فاجأ وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الفلسطينيين والمجتمع الدولي أول أمس، حين أعلن أن بلاده لم تعد ترى وجود المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية مخالفًا للقانون الدولي.

هذا القرار الأمريكي جاء ليكون اعترافًا جهريًّا بتعزيز الاستيطان الإسرائيلي في مناطق الضفة المحتلة، وتعزيز نظام الفصل العنصري في المناطق الفلسطينية، بما فيها القدس المحتلة. بل إنه يعد القرار الأخطر بين سلسلة القرارات التي اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي من بينها الاعتراف بضم القدس، والاعتراف بضم الجولان، وغيرها من القرارت الأمريكية.

القرار الأمريكي الأخير لم تقتصر تبعاته على إطلاق العنان للاحتلال في التمادي في سياساته الاستيطانية، أو فتح شهيته، بل يتضمن خمسة مكاسب أخرى حققتها إسرائيل، نستعرضها في التقرير التالي.

1. ضرب سلسلة القرارات الدولية الشرعية التاريخية

اتُّخذت على مدار سنوات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية سلسلة قرارات دولية تؤكد عدم شرعية الاستيطان، أبرزها القرار رقم (446) لسنة 1979، الذي صدر عن مجلس الأمن، وأكد أن الاستيطان ونقل السكان الإسرائيليين إلى الأراضي الفلسطينية غير شرعي.  وكذلك القرار الذي عدَّ الاستيطان جريمةَ حرب؛ إذ جرمت  المادة (8- ب) من ميثاق روما «نقل دولة الاحتلال، على نحو مباشر أو غير مباشر، أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها، من قبيل جرائم الحرب».

مستوطنة نفي يعقوب الإسرائيلية في القدس المحتلة

لذا يَعدُّ أستاذ القانون الدولي الإنساني رزق شقير، القرار الأمريكي بأن المستوطنات الإسرائيلية غير مخالفة للقانون الدولي؛ بمثابة ضربة قوية لسلسلة القرارات الدولية الشرعية التاريخية، وتجعلها في امتحان صعب أمام الدفاع عن الحقوق الفلسطينية. وبرغم أن شقير يشير إلى أن القرار لا يُشكل تقويضًا  للقرار الدولي، فإن خطورته تكمن في أنه يُعبر عن نهج سياسي أمريكي جديد، يُمثل انقلابًا على المنظومة القانونية التي تحكم العلاقات الدولية، وكذلك ينافي قرارات دولية كانت الإدارة الأمريكية سابقًا جزءًا منها.

ويتابع شقير القول لـ«ساسة بوست» بأن: «الانقضاض على هذه المنظومة القانونية، التي تحكم المجتمع الدولي، يعود بعلاقات المجتمع الدولي إلى عهد العصور الوسطى، وقد دفعت أوروبا ودول عديدة ثمن هذه الفوضى القانونية،  وكذلك يُحدث إرباكًا في العلاقات الدولية، خاصة أن تطبيق القانون الدولي ضعيف جدًّا في منطقة الشرق الأوسط».

فيما يؤكد منسق اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان، صلاح  الخواجا، أن القرار الأمريكي يضع القرارات الدولية في مأزق كبير، خاصة قرار مجلس الأمن رقم (2334) الذي طالب إسرائيل قبل عامين بأن توقف فورًا، وعلى نحو كامل، جميع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. ويعقب الخواجا بالقول: «ترامب في مواجهته لكل هذه القوانين يُذكرنا بما حدث في الحرب العالمية الثانية، حين أدارت النازية ظهرها للمؤسسات الدولية، فاليوم ترامب ونتنياهو يقودا النازيين الجدد في العالم لفرض معادلات، ومواثيق، وقوانين، وأعراف دولية، تعزز طموح الحركة وأهدافها الصهيونية، ليس في فلسطين  وحدها، بل في المنطقة العربية والإقليم».

«هآرتس»: بهذه الحيلة تستولي إسرائيل على الأراضي الفلسطينية لبناء المستوطنات

2. تفريغ الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية

بعد ساعات من صدور القرار الأمريكي آنف الذكر، سارعت قوات الاحتلال الإسرائيلي بهدم ثلاثة منازل في القدس المحتلة، ومخيم العروب (يقع شمال مدينة الخليل)، بدعوى البناء دون ترخيص، وبالرغم من أن أمر هدم المنازل الفلسطينية متواصل، فإن ما يميز  الهدم السابق أنه، ولأول مرة، تحدث فيه عملية الهدم دون إبلاغ المحامي، كما يقول لنا مدير مركز أبحاث الأراضي في الضفة الغربية، جمال العملة.

جندي إسرائيلي يسير في شارع فارغ يفصل مستوطنة إسرائيلية وحيًّا فلسطينيًّا داخل مدينة الخليل

ويبين العملة أن قرار الهدم، الذي وصفه بأنه «انتهاك صارخ»، يدل على الاستقواء الإسرائيلي بالقرار الأمريكي الأخير، والدعم المطلق الذي يُقدمه ترامب. بدليل آخر أن نتنياهو عجل بالحديث عن ضم منطقة الأغوار التي تُشكل 28% من الضفة الفلسطينية. ويوضح العملة أن القرارات الأمريكية تُشرعن الاحتلال، خاصة في المناطق المصنفة (ج) التي تقع تحت سيطرة إسرائيلية كاملة في الضفة الغربية، والتي تُشكل 64%من مساحة الضفة الغربية.

ويوضح خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «تلك الأراضي المستخدم منها لصالح الاستيطان، والسوق الاستيطانية، والخدمات العامة للمستوطنين، والارتداد عن الشوارع الالتفافية وغيرها؛ تشكل حوالي 38% من مساحة الضفة الغربية؛ أي ما يُقارب النصف، إذ لا يتبقى إلا 26% فقط، تعد أراضي مختلفًا عليها بين الإسرائيليين والفلسطينيين».

ويتابع القول: «أصبحت مناطق (ج) بالكامل مرتعًا للاستيطان، ومن تداعيات القرار أننا لن نعثر على فلسطينيين في تلك المناطق خلال السنوات القليلة القادمة؛ فهم سيبقون في المناطق المغلقة التي نعرفها،  مما يُشير إلى أنه لا يُمكن قيام دولتين؛ لأن دولة فلسطينية من الكانتونات (مناطق متفرقة إدرايًّا وذات مساحات صغيرة) هي حالة جنونية لا يُمكن أن تسمى دولة، ولا حتى سلطة، فقط يُمكن أن نطلق عليها بلديات».

ويبين رزق شقير أن هناك حوالي 35% من مساحة الضفة الغربية في يد الفلسطينيين ضمن كانتونات منعزلة، هي مناطق (أ) التي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة، ومناطق (ب) التي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة، فيما يقع 38% تحت سيطرة المستوطنات، والـ26% حاليًا لا يسمح الاحتلال لأي فلسطيني فيها ببناء جدار، أو شق شارع زراعي، أو البناء، أو أي تشييد».

وتذكر المصادر الإسرائيلية أن هناك 430 ألف مستوطن في الضفة الغربية و200 ألف في القدس الشرقية،  يعيشون في 132 مستوطنة، و121 موقعًا استيطانيًّا غير رسمي، بين حوالي 3 مليون فلسطيني في جميع أنحاء الضفة الغربية. فيما تقول الإحصائيات الفلسطينية إن عدد المواقع الاستيطانية والقواعد العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، بلغ بنهاية عام 2017 حوالي 435 موقعًا، منها 150 مستوطنة، و116 بؤرة استيطانية.

3. شطب حق تقرير المصير

يؤكد قرار مجلس الأمن رقم (242)، والذي اعتُمد بعد حرب يونيو (حزيران) 1967 على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني (الحق في إقامة دولة مستقلة وذات سيادة). وهو حق يجب أن يقوم على تلك الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد حرب يونيو 1967.

مستوطن يسير في القدس

لكن في الواقع، فإن الهدف الأساسي للمستوطنات الإسرائيلية يرتكز على الاستيلاء على تلك الأراضي، بتفتيتها ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية عبر الاستيطان؛ لتضمن إسرائيل عدم قيام دولة فلسطينية أبدًا، إذ كيف تقوم دولة لا تتوفر لها مقومات البقاء اقتصاديًّا وسياسيًّا بفعل الأمر الواقع الذي يفرضه الاستيطان.

وفيما يتعلق بأثر القرار الأمريكي بعدِّ المستوطنات قانونية على هذا الحق الفلسطيني، يقول صلاح الخواجا إن القرار عمليًّا: «يشطب حق تقرير المصير وحلم الشعب الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية خالية من الاستيطان، كما أنه يُعيد للرواية الإسرائيلية مكانتها التاريخية، باعتبار أن أراضي الضفة الفلسطينية أراضٍ متنازع عليها، وليست أراضيَ محتلة»، كما أن القرار ينسف كل القرارات الأممية السابقة، ويُشير إلى واقع مختلف سيُفرض لعزل مناطق الاستيطان عن الضفة الغربية، على حد تعبيره.

4. زيادة الاستيطان  الاقتصادي

برغم أن الولايات المتحدة تبنت موقفًا يعدُّ «المستوطنات غير شرعية»، فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة كانت تحمي إسرائيل من قرارات إدانة الأمم المتحدة، وفي أشد مواقفها لم تفعل أكثر من تأنيب الإسرائيليين على الاستيطان.

هذا الواقع دفع نحو نمو المستوطنات الإسرائيلية أكثر بالتزامن مع نهج الحكومة اليمينية الإسرائيلية؛ فقد شهد عام 2018 زيادة هائلة في وتيرة بناء المستوطنات وتوسيعها. ففيه جرت المصادقة على بناء حوالي 9384 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنات قائمة، إضافة إلى إقامة تسع بؤر استيطانية جديدة.

وترتكز السياسية الإسرائيلية في استمرار المشروع الاستيطاني على دعم المشروعات الاقتصادية في المستوطنات، بوصفها وسيلة مهمة لتعزيز بقائها. ولذلك كان الاستيطان الاقتصادي وراء 70% من الاستيطان، ووصل حجم الصادرات من مصانع المستوطنات لأرقام مذهلة. فعلى سبيل المثال، وبحسب إحصائية قديمة صدرت في عام 2012؛ فإن «مجمع بركان الصناعي» الاستيطاني، الذي يعد أكبر تجمع صناعي استيطاني بالضفة، بلغ عدد منشآته الصناعية 77 منشأة، قدرت أرباحها بما يزيد عن 3 مليار دولار سنويًّا، فيما بلغت أرباح الصادرات الزراعية من مستعمرات غور الأردن في العام ذاته، نحو 650 مليون دولار.

وكانت حكومة نتنياهو قد تعرضت لضربة قوية عندما حكمت محكمة العدل الأوروبية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بأن  المنتجات المصنوعة في المستوطنات الإسرائيلية يجب أن توسم بمكان نشأتها، وجاء في قرار محكمة العدل الأوروبية أن «الإشارة إلى أن منشأ البضائع بأنه دولة إسرائيل، في حين أنها في حقيقة الأمر جاءت من الأراضي المحتلة، يمكن أن يضلل المستهلكين بشأن حقيقة أن إسرائيل موجودة في الأراضي المعنية بصفتها قوة محتلة، وليست كيانًا ذا سيادة».

5. إنقاذ نتنياهو من مآزق سياسية وقضائية

«أنا أعترف بأنني متأثر للغاية، هذا يوم عظيم لدولة إسرائيل»، هذا ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أرض الكتلة الاستيطانية «غوش عتصيون»، الواقعة في جنوب بيت لحم.

بنيامين نتنياهو

نتنياهو الذي جال في تلك المستوطنة متنشيًا بما يعده «انتصارًا» بعد يوم واحد من القرار الأمريكي، واصل القول متفاخرًا: «نحن موجودون هنا في غوش عتصيون التي طُردنا منها إبان حرب الاستقلال، وها نحن في هذا اليوم التاريخي حيث تم تحقيق إنجاز عظيم لدولة إسرائيل، وقد عملنا على تحقيقه على مدار فترة طويلة».

وسرعان ما تأكد أن واحدة من الإشارات التي تطلق لفهم أسباب القرار الأمريكي المفاجئ، هي أن القرار جاء بغية مساعدة نتنياهو الذي ينتظره مأزق قضائي خطير، يتعلق باتهامه في قضايا فساد، وكذلك مأزق سياسي منذ الانتخابات التشريعية في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي التي لم ينبثق منها فائز واضح، إذ أدت مفاوضاته لتشكيل الحكومة إلى طريق مسدود.

ويأتي هذا القرار الأمريكي، كما يرى المراقبون، لدعم نتنياهو الذي يسعى للحفاظ على بقائه في سدة الحكم، فبحسب صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فإن: «توقيت القرار لا يخلو من شبهات تتعلق بمساعٍ أمريكية لمساندة نتنياهو، الذي يصارع للبقاء في منصبه في هذه الفترة العصيبة، ولعل بيان ديوان نتنياهو الذي نُشر مباشرةً عقب القرار الأمريكي، يشير إلى ذلك بشكل أو بآخر، إذ حاول القول إنه بدأ المشاورات من أجل استصدار هذا القرار قبل عدة أشهر».

وتشير الصحيفة إلى أن: «مقرَّبين من نتنياهو ادّعوا على الفور أن رئيس الوزراء عمل بالتنسيق مع المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية من أجل هذا القرار طوال الفترة الماضية، ولعل صيغة هذه التصريحات تُعَدّ دليلًا إضافيًّا أو ترميزًا إلى أن القرار لم يأتِ إلا لمساعدة نتنياهو على تشكيل حكومة يمينية».

بعد فوز نتنياهو للمرة الخامسة.. هذا ما قد تفعله إسرائيل في الضفة الغربية

المصادر

تحميل المزيد