يُعد مجلس التعاون الخليجي من أهم التكتلات الاقتصادية العالمية؛ إذ يبلغ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة لدول الخليج عام 2017، نحو 1.479 تريليون دولار. ويشكل الاقتصاد الخليجي 1.85% من الاقتصاد العالمي في الفترة نفسها.

وشهد الاقتصاد الخليجي العديد من الأحداث الاقتصادية خلال العقد الماضي كما تأثر بالأحداث العالمية المرتبطة باقتصاد دول مجلس التعاون، وأبرز مثال على ذلك هو الحرب التجارية بين واشنطن وبكين. وتأثرت دول الخليج – بشكل خاص – بتراجع أسعار النفط بسبب اعتمادها الكبير على البترول باعتباره مصدرًا أساسيًا للدخل. ومن هنا تأتي أهمية تنويع مصادر الدخل كي تتجنب الآثار السلبية المترتبة على انخفاض أسعار النفط لأسباب خارجة عن إرادة دول الخليج.

وانطلاقًا مما سبق يسلط هذا التقرير الضوء على أهم الأحداث الاقتصادية الهيكلية التي أثرت على اقتصاد الدول الخليجية خلال السنوات العشر الماضية.

1- تداعيات الأزمة المالية العالمية على الدول الخليجية

ظهرت بوادر الأزمة المالية العالمية بالولايات المتحدة في أغسطس (آب) 2007، عندما لجأت المصارف العاملة في قطاع العقارات إلى الإقراض مرتفع المخاطر، والذي يقوم على منح المقترضين قروضًا بدون ضمانات كافية، وبمخاطر كبيرة مقابل سعر فائدة مرتفع، لكن سرعان ما أدى تزايد الإقبال على شراء العقارات إلى ارتفاع أسعارها بشكل حاد؛ الأمر الذي ترتب عليه تراجع الطلب والأسعار من جديد، ولهذا ارتفع عدد العاجزين عن سداد قروضهم العقارية.

Embed from Getty Images

ولم تقتصر آثار الأزمة على الولايات المتحدة فحسب، بل امتدت لتشمل الدول الأوروبية والآسيوية والخليجية، فضلًا عن الدول النامية التي يرتبط اقتصادها مباشرة بالاقتصاد الأمريكي، وهكذا تأثرت الدول الخليجية بتراجع حركة التجارة الناتجة عن الازمة المالية العالمية؛ إذ انخفض متوسط معدل نمو الناتج المحلي خلال الفترة من 2006 إلى 2008 من 5.3% إلى 5.1% في 2009. وتراجع إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي من 1133 مليون دولار في 2008 إلى 416 مليون دولار في 2009.

وعقب إندلاع الأزمة المالية العالمية تعرضت دبي عام 2009 لأزمة مماثلة تتمثل في إعلان حكومتها تأجيل سداد شركة «دبي العالمية»، ومن ثم انهار سوق دبي العقاري؛ وهو ما أدى إلى توقف الشركات الكبرى المملوكة للدولة عن سداد ديون مستحقة عليها بمليارات الدولارات، ودفعت الأزمة المالية كذلك الشركات والمصارف الإماراتية للاستغناء عن عشرات الآلاف من الموظفين الذين تعثروا في سداد الديون المستحقة عليهم للبنوك والسيارات والعقارات، وبلغت ذروة الأزمة في تعثر حكومة دبي عن سداد ديون مستحقة عليها بحوالي 90 مليار دولار بنهاية 2009.

2- أزمة انخفاض أسعار النفط

فقدت أسعار النفط حوالي ثلثي قيمتها بين عامي 2014 و2016، ففي فبراير (شباط) 2014، بلغت أسعار خام برنت حوالي 110 دولار للبرميل الواحد، ثم وصل إلى 30 دولارًا للبرميل بحلول عام 2016، بينما تتداول الآن حول مستوى 60 دولارًا للبرميل.

وتتمثل أهم الأسباب التي ساهمت في حدوث تلك الأزمة في ارتفاع إنتاج النفط في الولايات المتحدة من 10 مليون  إلى 14 مليون برميل يوميًا، بين عامي 2012 و2015. وتمكنت العراق من زيادة إنتاجها خلال 2015 من 3.3 مليون برميل إلى 4.3 مليون برميل يوميًا، وعلاوة على ذلك، ارتفع إنتاج البرازيل من 2.6 إلى 3 مليون برميل يوميًا بين عامي 2013 و2015.

وتعتبر الدول الخليجية من أكثر الدول المتأثرة من تراجع أسعار النفط، إذ كشف تقرير صادر عن البنك الدولي حول آخر المستجدات الاقتصادية بمنطقة الخليج تراجع معدل النمو الاقتصادي في المنطقة بدرجة ملحوظة العام الحالي بسبب ضعف أسعار النفط وتزايد العرض العالمي منه، وتشير أحدث تقديرات للبنك الدولي إلى تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الكلي لدول الخليج إلى 0.8% هذا العام مقارنة مع 2% في العام الماضي.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
ماذا لو أجرينا «تحدي الـ10 سنوات» على العالم؟

وعلاوة على ما سبق توقعت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني ضعف الأوضاع المالية في دول مجلس التعاون الخليجي خلال العام المقبل بسبب تراجع أسعار النفط بما سيواصل الضغط على الميزانيات العامة وميزان المدفوعات، مشيرة إلى احتمالية أن تسجل ميزانيات الخليج عجزًا بما يتراوح من 1% إلى 2% بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2019.

3- أزمة قطر والرباعي العربي

أعلنت كلٌ من السعودية، ومصر، والإمارات، والبحرين، في الخامس من يونيو (حزيران) 2017 مقاطعة قطر فيما يعرف باسم «أزمة الرباعي العربي»، بسبب دعمها للجماعات الإرهابية المسلحة بالأموال والأسلحة وسعيها لزعزعة الاستقرار في تلك الدول بحسب زعمهم، فضلًا عن التدخل في شؤونها الداخلية والاستمرار في التصعيد والتحريض الإعلامي بما يُعد انتهاكًا لمبادئ حسن الجوار، ولكل الاتفاقيات والمواثيق الدولية.

وكثيرًا ما قامت الدوحة بنفي هذه الاتهامات، ولكن الدول العربية الأربعة حددت 13 هدفًا لإنهاء تلك المقاطعة، من أهمها خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وعدم إقامة أى نشاط تجارى معها، وإغلاق القاعدة العسكرية التركية على أراضيها وإلغاء التعاون العسكرى معها، بالإضافة إلى إغلاق قناة «الجزيرة» المتهمة بإثارة الاضطرابات في المنطقة، والامتناع عن التدخل فى الشئون الداخلية والخارجية للدول الأربع، والتوقف عن دعم أو تمويل الجمعيات والمنظمات التي تصنفها الدول الأربع والولايات المتحدة إرهابية.

ولا يقتصر أثر المقاطعة – التي أوشكت على إنهاء عامها الثالث – على التبعات السياسية فقط، ولكنها أثرت بشكل بالغ على الاقتصاد القطري؛ إذ أدت إلى انخفاض مستويات السيولة المصرفية بسبب تخارج رؤوس الأموال من السوق القطري بعد تراجع ثقة المستثمرين، وخاصة الخليجيين؛ مما أدى إلى لجوء الدوحة إلى الاقتراض من الأسواق العالمية عن طريق إصدار سندات طويلة الأجل بقيمة 24 مليار دولار خلال عامي 2018 و2019؛ الأمر الذي ترتب عليه ارتفاع معدلات الدين المحلي والخارجي.

ونتيجة لما سبق ارتفع الدين الخارجي لقطر بنسبة 37% من 114.24 مليار ريال (31.7 مليار دولار) في 2017 إلى 156.4 مليار ريال (43.5 مليار دولار) بنهاية 2018، وبلغت قيمة السندات المحلية 70.3 مليار ريال (19.3 مليار دولار) بنهاية مايو (أيار) الماضي، إذ ارتفعت بنسبة 45.5% خلال النصف الأول هذا العام مقارنة بالفترة نفسها العام الماضي.

وساهمت هذه الأزمة في تعطيل حركة الواردات والرحلات الجوية بين قطر ودول الرباعي العربي على الفور، وفي يونيو 2017 انخفضت واردات قطر بنسبة 40% على أساس سنوي.

Embed from Getty Images

وتحركت قطر لإنشاء روابط شحن جديدة للتعويض عن فقدان القدرة على الوصول إلى موانئ دول الرباعي العربي لكي تواجه التداعيات المرتبطة بالمقاطعة الخليجية، كما زادت من حجم الواردات عبر تركيا، وإيران، وسلطنة عمان، وكذلك أبرمت عدة اتفاقيات مع خطوط الشحن في الأسواق الآسيوية الرئيسية، بما في ذلك الصين، والهند، وكوريا الجنوبية، لإقامة طرق جديدة بين الدوحة والموانئ الآسيوية الرئيسة.

4- الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم

تعتبر الحرب التجارية التي دامت على مدار 18 شهرًا بين الصين والولايات المتحدة من أبرز الأحداث الاقتصادية التي شهدها العالم في السنوات القليلة الماضية؛ إذ إنها لا تؤثر على اقتصاد هاتين الدولتين بحسب، بل تمتد آثارها لتشمل جميع أنحاء العالم وخاصة دول الخليج.

وتؤدي التوترات التجارية إلى انخفاض الطلب على النفط، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع الأسعار مما قد يدفع الدول الخليجية المصدرة للنفط إلى خفض الإنتاج؛ إذ تستحوذ دول الخليج على نحو 40% من واردات الصين النفطية؛ ما يعني أن انخفاض النشاط الصناعي في الصين نتيجة الحرب التجارية سيقلص من طلبها على النفط من الشرق الأوسط والخليج العربي.

ويرجح صندوق النقد الدولي أن استمرار الحرب التجارية وفرض الرسوم الجمركية سيؤثر على جميع الأسواق العالمية بموجب ارتفاع معدلات التضخم؛ مما يؤثر على أسعار الفائدة، وانخفاض النمو للاقتصادات المرتبطة، كما خفض توقعاته بشأن الفوائض المالية للبلدان الخليجية هذا العام مجتمعة من 275 مليار دولار إلى نحو 100 مليار دولار.

5- اكتتاب «أرامكو»

قامت شركة «أرامكو» الوطنية للنفط والغاز الطبيعي بطرح 3 مليار سهم – 1.5% من أسهمها – للاكتتاب العام خلال الفترة من 17 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 4 ديسمبر (كانون الأول) 2019، وخصصت الشركة مليار سهم للأفراد، وملياري سهم للمؤسسات، وبلغت عائدات الطرح 96 مليار ريال (25.6 مليار دولار)؛ ما يجعله الطرح الأكبر في العالم.

وبدأ تداول الأسهم شركة في 11 ديسمبر، وبلغت قيمتها السوقية 1.88 تريليون دولار بنهاية أول أيام تداولها، وسيستفيد الاقتصاد السعودي من الأموال التي جمعها الاكتتاب العام؛ إذ سيتم ضخها في الاستثمارات المحلية والدولية؛ مما سيساهم في تحقيق الهدف الرئيس من الرؤية السعودية 2030، وهو تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط.

ومما سبق يُمكننا القول بأن الدول الخليجية ليست بمعزل عن باقي دول العالم، إذ تتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بالأحداث الاقتصادية العالمية التي يُمكن أن تعصف بنموها الاقتصادي، ولهذا يجب على دول مجلس التعاون اتخاذ المزيد من التدابير لتفادي آثار هذه الأزمات.

العالم والاقتصاد

منذ 10 شهور
خطوة للخلف.. هل تعاملت الحكومة مع موازنة السعودية 2020 بواقعية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد