1,027

للوهلة الأولى، يميل معظم الناس لاعتبار الذكاء ميزة كبيرة تحقق لصاحبها الكثير من المكتسبات، وتوفر عليه الكثير من الخسائر والخبرات السيئة. إذا كنت ذكيًّا، فإنك تستطيع حل مشاكلك ومساعدة من حولك في حل مشاكلهم؛ هذا الأمر يجعل حياتك أسهل بلا شك. كذلك، يرتبط الذكاء بالكثير من الصفات والقدرات المهمة مثل: المرونة في التعلم، والقدرة على التذكر، ودرجة الانتباه المرتفعة، وغيرها الكثير من القدرات المهمة لحياة كل البشر. هذا صحيح، لكنها ليست الصورة الكاملة.

الحقيقة أن الذكاء ليس دومًا بهذه الروعة، يعاني الكثير من الأشخاص ذوي معدلات الذكاء المرتفعة من كثير من المشكلات التي ترتبط بطريقة أو بأخرى بذكائهم المرتفع، وفي هذا التقرير، نحاول إلقاء الضوء على بعض هذه المشكلات التي يمكن أن تجعلنا نرى الحقيقة الكاملة من منظور جديد.

1- هل أنت ذكي؟ إذًا احترس من المخدرات!

يرتبط الذكاء المرتفع في سن الطفولة بقابلية الأشخاص المرتفعة لتعاطي المخدرات في سن البلوغ. هذا ما أثبتته دراستان علميتان؛ نشرت الدراسة الأولى عام 2011، وتناولت الدراسة تتبعًا لحالات من الأطفال ذوي مستويات الذكاء المرتفعة، لتثبت زيادة القابلية المحتملة لدى هؤلاء الأشخاص لتعاطي المخدرات في سن المراهقة والبلوغ.

نُشرت الدراسة الثانية عام 2012، والتي توصلت بدورها لنفس النتائج التي تؤكد صواب الدراسة الأولى. شارك في الدراستين البروفيسور «جيمس وايت» في جامعة كارديف، واستخدم وايت في الدراستين المعلومات المتاحة من «مركز الدراسات المطولة» وهو المجلس البحثي التابع لمعهد التربية بجامعة لندن؛ ويقدم هذا المركز المعلومات التي تحتاجها الدراسات المطولة والتي تعرف بأنها تتم على مراحل زمنية ممتدة، وربما تعتمد على بيانات لمجموعات كبيرة من الأفراد «موضع التجربة» كذلك.

Embed from Getty Images
وثق وايت في الدراستين رابطًا غير متوقع بين الذكاء وتعاطي المخدرات خلال فترات زمنية طويلة نسبيًا، كذلك رصد العديد من المتغيرات التي كان لها تأثيرات متفاوتة على النتائج التي وصلت إليها أوراقه البحثية. المعلومات التي اعتمد عليها وايت أخذها من دراسة بدأت في عام 1958.

شملت الدراسة 3506 رجل و3204 امرأة جرى اختبارهم جميعًا لقياس قدراتهم العقلية في عمر 11 عامًا، ثم يجري تحويل نتائج الاختبار بعد ذلك إلى معدلات ذكاء «IQ». في سن 42 عامًا، يُستجوب المشاركون في التجربة بمجموعة أسئلة متعلقة بتعاطي أنواع مختلفة من المخدرات مثل «القنب» و«الكوكايين»، و«الأمفيتامينات»، و«الهيروين»، وغيرها من أنواع المخدرات.

لاحظ فريق الدراسة ارتباط ذوي معدلات الذكاء المرتفع بزيادة ملحوظة في استخدام كل العقارات المذكورة في الاستبيان باستثناء الكوكايين والأمفيتامين، ومخدر النشوة، والتيمازيبام للرجال، بينما كان الاستثناء لدى النساء هو التيمازيبام ومخدر النشوة فقط.

Embed from Getty Images
على نفس المقياس الواسع، أجريت التجربة الأخرى على البيانات التي أُحصيت عام 1970 لـ3818 طفلًا و 4128 طفلة، كانوا في سن الخامسة عندما ذهب الباحثون إلى منازلهم وأجروا عليهم مجموعة من اختبارات القدرات العقلية، وتم حساب النتائج وتحويلها لمعدلات ذكاء معيارية معتمدة. في سن السادسة عشر  تعرض المشاركون لاستبيان من مجموعة من الأسئلة عن صحتهم، وكذلك عن تجربتهم للمخدرات، على أن تكون الإجابات بسيطة، بنعم أو لا.

بحلول سن الـثلاثين جرى اختبار المشاركين مجددًا، وكانت الأسئلة عن منجزاتهم الدراسية ورواتبهم وصحتهم النفسية. لاحظ الباحثون أنه في عمر الـسادسة عشر والـثلاثين كان كلًا من الرجال والنساء الذين اعترفوا بتناولهم المخدرات ممن امتلكوا معدلات ذكاء مرتفعة في الطفولة.

اقترحت الدراسة أن يكون السبب في هذه النتائج هو الارتباط المباشر الذي أثبتته دراسة أخرى بين معدلات الذكاء المرتفعة والانفتاح الكبير على التجارب الجديدة حتى الخطرة منها.

2- الأذكياء أكثر عرضة للاكتئاب والاضطرابات العقلية

يبدو أن الأسطورة التي روج لها الدكتور «هاوس» في المسلسل الأمريكي الشهير عن العلاقة الشرطية بين الذكاء المرتفع ومواجهة الاكتئاب والبؤس؛ كانت حقيقية، وأجريت دراسة على نحو 3715 من الأشخاص الأعضاء في جمعية «منسا الأمريكية» لأصحاب معدلات الذكاء المرتفعة (معدل أكثر من 130)، وقام فريق الدراسة بسؤال الأشخاص الخاضعين للتجربة ما إذا جرى تشخيصهم بأمراض عقلية، مثل اضطراب التوحد أو قصور الانتباه وفرط الحركة، كذلك جرى سؤالهم إذا كانوا قد تعرضوا لاضطرابات المزاج والقلق، أو حتى اشتباههم في معاناتهم لأمراض عقلية لم تُشخص بعد، إضافة إلى الأمراض الفسيولوجية مثل الحساسية والربو.

Embed from Getty Images
قارن الفريق النتائج التي حصل عليها مع متوسط النتائج القومي الأمريكي لكل مرض وجدوه في المشاركين بالتجربة، ليجدوا أن أعضاء الجمعية الأمريكية ممن خضعوا للتجربة عانوا من الاضطرابات العقلية والفسيولوجية بمعدلات أكبر. كمثال، يعاني 10% من العدد الكلي للمواطنين الأمريكيين من اضطراب القلق؛ بينما يعاني أعضاء الجمعية من نفس الاضطراب بنسبة 20% وهو الضعف تمامًا.

تقترح التجربة أن يكون الأشخاص أصحاب «العقول مفرطة النشاط» يتفاعلون بشكل أكبر من المعتاد مع المحفزات البيئية المحيطة، وهذا المبدأ ربما يكون السبب الرئيس في تعرضهم للاضطرابات النفسية والفسيولوجية المختلفة. طبقًا لهذه الدراسة، يكون الذكاء المرتفع هو السلاح المسلط على صاحبه، فيتسبب في مستويات مرتفعة من الوعي، ما يؤدي بدوره لفرط التفاعل مع المحفزات الطبيعية، وهذا التفاعل يخلق بدوره حالة العقل مفرط النشاط.

3- الأذكياء يعيشون حياة مقلوبة

تدفعنا الطبيعة للنوم أثناء الليل والاستيقاظ وممارسة الأنشطة المختلفة في النهار وتحت أشعة الشمس، لا يفضل هذا الأسلوب في العيش فقط لأن الناس يفعلون ذلك، لكن بالفعل هناك أسباب علمية تدفعنا للنوم أثناء الليل. في الواقع، الكثير من الأذكياء لا يفعلون ذلك، وقد أجريت بالفعل دراسة عام 2009 بجامعة «بورتو أليجري» في البرازيل، لتصل إلى نتائج تثبت وجود رابط بين الأرق، والإصابة بالأعراض الخاصة بالاكتئاب.

Embed from Getty Images
أجريت الدراسة على 200 شخص أصحاء بتاريخ مرضي خال من الأمراض العقلية، وجرى سؤالهم عن عاداتهم الخاصة بالنوم، ووجد الباحثون في الدراسة أن الأشخاص الذين ينشطون في الليل يعانون من الأعراض الحادة للاكتئاب أكثر من أولئك الذين ينامون في الأوقات الطبيعية بثلاثة أضعاف.

الأكثر من ذلك، أنه بمقارنتهم بالأشخاص الذين ينامون في أوقات وسيطة بين الفئتين؛ وجد الباحثون أن الأشخاص الذين ينشطون ليلًا، يعانون من الأعراض الحادة للاكتئاب أكثر من الأشخاص الذين ينامون في الأوقات الوسيطة بخمسة أضعاف. صحيح أن الدراسة لا تثبت أي الأمرين نتيجة للآخر، هل النوم المتأخر سبب للاكتئاب أم العكس، لكنها تصوب الانتباه نحو هذه الظاهرة، كما أنها تشجع الكثير من الباحثين لإلقاء المزيد من الضوء على موضوع التجربة.

4- غالبية الناس سيعتبرونك «غريب الأطوار»

هناك قناعة عامة في المجتمعات المعاصرة أن الأشخاص الأذكياء يعانون دائمًا صعوبات بالغة في الانخراط في الأدوار الاجتماعية. هذا الارتباط المزعوم لا يخلو من وجاهة علمية، لكنه في المقابل يصعب تعميمه ليصبح الحكم العام بأن «كل» شخص ذكي لا بد أن يكون مثل شخصية «شيلدون كوبر»، كذلك لا يجب اعتبار كل شخص يعاني من صعوبات اجتماعية ذكيًّا أو فائق الذكاء من حيث التعريف.

في محاولته لحل هذه المعضلة، يقدم الطبيب النفسي «دانيل جولمان» مفهومًا لهذه النوعية من القدرات في كتابه «الذكاء العاطفي» أسماه الذكاء العاطفي، وهو قدرة الشخص على التعاطف، والتحلي بالمهارات التي يتطلبها التفاعل الاجتماعي، ويحاول جولمان فض الاشتباك المتمثل في الميل السائد للربط بين الذكاء ومعاناة الصعوبات الاجتماعية. هناك الكثير من الأسباب التي يمكن أن تفسر هذه العلاقة، منها أن الأذكياء يكونون أكثر ميلًا لرفض الأنماط السلوكية الامتثالية، كذلك يكونون أقل ميلًا لتفادي الصراعات والخلافات، خصوصًا الفكرية والثقافية منها، كذلك الثقة التي يمتلكها الأشخاص الأذكياء يمكن أن تسبب نفور الآخرين، خصوصًا عندما يُساء تأويلها.

Embed from Getty Images
إن نوعية النشاطات التي يميل إليها الأشخاص ذوو مستويات الذكاء المرتفعة مثل الشطرنج أو القراءة أو الانخراط في دراسة العلوم، تمنعهم في كثير الأوقات من الانخراط في النشاطات التي تساعد على تطوير المهارات والروابط الاجتماعية مثل السهر في الحفلات، والخروج إلى النوادي. الأمر هنا يتعلق بطبيعة النشاطات التي ينجذب إليها الأذكياء، وهي نشاطات في معظمها فردانية.

هذه الحقائق قد تمكننا الآن من فهم هذه العلاقة بين الذكاء وزيادة التأخر في تحصيل المهارات الاجتماعية، كأن الأمور تسير في نمط مساومة يجري فيها الاختيار بين الذكاء، وبين المهارات الاجتماعية، غير أنه في الوقت الذي قرر فيه البشر العيش في مجتمعات؛ فإن أكثر من سيعاني هم المنعزلون؛ الذين يكون أغلبهم إذًا الأذكياء.

5- احترسي.. المرأة الذكية لا تتزوج بسهولة

لا شك أن الحصول على رفيق الحياة هو أحد أهم الاحتياجات التي يجب أن يلبيها الإنسان. لأسباب تطورية ونفسية كانت هذه المهمة عاملًا مهمًا في تحديد سلوكياتنا فيما يخص التعامل بين الجنسين. بالنسبة للنساء ذوات معدلات الذكاء المرتفعة، فإن الحقيقة التي سنعرضها الآن، يجب أن تأخذ من تفكيرها وانتباهها الكثير، وهي أن الكثير من الرجال يتحدثون دائمًا عن رغبتهم في الارتباط بالمرأة الذكية، لكن الواقع، هو أنهم لا يفضلون حقيقة الارتباط بهذه المرأة. هذا ما وصلت إليه دراسة علمية أجريت عام 2015.

تقترح الدراسة أن الرجال يصرحون برغبتهم في الارتباط بامرأة ذكية فقط للحصول على فرص جيدة، من حيث الكم، للمواعيد الغرامية؛ بينما يغيرون نظرياتهم بعد هذه النقطة. توصلت الدراسة إلى نتيجة غريبة، وهي أن الرجال، في الحقيقة، لا يجدون النساء الذكيات، جذابات؛ بل إنهم ينظرون إليهن كتهديد محتمل.

أجريت الدراسة في جامعة «بافالو» وجامعة «تكساس» بواسطة مجموعة من علماء النفس قاموا بتقسيم التجربة إلى جزئين؛ الأول، قام فيه الباحثون بدفع 105 رجل لترتيب النساء اللاتي تفوقن، أو حصلن على درجات أقل، منهم في اختبار ذكاء؛ كشركاء رومانسيين محتملين. وجد الباحثون أن الرجال يميلون في هذه المرحلة من التجربة لإظهار اهتمامهم بالنساء الأكثر منهم ذكاءً، مقارنة بالأقل ذكاءً منهم.

Embed from Getty Images
في الجزء الثاني من الدراسة تتغير الأمور بشكل دراماتيكي؛ فعندما تعرض الرجال لاختبار ذكاء جديد، وأُخبروا أنهم سوف يقابلون فعليًا النساء اللاتي تفوقن عليهم في الاختبار أو أحرزن معدلات ذكاء أقل، في هذه المرحلة، لاحظ الباحثون ميل الرجال الذين قالوا سابقًا، في الجزء الأول، إنهم يفضلون مواعدة فتاة ذات مستوى ذكاء مرتفع، قرروا الابتعاد عن الفتيات الذكيات، كما صنفوهن باعتبارهن أقل جاذبية، وأظهروا رغبة أقل في تبادل أرقام الهواتف معهن أو ترتيب مواعيد مستقبلية للقاء.

ترجح الدراسة، أنه في السياق الثاني، شعر الرجال بالتهديد من مواجهة فتيات أكثر ذكاءً، حيث تعارضت وجهات نظرهم الاجتماعية، مع مشاعر الذكورة لديهم، فتسببت في رغبتهم في الابتعاد عن مواجهة فتيات قد يتفوقن عليهم في السياقات العملية. هذه الفكرة تبدو ظالمة لفتاة تتمتع بقدر كبير من الذكاء، حيث سيكون أمامها تحديات كبرى لمجرد إثارة إعجاب أحدهم بالقدر الذي يسمح له بلقائها والتعرف إليها.