1- أردوغان والحكام العرب: «الآن تساوت الرؤوس»

لسنوات طويلة نُظر لتركيا أردوغان علي أنها جزيرة ديمقراطية هادئة في بحر الشرق الهائج بالديكتاتوريات، فيما اعتُبرت تجربة العدالة والتنمية نمُوذجًا يجب أن يُحتذى به من قبل تيارات الإسلام السياسي.

كما حفلت السنوات الأولى من الربيع العربي، بالإشارة لنموذج أردوغان بوصفه مثلًا أعلى يجمع بين المرجعية الإسلامية المعتدلة والانفتاح الليبرالي على المجتمع والعالم، ويُعد مصطلح «النموذج التركي» هو أحد أكثر المصطلحات المتداولة في المعجم السياسي العربي للإشارة إلي هذا السياق.

كان ذلك «الانطباع الإيجابي» عن تركيا ونظامها نقطة قوة امتلكها أردوغان في وجه خصومه، سوق الرجل لنفسه داخليًا وخارجيًا بوصفه حامل لواء الديمقراطية في مواجهة طغاة الأنظمة العربية، وطاف العالم  منددًا بما اعتبره «جرائم» ارتكبها خصومه، الأسد والسيسى علي وجه التحديد، معتبرًا أن ما يفعله هؤلاء لا يمت للديمقراطية بصلة.

لم يطرح أردوغان نفسه وهو يدافع بحرارة عن جماعة الإخوان – مثلًا – كزعيم إسلامي، بل كان يشدد علي أن موقفه لا يأتي إلا انطلاقًا من حرصه علي الديمقراطية، وتألمه لانتهاكات حقوق الإنسان.

ما كان يمنح مواقف أردوغان بعض المصداقية، ويجعل تصريحاته ذات تأثير عالميًا أو شعبيًا؛ كونها تخرج ممن يُنظر إليه كأحد القادة الديمقراطيين الرائدين في المنطقة، لكن يبدو أن تلك الصورة لن تصمد طويلًا بعد الاستفتاء.

صحيح أنه قد يبدو من المبالغة – حتى الآن علي الأقل – وضع تركيا مع الأنظمة الشمولية العربية في سلة واحدة في نظر الكثيرين، إلا أن الأكيد كون أردوغان وحزبه لم يعد يُنظر إليهما بذات الإجلال في نظر البعض من قبَل جموع الجماهير العربية كما كان الأمر من قبل.

أعلنت حالة الطوارئ في البلاد، واعتُقل عشرات الآلاف، وفُصل مئات الآلاف من وظائفهم من غير تُهمة واضحة، وخاضت تركيا حربًا ضد ما تصفه بـ«الإرهاب» الكردي بعد أن كانت تظن أنها قد طوت هذه الصفحة إلى الأبد.

يُمكن إذن لكارهي أردوغان بعد الاستفتاء أن يجدوا الفرصة سانحة للهجوم عليه بذات الخطاب الذي اعتاد هو استخدامه، ليُتيح لنفسه تمرير الدستور الجديد بما حواه من توسيع لصلاحيات الرئيس، ليكون مبررًا يمكن الاستناد عليه للهجوم على أردوغان ونظامه، ونقض أحاديثه عن حقوق الإنسان والديمقراطية.

2- هل سنّ أردوغان سُنّة التعديلات الدستورية؟

علي الأرجح، ربما قد تمنح تلك التعديلات الدستورية بعض الشجاعة للعديد من أنظمة المنطقة الراغبة في تعديل دساتيرها نحو مزيد من النفوذ للسلطة الرئاسية، فمصر علي سبيل المثال، تشهد أروقة السياسة فيها بين الحين والآخر مطالبات بتعديل دستوري يوسع من صلاحيات الرئيس، أو بتمديد فترة الرئاسة، أو إنهاء شرط الولايتين.

كما تشهد  تونس مطالبات عديدة بالعودة إلى النظام الرئاسي في إدارة البلاد، بدلًا عن النظام شبه البرلماني المعمول به حاليًا، معتبرين أنه يتلاءم أكثر مع الأوضاع الانتقالية التي تتميز بعدم الاستقرار، وتحظى تلك المبادرات بمباركة الرئيس التونسي نفسه، الذي أعلن أنه «مع تعديل الدستور ومنح صلاحيات أوسع للرئيس»، وربما ستؤدي الخطوة التركية إلى مزيد من التشجيع لتلك المبادرات في مصر وتونس وغيرهما.

3- «السحر قد ينقلب على الساحر»

جاء إقرار التعديلات الدستورية بفارق طفيف للغاية، وبنسبة 51 % فقط من الأصوات، أي أن أقل من نصف الأتراك بقليل قد صوتوا ضد التعديلات، ويلاحظ أن معسكر «لا» قد حصد التقدم في أهم مدينتين تركيتين: إسطنبول، وأنقرة، بالرغم من الحملة الإعلامية الكبيرة التي حشد لها الحزب الحاكم في البلاد كل قواه.

وإذا ما تذكرنا أن تلك النسبة تقارب النسبة التي حصل عليها الحزب الحاكم في الانتخابات الأخيرة، يتبين لنا أن أردوغان والعدالة والتنمية لا يحظيان بتأييد كاسح بين الأتراك، وأن ذلك التقدم الطفيف من الهشاشة بحيث يمكن أن تنقلب المعادلة السياسية في البلاد رأسًا على عقب، إذا ما تغيرت أمزجة 1 أو 2% من المواطنين.

كما يحمل إقرار التعديلات مساحات نفوذ هائلة لأردوغان وحزبه، فإنه يحمل كذلك بذور إجهاض تجربته، لنتخيل ما الذي يُمكن أن يحدث حال خسر العدالة والتنمية الأغلبية البرلمانية – مثلًا – لصالح تحالف واسع من المعارضة، أو إذا ما تمكن الشعب الجمهوري من اقتناص الفوز بانتخابات الرئاسة – وهو أمر لا يجب اعتباره مستحيلًا بالنظر إلي الاعتبارات السابقة، وفي ظل متغيرات السياسة الدائمة  – حينها، ستُصبح تلك السلطات، والتي يعتبرها البعض قد فصّلت خصيصًا على مقاس أردوغان، قد صارت بيد خصومه، بما يحمل معه من إمكانات للانقضاض على كل مكتسبات العدالة والتنمية التي اكتسبها من سنين حكمه الطويلة.

4- أردوغان لن يبقى في الحكم إلى الأبد والقادم مجهول

يضاف للنقطة السابقة حقيقة مؤكدة، وهي أن أردوغان لن يظل في السلطة إلى الأبد، يحكم الرجل البلاد منذ نحو 14 عامًا، ويتيح له الدستور الجديد فترتين رئاسيتين كحد أقصى، فضلًا عن الحتمية البيولوجية التي لا تتيح له – وهو الذي قد بلغ الثالثة والستين من العمر – أن يبقى في الحكم إلى الأبد.

يثير سؤال «ماذا بعد أردوغان؟» القلق لدي الكثير من أنصاره، لكنه كذلك قد يحمل أملًا ما لدى العديد من معارضيه وخصومه، فعبر استراتيجيته التي وصفها البعض بالرامية لإحكام السيطرة على الحزب والدولة، أطاح الرجل  بالعديد من الوجوه التي تصلح لخلافته، وبقيت المناصب القيادية في الحزب والدولة محصورة بمجموعة من البيروقراطيين، تفصلهم مسافة شاسعة عن «كاريزما» أردوغان ونفوذه، الأمر الذي يعني – ما لم يعمل الحزب سريعًا علي تدارك هذا الوضع – أن ثمة فراغًا كبيرًا ينتظر الحزب في مرحلة ما بعد أردوغان.

5 – مزيد من «العزلة» المحتملة لتركيا عن الغرب

لم يعد سرًا أن العديد من الأوساط السياسية والإعلامية والثقافية صارت تعادي شخص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فتصفه بـ«الفاشي، والديكتاتور، والمريض بحب السلطة»، وتصوره كسلطان يحلم باستعادة أمجاد «الخلافة العثمانية»، الأمر الذي صار يطلق عليه البعض «أردوغانو- فوبيا»، أي «رُهاب أردوغان».

وقد حاولت بعض دول أوروبا التأثير على نتائج الاستفتاء، إذ  قررت كل من ألمانيا وهولندا وسويسرا والنمسا إلغاء لقاءات جماهيرية لوزراء ومسؤولين أتراك تذرعًا بالظروف الأمنية، هادفة بذلك إلى حرمان القادة الأتراك من التواصل مع قواعدهم الجماهيرية في الخارج، وهو الأمر الذي أثار أزمات بين أنقرة وتلك العواصم الأوروبية.

والملاحظ أنه كلما اشتدت قبضة أردوغان علي السلطة، كلما سارت العلاقات مع الغرب نحو الأسوأ، فعندما كان أحمد داود أوغلو رئيسًا للوزراء، شهدت تلك العلاقات انفراجة نسبية، سرعان ما عادت أدراجها بعد الإطاحة بأوغلو، بل إن المفوضية الأوروبية قد أعلنت أن تركيا لن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي «طالما ظل أردوغان رئيسًا»، وأن تلك المسألة مؤجلة إلى مرحلة «ما بعد أردوغان».

ومن ثم، وما لم يطرأ تغيير جوهري على تلك العلاقة المتوترة أصلًا، من المحتمل أن تؤدي نتيجة الاستفتاء إلى مزيد من التأزم لعلاقة أنقرة بالعواصم الأوروبية، الأمر الذي يزيد في عزلتها بشكل كبير، وهذا بكل تأكيد سيكون خبرًا سارًا لأعداء أردوغان في الداخل والخارج، الذين طالما أزعجتهم علاقات تركيا المتميزة مع عواصم العالم النافذة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد