انتشرت ظاهرة التحرش الجنسي في مختلف دول العالم؛ ربما كانت الظاهرة موجودة من قبل منذ عصورٍ طويلة، ولكنها لم تأخذ مُسمى أو تعريفًا واضحًا، كما أنها كانت تحت مظلة الحوادث الفردية، إلا أنه مع انتشارها، ومع تعرض الكثيرات والكثيرين لمضايقاتٍ واعتداءاتٍ في صورة التحرش الجنسي، فإنها بدأت تتحول من مجرد ظاهرة سلبية إلى جريمة، يعاقب عليها القانون، بعقوباتٍ صارمة حينًا، وعقوباتٍ هيِّنة حينًا، وهو ما يتوقف على البلد نفسه.

ومن هنا، يمكن تعريف التحرش الجنسي على أنه «أي صيغة من الكلمات غير مرغوب بها و/أو الأفعال ذات الطابع الجنسي، والتي تنتهك جسد أو خصوصية أو مشاعر شخص ما، وتجعله يشعر بعدم الارتياح، أو التهديد، أو عدم الأمان، أو الخوف، أو عدم الاحترام، أو الترويع، أو الإهانة، أو الإساءة، أو الترهيب، أو الانتهاك، أو أنه مجرد شيء في جسد وليس إنسانًا»؛ إذ يأتي هذا التعريف طبقًا لتعريف مؤسسة «خريطة التحرش الجنسي» المصرية. الجدير بالذكر، أن التحرش الجنسي يعد صورة من صور العنف الجنسي، والتي تشمل أيضًا الاعتداء الجنسي، والاغتصاب، والاعتداءات الجماعية.

ومنذ انتقال التحرش الجنسي من كونه ظاهرةً إلى كونه جريمةً يُعاقب عليها القانون في الدول المختلفة، اختلفت عقوبة التحرش في الدول المختلفة من حالةٍ إلى حالة؛ إذ إن غالبية دول العالم تتراوح فيها العقوبة بين السجن والغرامة، فيما أثارت بعض الدول الجدل بسبب العقوبات القاسية الشديدة التي تفرضها على المتحرشين جنسيًّا؛ إذ تعتمد هذه الدول بشكلٍ رئيسي على طريقة الإخصاء الجراحي والكيميائي، والتي تمارس ضد المتهمين بالاعتداء الجنسي على الأطفال، وتلجأ إليها دول عديدة، وفي ما يلي عرض بأقسى العقوبات التي يتخذها عدد من الدول ضد المتحرشين جنسيًّا.

المغرب.. عقوبة لم تُفرض

أعلن موقع «هيسبريس» المغربي إقرار قانون جديد في المغرب، وذلك بعد أن خضعت الحكومة المغربية لمطالب العديد من الأصوات الحقوقية التي ظلت تطالب بإخصاء المعتدين جنسيًّا ليكونوا عبرة، وذلك باعتبار أن القوانين الموجودة حاليًا في القانون الجنائي لم تقف أمام تفشي ظاهرة اغتصاب المغربيات، قاصرات وراشدات.

وقد أشار الموقع إلى أن هذا القانون الجديد سيضع حدًّا للمغامرات الجنسية المشينة للمغتصبين؛ إذ يعني الإخصاء الجراحي أن يتم استئصال الخصيتين بالكامل، وقد أكد «هيسبريس» أن هذه الخطوة تأتي في ظل توالي حالات الاغتصاب ومحاولات هتك العرض علانية في الشارع العام أو في الأماكن المظلمة دفع الحكومة التي يقودها سعد الدين العثماني إلى وضع قانون مستعجل تنص بنوده على الإخصاء الجراحي للمغتصبين، واستئصال خصياتهم نهائيًّا، أو حقنهم بهرمون يقضي على رغباتهم الجنسية.

بدا هذا خبرًا سعيدًا بالنسبة للبعض ممن يطالبون بالقصاص للمُغتَصَبين، وبدا خبرًا سيئًا بالنسبة للبعض الآخر الذين رأوا فيه انتهاكًا لحقوق الإنسان حتى لو كان مغتصبًا، ولكن ما ذكره الموقع في فقرته الأخيرة من الخبر، هو أن هذا الإعلان هو مجرد «كذبة أبريل»؛ فعلى الرغم من انتشار الخبر بسرعة شديدة على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة؛ مما أحدث مشاركات ونقاشات جادة حول مدى فعالية هذه العقوبة، وموقفها من حقوق الإنسان، إلا أنه لم يكن حقيقة.

1- مقدونيا.. تعطيل القدرة الجنسية

في فبراير (شباط) 2014، أقر البرلمان المقدوني تعديلًا في القانون الخاص بعقوبة المتحرشين جنسيًّا والمعتدين على الأطفال؛ إذ نص التعديل في أحد بنوده على معاقبة كل من يثبت ممارسته التحرش أو الاعتداء الجنسي على الأطفال، وذلك بعقوبة الإخصاء الكيميائي.

وطبقًا للقانون الجديد، تقوم الجهات المنوط بها تنفيذ عملية الإخصاء الكيميائي على المدانين بالاستغلال والتحرش الجنسي للأطفال، بحقنهم بمادة كيميائية، تقوم بتثبيط عمل هرمون التيستيرون؛ مما يعطل الوظيفة الجنسية لديهم، وتتم العملية بحضور خبراء في مجال الحقن الكيميائي. كما ينص القانون على التخفيف من عقوبة الحبس بعد عملية الإخصاء.

ويأتي ذلك في ظل ارتفاع عدد ضحايا التحرش والاعتداء الجنسي من الأطفال لأكثر من ألف حالة سنويًّا، بالرغم من أن هذا العدد لا يقوم بالتبليغ؛ إذ إنه يتم إبلاغ الشرطة تقريبًا بربع هذا الرقم فقط. الجدير بالذكر أن المقصود بالإخصاء الكيميائي هو استخدام عقاقير للحد من الشهوة الجنسية، دون اللجوء إلى التعقيم أو استئصال الأعضاء التناسلية، وذلك على عكس الإخصاء الجراحي، الذي يتم فيه استئصال الأعضاء التناسلية مباشرةً.

2- الولايات المتحدة الأمريكية.. على المتحرش أن يفكر مرتين

ربما توجد عقوبة الإخصاء الجنسي؛ كيميائيًّا أو جراحيًّا، في عدة دول، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية اختارت ألا تكون مثلهم؛ إذ إن عقاب المتحرش جنسيًّا في الولايات المتحدة الأمريكية لا يشمل الطرق الجراحية أو الكيميائية، أو الإخصاء بأي أشكال أخرى، وإنما العقوبة هي السجن، ولكنه ليس هيّنًا؛ بل إنه سجن قد يصل إلى مدى الحياة، بالإضافة إلى غرامة مالية كبيرة قد تصل إلى ربع مليون دولار أمريكيًّا.

قد يُفكِّر المتحرش مرتين في الأمر إن كان في الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ إن العقوبة هناك هي عقوبة صارمة لا تهاون فيها في غالبية الأمور، كما أنها تُطبق باستمرار. فمن أواخر الحوادث الشهيرة التي طُبقت فيها عقوبة جريمة التحرش الجنسي في الولايات المتحدة الأمريكية كان في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي في عام 2018، وذلك عندما حُكم بالسجن على لاري نصَّار، طبيب المنتخب الأمريكي للجمباز السابق، بالسجن مدة 175 عامًا بسبب تهم تحرش جنسي بلاعبات الفريق.

(لاري نصَّار المتحرش الذي حكم عليه بالسجن مدة 175 عامًا!)

وقالت القاضية روزماري أكويلينا حينها: «سيدي، أنت لا تستحق أن تمشي خارج السجن مرة أخرى، لقد وقَّعت للتو على مذكرة وفاتك»، يأتي ذلك في الوقت الذي ثبت فيه أن «نصَّار» مُذنب في 10 تهم بالتحرش والاعتداء الجنسي على عدد من لاعبات المنتخب الأمريكي للجمباز، من ضمنهن لاعبات أولمبيات.

3- جمهورية التشيك.. الإخصاء رغمًا عن أنف أوروبا

بعيدًا عن كل الدول الأوروبية، تعتبر جمهورية التشيك هي الدولة الأوروبية الأكثر حزمًا وقسوة ضد المتحرشين جنسيًّا؛ إذ إنها هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي ما زالت تستخدم الإخصاء الجنسي؛ الجراحي أو الكيميائي، عقوبةً للتحرش الجنسي في البلاد.

وبالرغم من أن المجلس الأوروبي، وهيئة حقوق الإنسان بالمجلس التي تُدعى الهيئة العليا لحقوق الإنسان، رفضوا هذه العقوبة بشدة، مؤكدين أنها عقوبة جائرة، ومُشوَّهة ومهينة، مطالبين الجمهورية التشيكية بإلغائها على الفور. وعلى مدار العقد الماضي، تعرَّض حوالي 94 سجينًا على الأقل للإخصاء الجراحي أو الكيميائي، نتيجة الجرائم الجنسية المتعلقة بالتحرش الجنسي في التشيك.

وفي الوقت نفسه، تُصر الحكومة على أن هذا الإجراء هو الأفضل للحد من جرائم التحرش الجنسي في البلاد، فضلًا عن أنها تتم بالاتفاق مع المتهمين أنفسهم، وبلا إجبار. هذا في الوقت الذي لم تشرح فيه الحكومة ما يمكن حدوثه للمتحرش في حالة رفضه عملية الإخصاء.

ليس هذا فقط؛ بل إن لجنة مناهضة التعذيب في الاتحاد الأوروبي رفضت العقوبة أيضًا، إلا أن جمهورية التشيك ما زالت تطبق طريقة الإخصاء الجراحي والكيميائي، ضد من يثبت تحرشه أو اعتدائه جنسيًّا على الأطفال أو المراهقات.

4- إندونيسيا.. الحقن بالهرمونات الأنثوية

في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، قال المدعي العام الإندونيسي إن رئيس البلاد وقَّع مرسومًا يجيز اللجوء إلى عمليات إخصاء كيماوية لمعاقبة من يعتدون جنسيًّا ويتحرشون بالأطفال، وذلك عقب سلسلة من الجرائم الجنسية ضد أطفال هزّت البلاد.

(المدعي العام الإندونيسي محمد براسيتو)

وعن هذا الأمر، قال المدعي العام الإندونيسي محمد براسيتو بعد اجتماع للحكومة الإندونيسية: «نحن منزعجون للغاية من حالات التحرش بالأطفال. هذه الظاهرة وصلت إلى مستويات غير عادية. اتفق على تطبيق عقوبة إضافية لجعل الناس يفكرون ألف مرة قبل الإقدام على هذا الأمر».

وصرّح براسيتو أنه من المتوقع أن يصدر الرئيس جوكو ويدودو مرسومًا رئاسيًّا لإقرار العقوبة بعدما وافقت عليها الحكومة؛ إذ ذكر أن الإخصاء الكيميائي ينطوي على حقن المدان بهرمونات أنثوية «حتى تختفي عنده الرغبة الجنسية». وجدد المطالبات بفرض عقوبات أقسى على جريمة اغتصاب ارتكبتها مجموعة من الحراس في مدرسة في العاصمة الإندونيسية جاكرتا لطفلة عمرها ست سنوات في عام 2014.

الجدير بالذكر أنه بذلك تكون انضمت إندونيسيا إلى مجموعة صغيرة من الدول التي تطبق هذه العقوبة، منها بولندا وروسيا وإستونيا والتشيك ومقدونيا، بالإضافة إلى كوريا الجنوبية، والتي أصبحت أول دولة آسيوية تستخدم عقوبة الإخصاء الكيميائي منذ عام 2011.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد