1,404

زعم أهل الطب أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق، فيصفو له الدم، وتنمو له النفس، ويرتاح له القلب، وتهتز له الجوارح، وتخف له الحركات، ولهذا كرهوا للطفل أن ينام على أثر البكاء، حتى يرقص ويطرب، وزعمت الفلاسفة: أن النغم فصل بقي من النطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان. *شهاب الدين الأبشيهي- كتاب المستطرف في كل فن مستظرف

يمكنك أن ترى هذه الكلمات متجسدةً أمامك في إحدى حفلات المديح النبوي التي تُقام في مختلف المناسبات الدينية والاجتماعية المصرية، وفيها يُنشد المداحون أشهر القصائد التي نُظمت أبياتها في حب الرسول محمد وآله، وعلى إيقاع كلماتها يندمج الحاضرون ويتذوّقون حلاوة الكلام والنَّغم، فتهتزُّ أجسادهم وتتمايل وهم مغمضو الأعين، يتيهون في رحلة روحانية لا تنتهي ربما إلا بسكون صوت المغني.

يشرح لنا أحد علماء الصوفية، وهو «محمد بن أحمد السفاريني»، ما يحدث في نفس المستمعين وسر اندماجهم وارتحالهم عما يدور حولهم، بتأكيده أن هذا النوع من الغناء: «مُهيِّج لما في القلوب، مُحرِّكٌ لما فيها، فلما كانت قلوب القوم معمورة بذكر الله تعالى، صافيةً من كَدَرِ الشهوات، محترقةً بحب الله ليس فيها سواه، كان الشوق والوجد والهيجان والقلق كامنًا في قلوبهم كمون النار في الزناد، فلا تظهر إلا بمصادفة ما يشاكلها».

وفن المديح النبوي تميز فيه العديد من المداحين، الذين أفنوا حياتهم في إطراب أسماع المستمعين وأرواحهم، بما أنشدته حناجرهم من قصائد في مدح الرسول، وحتى لا يُنسى ما قدموه من جمال، نتعرض سويًا إلى سيرة أهمهم.

1- ياسين التهامي.. عميد الإنشاد الديني

صاحب صوت إنساني فضفاض يستوعب أي إنسان على اختلاف لغته وموسيقاه.

بهذه الكلمات البسيطة وصفت إذاعة «بي. بي. سي.» البريطانية المنشد الديني المصري الشهير ياسين التهامي، وذلك في حلقة خاصة للحديث عنه وعن حفلته التي أحياها في بريطانيا، والتي لم يجد مقدمها كلمات يمكن أن يمهد بها للحضور ما سيسمعون إليه؛ فقال لهم: «ياسين شيء مختلف لا نستطيع تقديمه، لذا من الأفضل أن نتركه يقدم نفسه من خلال غنائه وموسيقاه، وشكل أدائه الذي يشبه البوح».

ولد الشيخ ياسين التهامي يوم السادس من شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1949، ببلدة الحواتكة التابعة لمركز منفلوط في محافظة أسيوط بصعيد مصر، ونشأ في عائلة محافظة تميزت بجوها الديني النابع من كون معظم أبناء القرية ينتسبون إلى الطرق الصوفية، وكان والد الشيخ ياسين متدينًا فحفظ ابنه القرآن في سنٍّ مبكرة؛ مما جعله يمتلك لسانًا ينطق الفصحى دون أيّ أخطاء، وتلقى تعليمه في المعاهد الأزهرية حتى توقف عند السنة الثانية من المرحلة الثانوية.

بعدما انقطع عن التعليم كان منجذبًا في هذه الفترة إلى الشعر الصوفي، الذي كان يسمعه في ليالي الذكر التي يقيمها والده، فانقطع لعامين قضاهما في التأمُّل وقراءة أشعار المتصوفة المعروفين أمثال: ابن الفارض، والحلاج، وابن عربي، وغيرهم من الشعراء، الذين ساهموا في تكوين شخصية التهامي.

وكانت بداياته بالإنشاد الديني في الموالد والحفلات الدينية بقرى الصعيد، ولمع نجمه في منتصف السبعينيات بوصفه أحد منافسي الشيخ أحمد التوني الذي كان يعد سيد الإنشاد الديني آنذاك، ولم يحصل الشيخ ياسين على دراسة أكاديمية مكنته من التميز في عالم الإنشاد الديني؛ بل كان يعتمد على التعامل مع المقامات الموسيقية بحساسيةٍ مدهشة، فيتنقل بينها بخفة؛ بل ويزاوج بينهما ببراعة ربما لم يعرفها المنشدون الدينيون في عصره.

يُحسب للتهامي التطوير الذي أضافه للإنشاد الديني، فقد دمج بين إيقاعات النغم الشرقي الأصيل، والنغم الشعبي، كما أدخل العديد من الآلات الموسيقية المختلفة مثل الكمان والناي والقانون، فأحدث نقلة في عالم الإنشاد ميزته عن الابتهال الذي قدمه كبار المنشدين، مثل نصر الدين طوبار وطه الفشني، ليس في جانب الكلمات فقط؛ بل في اللحن وشكل الأداء أيضًا.

تعتمد طريقة الأداء الخاصة بياسين التهامي على العلاقة مع الجمهور والتفاعل معه والتأثير المتبادل، ويؤكد لنا ذلك بذكره أنه أثناء تقديمه إحدى الحفلات في القاهرة لم يشعر بالتواصل بينه وبين الحاضرين، عدا مجموعة قليلة منهم، فتواصل معهم وأنشد لهم وحدهم.

رغم روعة الموسيقى التي ترافق غناء الشيخ ياسين التهامي، إلا أنها تظهر وكأنها مبعثرة ليس لها نظام يوحِّدها، وفي بعض الأحيان تكون متشابهة في أغلب ما ينشده من قصائد، إلا أن ذلك يكون في الاستهلال فقط، وأما ما يتلوه من موسيقى فتكون أكثر انتظامًا، ولكل قصيدة الموسيقى التي تميزها، وأحيانًا تفرض القصيدة مقامها الموسيقي.

نظرًا لنشأة التهامي في أجواء شب فيها على التصوف وحلقات الذكر، تأتي معظم القصائد التي ينشدها من تراث المتصوفة الذين تربطه بهم علاقة عشق، وأشهر من يُنشد لهم «ابن الفارض» الذي أنشد تائيته المشهورة المكونة من 537 بيتًا على حفلات متفرقة، وأيضًا أنشد للإمام عبد القادر الجيلاني، وعبد الكريم الجيلي، وغيرهم من شعراء الصوفية.

2- سيد النقشبندي.. صوت السماء مرفرفًا!

يبدو أن طريق الشيخ سيد النقشبندي في عالم الإنشاد الديني لم يأتِ من فراغ؛ فاسم عائلته أصله كلمة «نقش» وتعني بالفارسية «رسم»، وهو لم يذهب بعيدًا عن هذا المعنى، فرسم بجميل ابتهالاته الخاشعة روحانيات رسخت في قلوب مستمعيه وعشاقه.

ولد النقشبندي صاحب صوت السماء على الأرض في حارة الشقيقة بقرية دميرة التابعة لمحافظة الدقهلية في مصر عام 1920، ولكن سنواته في هذه القرية لم تتجاوز العشر، فقد رحلت عائلته منها إلى مدينة طهطا في محافظة سوهاج، وهناك حفظ القرآن على يد الشيخ أحمد خليل، وتعلم أصول الإنشاد الديني في حلقات الذكر بين مريدي الطريقة النقشبندية، وهي طريقة صوفية تقوم على أساس الذكر الصامت بالقلب دون اللسان، وكان والده الشيخ محمد النقشبندي هو شيخ الطريقة، وقد نسبت لاسمه.

كان الحادث الفاصل الأول في حياة الشيخ سيد عام 1945، عندما رأى أثناء نومه رؤيا تدعوه إلى السفر لطنطا وتحديدًا إلى مسجد السيد البدوي أحد أولياء الصوفية في مصر، فغادر طهطا تاركًا أهله وارتحل إلى طنطا واستقر هناك فترة.

أما الحادث الثاني فكان في أوائل الستينيات عندما كان الشيخ النقشبندي يُنشد في مولد الحسين، وسمعه بالصدفة الإعلامي أحمد فراج مقدم برنامج في رحاب الله على إذاعة القرآن الكريم المصرية، فأعجب به جدًا وقرر استضافته في إحدى حلقات برنامجه، والتي أحدثت صدى مدويًا؛ مما جعل الإذاعة تطلب من النقشبندي تقديم أدعية بصوته مدة خمس دقائق بعد صلاة المغرب كل يوم في شهر رمضان، فوافق الشيخ وقدم أروع الأدعية التي لاقت إعجاب المستمعين.

تعاون النقشبندي مع الملحن الشهير الموسيقار بليغ حمدي فسجل معه ستة أدعية أهمها: أشرق المعصوم، ورباه يا من أناجي، وليلة القدر. وقال عنها الإذاعي الراحل وجدي الحكيم: «إن لم يسجل النقشبندي تلك الأدعية ما كان ليكون له تاريخٌ بعد رحيله».

بالطبع لا ينسى جمهور النقشبندي ابتهال مولاي، وهو في الأصل قصيدة كتبها الشاعر عبد الفتاح مصطفى، ولحنها الموسيقار بليغ حمدي، وأنشدها النقشبندي بعد محاولات عدة كانت إحداها من الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي كان مغرمًا بصوته إلى حد أنه كان يطلب حضوره لإحياء جلسات خاصة في منزله بمسقط رأسه في قرية ميت أبو الكوم بمحافظة المنوفية.

من اللافت للنظر وجود صفة جمعت النقشبندي وأم كلثوم، وهي قوة الصوت، فكلاهما كان يمكن أن يغني بدون الميكروفون، الذي كثيرًا ما كان يُبعد من أمام كوكب الشرق، وهو الأمر الذي تكرر مع النقشبندي لدرجة أن اقترابه من الميكروفون يمكن أن يؤدي إلى حدوث عطل بأجهزة الصوت، وكانت هذه الميزة دافعًا لهما إلى الاتفاق على مشروع فني عنوانه رواية تاريخ الرسول غناءً، إلا أن ذلك المشروع لم يكتمل نتيجة سوء حالة أم كلثوم الصحية.

أما الدول التي زارها النقشبندي فقد كرمته بأوسمة مرموقة، وكرمته مصر على مستوى رئاسة الجمهورية بوسام الدولة من الدرجة الأولى عام 1979، ونال هذا التكريم بعد وفاته في 14 فبراير (شباط) عام 1976، كما كرمته محافظة الغربية بإطلاق اسمه على أكبر شوارع مدينة طنطا.

3- محمد الكحلاوي.. مدّاح الرسول فقط

ولد محمد مرسي عبد اللطيف الشهير بمحمد الكحلاوي يوم 1 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1912، في مدينة منيا القمح التابعة لمحافظة الشرقية في مصر، وقد ماتت أمه أثناء ولادته وتبعها والده بعد فترة قصيرة، فتولى خاله محمد مجاهد الكحلاوي مهمة تربيته في حي باب الشعرية بوسط مدينة القاهرة، وكان خاله مغنيًا في الكورال المرافق للمغني الشهير في النصف الأول من القرن العشرين الشيخ سلامة حجازي، فتعلم محمد من خاله أصول الغناء والأداء الفني، وأخذ منه لقبه الذي عرفه به الناس فيما بعد.

كانت البداية الفنية للكحلاوي عندما التحق في صغره بفرقة عكاشة التي اشتهرت بتقديم الأعمال الفنية المختلفة، ولكن كان ضمن الكومبارس الخاص بالفرقة وليس عضوًا أساسيًّا بها، وساعدته الأحداث غير المتوقعة على أن يبرز في المقدمة، فأثناء إحدى الحفلات تأخر مطرب الفرقة زكي عكاشة؛ فطلب منظم الحفل من الكحلاوي الصعود على المسرح والغناء بهدف التغلَّب على ملل الجمهور حتى يصل زكي، وكانت المفاجأة عندما تجاوب الحضور معه بشكلٍ أدهش منظم الحفل وصاحب الفرقة، فقرر الكحلاوي ترك وظيفته في هيئة السكة الحديد، والالتحاق رسميًّا بفرقة عكاشة.

سافر محمد الكحلاوي بعد ذلك مع فرقة عكاشة في رحلة فنية إلى بلاد الشام، وقدم هناك عروضًا غنائية ناجحة مع الفرقة استمرت شهرين، عادت بعدها الفرقة دونه، فقد ظل هناك يجوب بلاد الشام لتعلم أصول الغناء العربي الأصيل، واتقان اللهجة البدوية، وغناء مواويلها فترة استمرت ثماني سنوات، عاد في نهايتها إلى مصر ومعه 38 ألف جنيه، وكان هذا المبلغ يعد ثروة معتبرة آنذاك.

أسس الكحلاوي بعد عودته شركة إنتاج فني باسم «أفلام القبيلة» التي قدمت 40 فيلمًا، مثلت البداية الرسمية للأفلام المصرية الخالصة، فقبلها كانت أغلب الأفلام تعتمد على النصوص الأجنبية، ومن أشهر الأفلام التي قدمتها: أحكام العرب، وأسير العيون، وبنت البادية، وشارك الكحلاوي في هذه الأفلام بالتمثيل والغناء.

أتت اللحظة الفارقة في حياة محمد الكحلاوي عندما شاهد الرسول مُحمَّد في رؤيا غيرت حياته، ودفعته إلى ترك السكن في عمارته الأنيقة بحي الزمالك، وتأسيس مسجد وسط منطقة الإمام الشافعي ليبني فوقه استراحة يسكنها مع عائلته.

تغيَّر مسار حياة المغني الشهير بعد ذلك، فأقسم ألا يغني لأحد سوى الرسول، وألا يمدح شخصًا سواه، وبالفعل غنى الكثير من أغاني المديح النبوي حتى وفاته في 5 أكتوبر عام 1982.

4- أحمد التوني.. ساقي الأرواح

خضر العمايم وأنا نايم ندهوني.. وأهل الكرم في الحرم ناديتهم جوني.

لم يملّ المنشد الديني الراحل الشيخ أحمد التوني حتى وفاته من غناء البيت السابق في حفلاته، وربما سرّ ذلك هو ارتباطه ببداياته، فيحكي التوني عن ذلك قائلًا إنه عندما جاء من صعيد مصر إلى مسجد السيدة زينب وأراد أن ينشد ما يحفظ أمام المسجد، خرج له أحد المسئولين وقال له: «يا ولد، أنت مين يا ولد؟!» فدخل إلى المقام وظل يبكي، ثم خرج بعدما وجد الجواب فأنشد: «خضر العمايم وأنا نايم ندهوني».

ولد التوني عام 1912، في قرية الحواتكة إحدى قرى مركز منفلوط التابع لمدينة أسيوط، ونشأ المنشد الديني الشهير في صغره بين الأضرحة المنتشرة في هذه القرية، فتفتحت عيناه على حب آل البيت ومدحهم، وكان المديح بالنسبة لأطفال القرية الطرب الأصيل الذي يعشقونه وينتظرونه في المناسبات الدينية والاجتماعية المختلفة.

استغل أحمد التوني طفولته في حفظ ما تيسر من القرآن الكريم، واتجه إلى دراسة المقامات الموسيقية فأتقن قواعد الإنشاد والابتهال، وقرر منذ الصغر أن يستكمل حياته في هذا الاتجاه، فبدأ الإنشاد في سن مبكرة بمعاونة أحد منشدي القرية في الليالي التي يحيها، وساعده على تعلم الإنشاد تعدد الموالد التي تقام في قريته، ويأتي إليها الزوار من كل الأنحاء مثل مولد الشيخ التهامي حسانين، ومولد الشيخ أبي الحسن المحمدي، والشيخ عبد رب النبي، والشيخ الحلوي.

ارتبط التوني بالمنشدين الكبار الذين كانوا يأتون إلى قريته ليحيوا ليالي الذكر والأفراح، فكان يتبعهم رغم رغبة بعضهم في إبعاده، إلا أنه كان يقترب منهم قائلًا لهم: «أنا أحبكم وعاوز أقعد جنبكم»، وانعكس عليه ذلك في التقاطه من كل شيخ مهارة معينة، فعلَّم نفسه بالملاحظة والممارسة.

ومما عُرف عنه طريقته الفريدة في ضبط الإيقاع من خلال النقر بمسبحة على كأسٍ زجاجيّ، وقد تعلمها من أحد المنشدين الكبار الذين كانوا يغنون في قريته، ويشرح ذلك بقوله: «لم يكن يصاحب المنشد طبلة أو رق، بل كان يغني وبصحبته اثنان يرددان خلفه، وذات يوم شاهدت شيخًا من الوجه البحري يُنشد ويستخدم المسبحة وينقر بها على الكوباية، وهو الشيخ أحمد حسونة وكان ضريرًا، فأخذتها عنه ثم تطور الأمر فيما بعد، من خلال استخدام بعض الآلات الإيقاعية التي تعطي نشوة أكبر أثناء الإنشاد».

يركِّز الشيخ أحمد التوني في إنشاده على الكلمات، وليس على اللحن، فتظهر الألحان كأنها مجرد خلفية مرافقة، ويكون إنشاده قائمًا بشكل أساسي على الارتجال مما يحفظه لكبار شعراء الصوفية مثل: ابن الفارض، والحلاج، وترافقه فرقته المؤلفة من تخت شرقي بسيط يتضمن ثلاث آلات هي: الرق، والناي، والكمان، يتبعون فيض الشيخ، فهو يؤكد ذلك قائلًا: «لا أتبع الفرقة التي تعزف خلفي، هم يتبعونني»، ويتعمد عدم إقامة البروفات قبل الإنشاد، إنما يترك الأمر لما يفيض به الله عليه.

أحيا التوني الكثير من الحفلات في الدول الأجنبية، ومن أشهرها مشاركته في مهرجان فريبورغ الدولي للموسيقى الروحية في سويسرا عام 2008، من خلال حفلٍ أحياه في إحدى الكنائس هناك، وأثار أداؤه إعجاب الجمهور لدرجة أن سيدة فرنسية جاءت خصيصًا لسماعه صرحت بانطباعها بعد الحفل قائلة: «عندما ‏أقارن بين دعوة الشيخ التوني إلى التواصل والتلاقي والتعارف بين ‏الحضارات، وما تردده وسائل إعلامنا كل يوم من أخبار الحروب والقتل أصاب بصدمة؛ لأن الشيخ المطرب لما أنشد داعيًا إلى ‏التآخي الإنساني والتعايش، رأيت الجمهور يتفاعل، وكان التأثر الشديد باديًا ‏على الوجوه»، وقد علق الشيخ التوني على انطباعها قائلًا: «الإنشاد يخلق ‏حالة متطابقة من الانفعال والتأثر النفسي لدى الجميع، كل يعبر عنه بلغته ‏وبأسلوبه، وبحسب ما منحه الله من إيمان ويقين».

مما يميز الشيخ التوني عن معاصريه من المنشدين الدينيين، تحمسه للتجديد والدخول في تجارب غير مؤلفة مع الموسيقى العالمية، فلا يمكن تجاهل ذلك الفيديو الشهير الذي يقدم فيه إحدى أغنياته الصوفية على إيقاع موسيقى الفلامنكو الإسبانية، وتؤدي فيه فتاة رقصات صوفية تجمع بين المولوية ورقص الحضرة الذي تشتهر به الموالد المصرية.

صُدم جمهور التوني العريض في أنحاء العالم بخبر رحيله يوم الاثنين الموافق 17 مارس (آذار) عام 2013، وقد شيَّع جثته الآلاف من أبناء قرية الحواتكة ومعهم الكثيرون من عشاقه، بعدما وافته المنية عن عمر تجاوز المائة عام انتشت فيها أرواح مستمعيه بالكثير من كؤوسه الروحانية.

5- أحمد برين.. شيخ المداحين

في مجتمعٍ يُقدر قيمة المداحين ويفتخر بهم ولد الشيخ أحمد برين عام 1939، في قرية «الدير» قرب مدينة إسنا التابعة لمحافظة الأقصر، وسُميت القرية بهذا الاسم لوجود دير للرهبان الأقباط فيها، وقد أثر وجود هذا الدير في مسيرة الشيخ برين كما سنتعرض لها، فقد حفظ أناشيد قبطية، وشارك في بعض المناسبات الدينية المسيحية.

تعلَّم برين الإنشاد الديني في سن الثانية عشر من الشيخ سليمان حسين الذي كان مشهورًا بمدائحه في الصعيد، والتحق بعد ذلك بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر، وقد كُفّ بصره نتيجة إصابة غير معلومة سنة وقعوها، لكنها جعلته يرتبط في أذهان محبيه بصورة الشيخ الكفيف أسمر الوجه، الذي يحمل الدُّف ويطربهم بصوته الشجي.

أضاف الشيخ أحمد برين بعدًا خاصًا للمديح النبوي، فكان يمزجه بالحديث عن الدنيا ومواعظ الحياة، بالإضافة إلى قصص الأنبياء والدروس المستفادة منها، وأيضًا ما كان يحفظه عن ظهر قلب من السير الشعبية، ونتيجة قرابته بالمنشد محمد العجوز فقد غنيا سويًا العديد من المدائح من أشهرها مديح السفينة.

لم يكن ذلك الأمر الوحيد الذي ميز برين عن غيره من المداحين، فقد عُرف بكونه أحد المدعوين الثابتين لإحياء مولد السيدة العذراء بقرية درنكة في محافظة أسيوط، كما كان الأقباط يلجؤون إليه لإحياء الكثير من لياليهم، وربما السر في ذلك هو وجود تشابه بين ألحان برين والألحان الكنسية، فأداؤه بصحبة بطانته يشبه إلى حد كبير التصاعد النغمي للكورس الكنسي في تراث الغناء القبطي المسيحي.

رحل الشيخ أحمد برين عن عالمنا يوم 1 يوليو (تموز) عام 2015، لكن غُناه لا زال يتردد حتى اليوم في آذان عشاقه ومحبيه، ونستمع منه إلى: