مع حلول يوم السادس من أغسطس للشهر الجاري، يفتتح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي،أول مشروعاته القومية المعروفة إعلاميًّا ورسميًّا “بقناة السويس الجديدة” وسط احتفالات وُصِفت بأنها »أسطورية«، تتولَّى الإعداد لها شركة عالمية .

هذا المشروع الذي يعتقد الكثيرون أنه سيحافظ على نظام “السيسي” السلطوي وسيعمل على بقائه وتجدده على المدى القصير،  يسوقه لنا المسؤولون يومًا بعد يوم بمجموعة من الأرقام القياسية تذكره ضمن مصاف المشاريع العالمية التي سينطلق مع افتتاحها أبواق السفن في الموانئ حول العالم احتفالا بهذا الإنجاز التاريخي .

في السطور التالية نحاول وضع أيدينا على مجموعة من الحقائق عن مشروع “قناة السويس الجديدة” والتي اختُصر فيها العمل من 3 سنوات إلى سنة واحدة بتوجيه من “السيسي”، وعلاقتها بقيمة العائد الإضافي الناتج عن حفرها، والمخطط العام لتنمية محور إقليم قناة السويس، و”قناة السويس الثالثة” التي أعلن مهاب مميش، رئيس الهيئة العامة للقناة عن تدشينها مؤخرًا، و كذللك حركة التجارة العالمية.

(1) تفريعة جديدة للقناة

 

رغم الترويج الشعبي والرسمي للمشروع “بقناة السويس الجديدة”، وتسويق وسائل الإعلام الرسمي لها باعتبارها قناة موازية للقناة الحالية، إلان أن التوصيف العلمي للمشروع الحالي هو إنشاء تفريعة جديدة للقناة من الدفراسوار إلى البلاح بطول 34 كم، وتعميق وتوسيع المجرى الملاحي في الدفراسوار والبلاح وبحيرة التمساح والبحيرات المرة بطول 72 كم تشمل توسيع الممرات الحالية فى البحيرات المرة، لتقليص الفترة الزمنية لانتظار القوافل القادمة من بورسعيد إلى السويس وليس العكس .

(2) العائد المادي للمشروع

 

يوضح خطاب العرض المقدم من الفريق مميش أن حفر القناة الجديدة سيرفع عوائد القناة إلى 13 مليار دولار سنويًا، عن طريق زيادة القدرة الاستيعابيّة للقناة لتصل إلى 97 سفينة قياسيّة عام 2023، بدلًا من 49 سفينة عام 2014، كما أشار عدد من التقارير إلى توقعات بارتفاع عوائد القناة وفقًا لمخططي المشروع من التفريعة من متوسط ٥ مليار دولار حاليا إلى ١٣ مليار بحلول سنة 2023.

لكن هذه العوائد المادية المذكورة في بعض التقارير لن تتحقق على المدى القصير، فالسعة المرورية للقناة تستوعب مرور 78 سفينة يوميا، ووصل عدد السفن التي مرت في عام  2014إلى46  سفينة يوميًا في المتوسط، بينما وصل الحد الأقصى لمرور السفن يوميًا في عام 2008 حيث بلغت 59 سفينة وذلك قبل الأزمة المالية العالمية، كما يستبعد مجموعة من الخبراء وصول السفن للسعة المذكورة للانخفاض التدريجي لعدد السفن المارة مع زيادة حركة التجارة المارة عبر قناة السويس، لأن الخطوط الملاحية ستوظف السفن كبيرة الحجم.

كما يرتبط انخفاض أعداد السفن في ظلّ ضعف نموّ التجارة العالميّة، والاقتصاد العالمي، خصوصًا مع اكتفاء الولايات المتحدة الأمريكية الذاتي بالبترول، وانخفاض كمية البترول القادمة من الخليج العربي وإيران واتجاهها إلى أسيا، وذلك للاحتياج المتزايد من دول الصين والهند واليابان للطاقة، وهو الأمر الذي لايأتي في مصلحة قناة السويس التي تعمل على نقل البضاعة المنقولة من آسيا لأوروبا ومن آسيا إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة .

في هذا الصدد، يوضح، يورس مول، العضو المنتدب لخط «PIL» السنغافوري في مصر، والذي يعد ضمن أكثر الخطوط جلبا للحاويات بميناء السخنة، ويأتي في المركز الرابع عشر عالميا في مجال شحن ونقل الحاويات، “إن دراسة جدوى مشروع حفر قناة موازية لقناة السويس، والتي أعدتها الحكومة المصرية مبنية على أن زيادة حركة التجارة العالمية في المستقبل سيتبعها ارتفاع فى أعداد السفن المارة عبر قناة السويس. ولكن الحقيقة أن ذلك فرض خاطئ فجميع الخطوط الملاحية العالمية تسعى لتوظيف السفن كبيرة الحجم لنقل حاوياتها، وتكون نتيجة ذلك أنها تتعاون للاشتراك بنقل شحنة واحدة كبيرة في سفينة عملاقة بدلا من تسيير عدة سفن صغيرة أو متوسطة كل على حدة”.

 

(3) الممول الرئيسي

اعتمد تمويل مشروع حفر التفريعة على شهادات استثمار اكتتب فيها المصريّون، بفئة 10، 100، و 1000 جنيه، واستهدفت هذه الشهادات توفير التمويل اللازم لتنفيذ أعمال الحفر والطرق والأنفاق بالمشروع، وكذللك العملية المرتبطة بتنمية محور إقليم قناة السويس.

وبلغ المبلغ الإجمالي من قيمة بيع هذه الشهادات، 61 مليار جنيهًا، بعد قرار الحكومة برفع معدّل العائد إليها إلى 12 في المئة تصرف كلّ ثلاثة أشهر، فيما بلغت التّكلفة الإجماليّة لعملية حفر المحور الجديد لقناة السويس 19.5 مليار جنيه. تتمثل في أعمال الحفر على الناشف بتكلفة تقديرية 4  مليار جنيه، وأعمــال التكســـيات بتكلفه تقديرية 500 مليون جنيه، وأعمال التكريك بتكلفة 15 مليار جنيه.

وحسب القرار الرائاسي بقانون رقم 119 لسنة  2014، بشأن شهادات استثمار وتنمية إقليم قناة السويس، فإن قيمة الشهادات وحصيلة عوائدها ستودع في حساب الهيئة لدى البنك المركزي المصري، ويتم الخصم على هذا الحساب في حالات الاسترداد وصرف العائد والاستحقاق.

(4) محور تنمية إقليم قناة السويس

يختلف مشروع التفريعة الجديدة عن مشروع تنمية إقليم محور قناة السويس والذي يهدف إلى تحويل الممر الملاحي إلى مركز أعمال عالمي متكامل يعتمد على خدمات النقل البحري من إصلاح سفن، وتموين بالوقود، وخدمات القطر والإنقاذ، ودهان، ونظافة السفن، وخدمات شحن وتفريغ، بالإضافة إلى مجمعات صناعية جديدة، ومجمعات للتعبئة والتغليف، ومراكز لوجيستية، وموانئ محورية على مدخلي القناة، ويرى الكثير من الخبراء أن هذا المشروع كان له الأولوية في التنفيذ بدلًا من حفر التفريعة الجديدة للقناة، لأنه سيسرّع في معدّلات نموّ الاقتصاد، ووجوده مرتبط بزيادة عدد السفن.

من بين 14 عرضًا مقدمًا من أبرز المكاتب الاستشارية العالمية للفوز بمخطط مشروع تنمية إقليم قناة السويس، وقع الاختيار على التحالف الاستشاري الذي يضم دار الهندسة المصري والسعودي، والذي يعد شريكًا محليًّا للجيش من خلال الهيئة الهندسية للقوات المُسلحة، الذي أوضحت التقارير توليه البنية التحتية للمشروع نظرا لاعتبارات الأمن القومي.

ويوضح المخطط الذي أعلنته دار الهندسة، عن قدرة المشروع على توفير مليون فرصة عمل خلال الـ15 سنة المقبلة حتى حلول عام 2030، وارتفاع عوائد محور القناة من 5.3 مليار دولار إلى100  مليار دولار سنويا “خلال 7 سنوات”، فيما تصل التكلفة الاستثمارية للمرافق لهذا المخطط إلى حوالي 15 مليار دولار لتنفيذه في هذه المنطقة.

رغم تولي هيئة قناة السويس مسؤولية طرح المشاريع المرتبطة بتنمية محور القناة، إلا أن “مميش” أعلن عن إصدار رئاسة الجمهورية قرارًا رئاسيًا باعتبار الهيئة هي الجهة المشرفة على مشروع التنمية بمنطقة القناة، وهو مايراه الخبراء تضارب مصالح من الهيئة المسؤولة عن طرح المشاريع التي ستقوم بتنفيذ بعضها، وافتقارها لبعض الكفاءات المطلوبة لهذا المشروع.

(5) قناة السويس الثالثة .. اتفاقية البنود المجهولة

هو مشروع يتضمن توقيع اتفاقية بين الحكومة المصرية وشركة ميرسيك العالمية أكبر شركة للنقل البحري التجاري في العالم، ليشمل الاتفاق حفر قناة جديدة جانبية للسفن موازية لميناء شرق بورسعيد بطول 9.5 كيلو متر، لتسهيل دخول السفن إلى ميناء شرق بورسعيد ومنع تكدس السفن المتجهة إلى قناة السويس والقادمة من البحر المتوسط.

رغم الإعلان عن هذا الاتفاق في سرية من كلا الجانبين دون الإفصاح عن البنود، والتي سعت الحكومة في وقت سابق لتغييره، وهو “ملحق 5″– والذي تم توقيعه عام 2007 – في عهد حكومة كمال الجنزوري، والذي أدخل تعديلات على عقد امتياز كان قد تم توقيعه عام 1999 بين الحكومة وشركة قناة السويس لتداول الحاويات – إحدى شركات مجموعة ميرسك – لإدارة محطة حاويات ميناء شرق بورسعيد، والمعروف بـ “شرق التفريعة” لصالح الشركة.

وتضمنت البنود التي اشتمل عليها “ملحق 5” الذي تم توقيعه في 2007 ، زيادة فترة حق الامتياز الممنوح للشركة من 35 سنة كما كان ينص العقد الأصلي، إلى 49 سنة، وإعفاء الشركة من رسوم التداول التي تدفعها للحكومة على كل حاوية يتم تداولها (المقدرة بنحو 3 دولارات)، وذلك لمدة 17 عامًا تبدأ من 2008، العام التالي لتوقيع الملحق، إعفاء الشركة كذلك من إيجار أرض المرحلة الثانية من المشروع، والمقدرة بنحو 600 ألف متر مربع، ما يوازي نصف مساحة المشروع، لمدة 17 سنة أيضًا، وهي المسألة التي رآها مسؤولون سابقون أنه اتفاق مجحف للجانب المصري .

حاولت “ساسة” التواصل مع مايكل كريستيان، مسؤول المكتب الصحفي في مجموعة ميرسك، لكنه لم يرد على رسائل البريد الإلكتروني المُرسلة عن مدى إمكانية تعديل هذه البنود مع الحكومة المصرية الحالية، والشروط التي سيتضمنها العقد الجديد بين الجانبين، وهل تم التوقيع على اتفاق جديد من عدمه.

المصادر

تحميل المزيد