يمتلك كل بلد أشكالًا من الفنون الشعبية، أو كما يُطلق عليها «الفلكلور»، مثل الأساطير الملحمية وأغاني الأفراح والرقصات الشعبية وبعض ألوان الموسيقى والأشعار الغنائية. وتتوارث الأجيال هذه الفنون الشعبية حتى تصبح جزءًا ثقافيًا أصيلًا من العقل الجمعي لتبين مدى ارتباط الشعوب واشتراكهم في هوية ثقافية موحدة أوجدتها الظروف المحيطة.

تاريخ

منذ 8 شهور
مترجم: بحجة حماية التراث.. هكذا استطاع الغرب نهب آثار الدول النامية

مع انتشار قيم العولمة والثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم حاليًا، بدأت تلك الفنون الشعبية في الاختفاء شيئًا فشيئًا، وهو الأمر الذي دفع الحكومات إلى تسجيل أهم الفنون الشعبية التي قاربت على الاندثار في قائمة التراث غير المادي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، إذ ذكرت المادة الثانية من اتفاقية منظمة اليونكسو لحماية التراث غير المادي، والمبرمة عام 2003، أن هذا التراث يشمل أشكال التعبير والممارسات والتصورات وفنون وتقاليد أداء العروض والممارسات الاجتماعية والطقوس الاحتفالات.

تختلف قائمة التراث الثقافي غير المادي عن قائمة التراث العالمي، التي تضم المباني والأماكن ذات الأهمية التاريخية، وتضم قوائم التراث الثقافي غير المادي 549 من العناصر آتية من 127 من البلدان حول العالم. وتجتمع اللجنة كل عام لتقييم الترشيحات التي تقترحها الدول الأطراف في اتفاقية عام 2003.

في الأسطر التالية، نستعرض خمسة من أشهر الفنون العربية المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي.

الأراجوز.. فن مصري تعود بداياته إلى العصر المملوكي

الأراجوز عبارة عن دمية مصنوعة من الخشب والقماش ترتدي فستانًا أحمر اللون مطرزًا باللون الأصفر مع طرطور أحمر، ويتحكم لاعب الأراجوز في رأس الدمية من خلال إصبع السبابة، ويختبئ خلف لوح من الخشب يُسمى المسرح.

بعد ظهوره في العهد المملوكي اختفى فن الأراجوز طويلًا، حتى أعاد إحياءه الفنان محمد شكوكو، الذي أسس مسرح العرائس عام 1960، ولكن الأراجوز ضاع مجددًا وتاه وسط عالم الإعلام الرقمي ليعود مرة أخرى على استحياء عام 2011 من خلال فرقة ومضة التي أسسها أستاذ ورئيس قسم المسرح بجامعة حلوان الدكتور نبيل بهجت، الذي لم يكتف بتأسيس الفرقة وتقديم مئات العروض في مصر والدول العربية، بل نجح أيضًا في تقديم ملف الأراجوز إلى اليونسكو.

اعتمدت اللجنة الدولية لصون التراث غير المادي لليونسكو في دورتها 13 خلال عام 2018 قرارًا بالإجماع بالموافقة على إدراج الأراجوز على قوائم التراث، والأراجوز هو الفن المصري الثالث الذي يُدرج على قوائم اليونسكو، بعد السيرة الهلالية التي أُدرجت عام 2008، وفن التحطيب الذي انضم للقائمة خلال عام 2016.

موسيقى كناوة.. الفن المغربي الذي يؤرخ لمعاناة العبيد القادمين من أفريقيا

في قديم الزمان، تحديدًا في العهد الذهبي للإمبراطورية المغربية أواخر القرن السادس عشر، جاءت مجموعة كبيرة من العبيد للعمل في قصور الإمبراطورية، وفي المغرب أسس هؤلاء فنهم الخاص ليندمجوا بعدها بشكل تام في المجتمع المغربي، وعليه فموسيقى كناوة هي جزء أصيل من الموروث الشفهي الأفريقي الأسود، ولكنها أضحت مؤخرًا تيارًا رئيسيًا في المغرب.

ولأن الكناوة في جزء منها هي موسيقى صوفية روحية فلها بعض الطقوس مثل البخور؛ ففي الماضي كانت تُستخدم تلك الموسيقى لأغراض علاجية نفسية مثل القضاء على الحزن الشديد والحظ العاثر. وترتبط موسيقى الكناوة بعالم الأراوح والجن في الثقافة الشعبية، ولذلك فإن الراقصين على إيقاعها غالبًا ما يفقدون الوعي أثناء الرقص، ويشبه الأمر إلى حد كبير رقصة الزار الشهيرة في مصر.

تركز موسيقى الكناوة على استخدام الصوت البشري بجانب الطبول مثل: الكانكاه «الطبل الكبير»، والقرقب «الصنجات»، والرش «التصفيق الإيقاعي»، والكمبري والسنتير، والطبيلات، والطعريجة، إضافة إلى الوتر.

وقد صنفت منظمة اليونكسو موسيقى الكناوة تراثًا إنسانيًّا في ديسمبر (كانون الأول) 2019 خلال اجتماعات الدورة 14 للجنة الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، وتعد مدينة الصويرة – المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي من قبل اليونسكو – المدينة الروحية لموسيقى كناوة داخل المغرب؛ وذلك لأنها كانت الميناء البحري للمدينة منذ القرن السابع عشر ونقطة تبادل تجاري هامة مع أفريقيا جنوب الصحراء، ويعد ضريح «سيدي بلال» بالمدينة المرجع الأعلى ومقام الأب الروحي لموسيقى كناوة.

العازي العماني: فن تراثي يعبر عن الولاء والفخر والاعتزاز بالوطن

منذ مئات السنين درج العمانيون في احتفالاتهم الرسمية والدينية وعند عقد الصلح واستقبال الضيوف ومسئولي البلاد على ممارسة فن العازي، وذلك من أجل تعزيز قيم الشهامة والكرم والحماسة. ويمارس فن العازي عادة في المدن؛ لأنه يحتاج لعدد كبير من الأشخاص وهو فن قاصر على الرجال دون النساء.

ويعتمد فن العازي على الصوت فقط وترديد أبيات الشعر الحماسية دون استخدام الآلات الموسيقية، إذ يقوم المشاركون بتشكيل دائرة مغلقة ويتصدر شاعر العازي مجموعته ممسكًا بسيفه في يده اليمنى وترسه في اليد اليسرى، أما المشاركين فيحملون أسلحة خفيفة تُعرف محليًا في السلطنة باسم التفاق وتطلق زخات من الرصاص في الهواء مع نهاية مقاطع محددة من قصيدة العازي.

أُدرج فن العازي على قائمة اليونسكو للتراث خلال عام 2012.

التغرودة الإماراتية: الشعر الغنائي على ظهور الجِمال

أدرجت منظمة اليونسكو فن التغرودة الإماراتية على قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية خلال عام 2012.

كانت التغرودة، في الماضي البعيد، عبارة عن فن غنائي شعري بدوي يؤديه الشعراء على ظهور الإبل أو الخيول أثناء سيرها في الصحراء، حتى تهون عليهم مشقة الطريق، كما كان يُعتقد أنها تحث الإبل على السير وتزيد من سرعتها كلما أسرع الحادي في إيقاع قصيدته، وفي الوقت الحالي تؤدى التغرودة في المناسبات والاحتفالات وجلسات الطرب والسمر.

كانت قصائد شعر التغرودة في الماضي ذات أبيات قليلة وتتضمن موضوعًا واحدًا، إذ لم تكن قصيدة متشعبة، فالشاعر كان يتحدث في موضوع القصيدة بشكل مباشر ومكثف، أما التغرودة الحديثة فهي أشبه بالقصيدة العادية في فكرتها، ذات أبيات كثيرة ومتعددة الموضوعات.

ويكمن أحد أهم الأدوار التقليدية لهذا الفن في توثيق التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة، وفن التغرودة ليس الفن الإماراتي الوحيد المدرج على قائمة اليونسكو، فهناك أيضًا فن العيالة الذي أُدرج في عام 2014، وفن الرزفة في عام 2015، وفن الصقارة في عام 2016.

فن السامر الأردني: رقصة تراثية مصحوبة بغناء فلكلوري

فن السامر هو عبارة عن رقصة وغناء فلكلوري يؤدى في المناسبات السعيدة والاحتفالات الرسمية وقديمًا كان يُقام في احتفالات الطهور.

ويُقام حفلة السامر قبل العرس بليلة أو ليلتين، إذ يشعل أهل الفرح النيران ويعدون القهوة العربية والشاي، وبعد غروب الشمس يطلب صاحب الفرح من الشباب بدء رقصة السامر إيذانًا ببدء الاحتفال؛ إذ يصطف المشاركون ويبدأون بالتصفيق، ثم يغني أحدهم وترد عليه المجموعة، ويُطلق على المغني في الأردن اسم البداع أو القوال ويسمى الغناء بدعًا.

وتبدأ الرقصة عادة حين يستهل البداع قائلًا «أول ما نبدأ ونقولي.. صلوا على طه الرسولي» لترد عليه المجموعة قائلة «هلا هلا بي ياهلا لا ياحليفي باولد» وتبلغ حماسة السامر مداها حين يظهر الحوشي، وهو رجل أو امرأة تظهر مرتدية عباءة وتغطي وجهها بالكامل وتمسك بيدها سيفًا أو عصا، وهي من أهل العريس أو العروس.

اجتمعت اللجنة الدولية الحكومية لليونسكو في جمهورية موريشيوس عام 2018، وأدرجت فن السامر الأردني على قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد