريكية أو أوروبية خاصة وأن الاقتصاد الروسي ليس في أفضل أحواله.

 

4) أوكرانيا لا تريد الحرب أيضًا، ولا تملك مقوماتها

4

التفوق العسكري الروسي مقارنة بأوكرانيا

التفوق العسكري الروسي مقارنة بأوكرانيا

بالـتأكيد فإن أوكرانيا التي تمر بمرحلة انتقال سياسي ووضع اقتصادي متعثر لا تريد أن تخوض حربًا فى هذا التوقيت، خصوصًا إذا كانت هذه الحرب ضد روسيا.

قبل رحيل يانكوفيتش كانت أوكرانيا تنتظر حزمة مساعدات من روسيا بقيمة 15 مليار دولار تشمل تخفيضات في أسعار الغاز الطبيعى تصل إلى الثلث، وكانت أوكرانيا تُعوِّل بشكل كبير على هذه المساعدات لإنقاذ اقتصادها المتعثر إضافة إلى أهمية الغاز الروسي من أجل استمرار الحياة فى أوكرانيا؛ حيث تحصل أوكرانيا على 58% من احتياجاتها من الغاز من روسيا.
وتعاني أوكرانيا من عبءٍ ثقيل من الديون المتراكمة يبلغ 13 مليار دولار لهذا العام، ومع توتر علاقتها مع روسيا يبقى صندوق النقد الدولي وجهتها الوحيدة وهو ما يتطلب حالة استقرار سياسي واقتصادي لن تكون متوفرة بالطبع حال خوض أوكرانيا للحرب.
على المستوى العسكري؛ تبدو الفوارق بين البلدين عملاقة بما يعني أن أي عمل عسكري أوكراني ضد روسيا أو أسطولها لن يكون إلا ضربًا من العبث.

 

5) خيارات محدودة لأمريكا وأوروبا “لماذا لا تتدخل أوروبا لمناصرة أوكرانيا؟”

المصدر Business Insider

المصدر Business Insider

على عكس ما يظهر عليه الأمر، فيبدو أن أوروبا وأمريكا لا تملكان أوراقًا كبيرة للضغط على موسكو باستثناء توقيع بعض العقوبات الاقتصادية، وهو ما تملكه روسيا بالتبادل؛ حيث إن 36% من الغاز المستهلك في ألمانيا و27% في إيطاليا و23% في فرنسا يتم الحصول عليه من روسيا عبر أوكرانيا، مما يجعل روسيا هي الأخرى تمتلك أوراقًا للضغط على أوروبا بما يجعل خيارات أوروبا ضيقة للغاية على المستوى الديبلوماسي فضلاً عن أن ترقى لأي مواجهة عسكرية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد