كثّفت الحكومة الإسرائيليّة من تشريع قوانين خاصة تستهدف الأسرى الفلسطينيين في سجونها، وذلك ردًّا على تصاعد الحراك النضالي الفلسطيني الممثّل في رفع وتيرة العمليات الفدائية في الضفة الغربية والقدس والداخل المحتل، ليدفع الآن قرار الانتخابات البرلمانيّة المبكّرة نحو استغلال قضية الأسرى من أجل كسب الرأي العام الإسرائيلي، خصوصًا مع تفاقم عجز الحكومة الإسرائيليّة عن عقد صفقة تبادل تخلّص فيها جنودها من قبضة فصائل المقاومة في غزّة، لذلك تتّجه نحو فرض القرارات وسن القوانين التي تمس بحقوق الأسرى في سجونها، والذين وصل عددهم لنحو 6500 فلسطيني، أغلبهم من سكان الضفة الغربية.

1-قانون منع الإفراج المبكّر عن الأسرى الفلسطينيين

كان يوم العشرين من ديسمبر (كانون الأول) 2018 سيكون موعدًا سعيدًا على آل عاشور القاطنين في مدينة الخليل بالضفة الغربية، ففيه سيُفرج عن ابنهم طارق (20 عامًا) الذي مضى على اعتقاله داخل سجن عوفر الإسرائيلي نحو سبعة أشهر، حين اعتقل مصابًا من احتجاجات سلمية في المدينة.

أسرى فلسطينيين

بالفعل خرج طارق يومها من السجن، واصطحبه أهله من أمام بوابة السجن الذي تجمّع فيها عشرات المهنّئين قاصدين منزلهم، لكن حين وصل هذا الجمع للحاجز العسكري «الكونتينر» شرق بيت لحم، أوقف جنود الاحتلال السيارة على الحاجز لخمس ساعات، وكانت صدمة العائلة حين اقتيد طارق لإعادة اعتقاله وإبلاغ ذويه بالمغادرة.

لم تكتف قوّات الاحتلال بالتنغيص المعتاد السابق، بدليل أنها استجابت في 26 ديسمبر 2018 للمصادقة على قانون يمنع الإفراج المبكر عن الأسرى الفلسطينيين، فصادقت الهيئة العامة بالكنيست (البرلمان) بالقراءتين الثانية والثالثة على مشروع قانون يمنع الإفراج المبكر عن الأسرى الفلسطينيين ويمنع تخفيض ثُلث محكوميتهم، ولتصويت 27 عضوًا مقابل معارضة ستّة أعضاء على هذا القانون، فقد أصبح نافذًا.

وينال القانون من الأسرى الذين وجّه لهم الاحتلال الإسرائيلي تهمة القتل العمد والمساعدة على القتل بموجب قانون مكافحة الإرهاب خاصّتها، وهذه الفئة هي التي تصرّ الفصائل الفلسطينية على تحريرها في صفقات تبادل الأسرى مع الاحتلال، فهؤلاء يمنع تقصير عقوبتهم الآن، وكذلك يتضرر الأسرى المرضى من أصحاب الحالات المرضية المتدهورة.

وقدّم اقتراح هذا القانون عضو الكنيست من حزب «إسرائيل بيتنا» عوفر فورير مدعومًا بأعضاء متطرّفين آخرين، الذين كتبوا لتوضيح أهمية القانون: «إن موجة الإرهاب التي بدأت في سبتمبر (أيلول) 2015 وما زالت مستمرّة تتطلّب منّا تعزيز قوّة الردع لدينا فيما يتعلق بالعناصر الإرهابية».

فيما قال فورير: «عندما نرى الإرهابيين الذين يحصلون على منافع من أجل حسن السلوك، فإننا نفهم الرسالة التي نرسلها إلى إرهابيين آخرين – يرتكبون هجمات ثم سيتّم تحريرهم في صفقة تبادل السجناء، أو يتم الإفراج عنهم بعد ثلث عقوبتهم ،أيّ شخص ذكي يفهم أن السجناء الأمنيين يجب ألا يتمتعوا بهذا الحق».

«اغتصاب الفلسطينيات حلال!» ماذا تعرف عن جرائم إسرائيل الجنسية ضد الفلسطينيين؟

2-قانون قطع مخصصات الأسرى من الأموال المنقولة للسلطة

لقد تعهّدنا بوقف الرواتب، وأوفينا بوعدنا. انتهى الأمر. كل شيكل سيدفعه (الرئيس الفلسطيني) أبو مازن (للشهداء والأسرى) سيُخصم تلقائيًا من موازنة السلطة الفلسطينية

هذا ما كتبه وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان على «تويتر» احتفاءً بالتصويت على قانون اقتطاع ومصادرة أموال من عائدات الضرائب الفلسطينية مخصّصة لدفع رواتب الأسرى والشهداء.

 

فبعد ثلاثة أيام فقط من قرار واشنطن تجميد مساعدات تقدّمها للسلطة الفلسطينية في 24 من يونيو (حزيران) 2018 و إقرار قانون «تايلور فورس» الذي يستهدف أموال الأسرى، صادقت لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست في 27 من يونيو 2018 على مشروع قانون يسمح لإسرائيل باقتطاع جزء من عائدات الضرائب الفلسطينية يساوي قدر الأموال التي تدفعها السلطة الفلسطينية لأسر الشهداء والأسرى في السجون الإسرائيلية، واعتمد الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة القانون ليصبح نافذًا بشكل نهائي في 3 من يوليو (تموز) 2018، وذلك بعد جلسة نقاش حادة نتيجة رفض النواب العرب في الكنيست للقانون.

ويقضي القانون بتقديم كشف سنوي بالرواتب التي تدفعها السلطة الفلسطينية لعائلات الشهداء والأسرى ثم خصمِها من أموال المقاصة المحوّلة للسلطة بناءً على اتفاقية أوسلو، إذ يسمح بروتوكول باريس الاقتصادي (1994) بين السلطة وإسرائيل بأن تجبي دولة الاحتلال 200 مليون دولار شهريًا من عائدات ضرائب مستحقّة على بضائع تصل إلى المناطق الفلسطينية عبر الحكومة الإسرائيليّة التي تقوم بدورها بتحويل هذا المبلغ إلى الموازنة الفلسطينية، وبذلك يتمّ الآن خصم مخصصات الأسرى والشهداء من الأموال المنقولة قبل أن تصل إلى السلطة الفلسطينية.

هل تستجيب السلطة الفلسطينية لضغوط ترامب وتقطع رواتب الأسرى؟

3-قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

بينما كان الشاب الفلسطيني صالح عمر البرغوثي (29 عامًا) يسير في شارع سرده الواقع على بعد مئات الأمتار من مقر المقاطعة في رام الله، اعترضت سيارته يوم الثاني عشر من ديسمبر 2018 قوة خاصة إسرائيلية، ودون مقاومة قُيّد عاصم واعتُقل خلال دقيقة ونصف.

جندي إسرائيلي يقف على معسكر اعتقال حيث يتم سجن الأسرى الفلسطينيين

هذا الخبر الذي نزل كالصاعقة على قلب عائلة صالح اقتصرت تفاصيله يومها على ما أبلغت به العائلة عبر الارتباط الفلسطيني من أن صالح أُصيب إصابة طفيفة، وقد جرى اعتقاله برغم عدم وجود آثار للدماء في السيارة أو خارجها، وعند المساء طرق جنود الاحتلال منزل عاصم، وأخبر ضابط من جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) الذي كان ضمن المجموعة أهل عاصم حرفيًا «قتلنالك صالح» على زعم أنّه منفذ عملية «عوفرا» التي وقعت يوم التاسع من ديسمبر الحالي وأسفرت عن إصابة تسعة مستوطنين بجراح مختلفة.

الحادثة السابقة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فقوّات الاحتلال تتّبع سياسة ممنهجة في إعدام الفلسطينيين ميدانيًا بعد اعتقالهم خارج إطار القانون، لكن مسؤولي الحكومة الإسرائيلية يتّجهون نحو شرعنة تلك الجرائم قانونيًا، ولذلك تمهّد حكومة الاحتلال الطريق الآن لسنّ قانون يُتيح إعدام أسرى فلسطينيين أُدينوا بقتل إسرائيليين، وذلك بعد إعطاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الضوء الأخضر للسير باتجاه إقرار القانون، إذ مرّر مشروع القانون بالقراءة التمهيدية في الكنيست بتأييد 52 عضوًا ومعارضة 49.

وتنص مسودة القانون على «تطبيق العقوبة في جرائم إرهاب التي تتعلق بارتكاب قتل على خلفية دينية أو أيديولوجية أو قومية»، ويقضى مشروع القانون بـ«عدم الحاجة في قرارات المحاكم العسكرية في الضفة الغربية لإجماع ثلاثة من قضاة المحكمة العسكرية لفرض عقوبة الإعدام، وإنما الاكتفاء بغالبية اثنين من ثلاثة قضاة لتنفيذ حكم الإعدام، كما يمنع القانون استبدال الإعدام بعقوبة أخرى، ويسمح بتطبيق العقوبة من غير طلبها من المدعي العام العسكري، إلى جانب أنه يسمح بتطبيقها في المحاكم المدنية وليس في المحاكم العسكرية فقط».

ويمكننا الإشارة هنا إلى اعتراض بعض الإسرائيليين على هذا القانون، خشية أن «يحول الإعدام الأسرى المعدمين إلى أبطال في نظر الشعب الفلسطيني، ويتم تمجيدهم أكثر من الأسرى والقتلى الذين سقطوا برصاص الأمن الإسرائيلي من قبل»، وكذلك لخشية الأجهزة الأمنية «من قيام الفصائل الفلسطينية بمضاعفة جهودها لخطف رهائن لاستبدالهم بأسرى فلسطينيين حكم عليهم بالإعدام، إضافة إلى المخاوف من زيادة أعداد الفلسطينيين الذين يسعون لتنفيذ عمليات تكون عقوبتها الإعدام».

4-قانون منع تمويل العلاج الطبي للأسرى الفلسطينيين في السجون

قضى الأسير الفلسطيني سامي أبو دياك (36 عامًا) 16 عامًا داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي من أصل محكوميته البالغة ثلاث مؤبدات (حكم المؤبد هو حكم بالسجن مدى الحياة ويحدّده الاحتلال بـ 99 عامًا) إضافة إلى 30 عامًا أخرى، يعيش أبو دياك كافة تفاصيل المعاناة في داخل السجن، لكنّ همّه الأكبر هو معاناته من مرض سرطان الأمعاء.

مظاهرات لأُسر الأسرى الفلسطينيين

فمعاناة المرض لم تتوقف عند استئصال 80 سم من أمعائه الغليظة في العام 2015، بل هو الآن لا يستطيع الحركة، يثقل جسده الذي انخفض للنصف من حمل عدة أكياس، واحدًا لإخراج البراز وآخر للبول وثالث لما يتجمّع في الكلى، ورغم أن الإهمال الطبي الذي تعرّض له داخل السجن فاقم وضعه الصحي، إذ لا يخضع للعلاج الكيماوي إلّا على فترات متباعدة، إلّا أن مسئولي الحكومة الإسرائيلية يريدون لأبي دياك وكل الأسرى المرضى الحرمان الكلّي من العلاج بعد انتهاج سياسة عدم التعامل الجدّي مع المرضى خاصة ذوي الأمراض المزمنة.

ففي الثاني من ديسمبر 2018، صادق مجلس الوزراء الإسرائيلي بشكل أوّلي، على مشروع قانون يمنع تحويل أموال خاصة بعلاج الأسرى الفلسطينيين إلى إدارة سجون الاحتلال، ويهدف إلى وقف تقديم العلاج للذين اعتقلوا بعد إصابتهم، والأسرى الذين أصابتهم الأمراض بعد الاعتقال في السجون.

ونقل عن النائب في حزب «الليكود» المتطرف عنات باركو: «حكومة إسرائيل تقوم منذ سنين طويلة بتقديم العلاج الطبي المجاني للسجناء الأمنيين الفلسطينيين، الذين أتوا لإسرائيل لكي يقتلوا مواطنيها من الرجال والنساء والأطفال»، وتابعت باركو التي بادرت بمشروع القانون: «هذا العلاج يكلّف الخزينة الإسرائيلية مبلغ 40 مليون شيكل (11 مليون دولار) في السنة، والمرضى في إسرائيل أحوج لهذا المبلغ من الإرهابيين الفلسطينيين».

رمضان «ليس سيئًا» في السجن! هكذا يعيشه الأسرى الفلسطينيون

5-قانون حرمان ذوي أسرى حماس بغزة من زيارة أبنائهم

مشاقٌّ لا تُحتمل، تنال من ذوي الأسرى الفلسطينيين القاطنين في قطاع غزة، فهؤلاء الذين ضاعف الاحتلال الإسرائيلي من معاناتهم بحرمانهم من زيارة أبنائهم داخل السجون الإسرائيلية كانوا دومًا عُرضة لقرارات مجحفة.

فقد مُنعوا في أعقاب تسلّم «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس) السُلطة في غزة عام 2007 من زيارة أبنائهم كلّيًّا، ثم في العام 2011 قرّر السماح لهم بشكل جزئي أي بزيارة الوالدين والأزواج فقط مرة واحدة كلّ شهرين، ثم لجأ الاحتلال منذ شهر يوليو 2017، إلى منع ذوي أسرى حركة حماس المتواجدين في قطاع غزة، من الخروج لزيارة أبنائهم، في إطار الضغط على الحركة لإطلاق سراح الجنود الإسرائيليين.

ولم يكتفِ الاحتلال بما سبق، إذ يسعى التيار اليميني المتطرّف إلى حرمان ذوي أسرى حماس في القطاع من زيارة أبنائهم، لذلك صادقت اللجنة الوزارية الإسرائيليّة للتشريع في 22 أكتوبر (تشرين الثاني) 2018 على مقترح قانون يمنع الزيارات عن أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال.

وينصّ مقترح القانون الذي قدمه عضو الكنيست المتطرف أورن حازان على منع الزيارات عن أسرى من وصفهم بـ«منظمات إرهابيّة تأخذ إسرائيليين رهائن أو أسرى وتمنع عنهم زيارة ممثلين عن دولة إسرائيل أو منظمات إنسانيّة أو أبناء عائلاتهم».

ويرى المراقبون أن مُقترح القانون يهدف إلى الضغط على حركة حماس التي تأسِر جنودًا إسرائيليين منذ العدوان الأخير على غزة صيف العام 2014، ولم تجر بعد أي مفاوضات من أجل إطلاق سراحهم، خاصة أن قرار الانتخابات المبكرة يستوجب من الحكومة الإسرائيلية اليمنية تحقيق إنجازات لكسب الرأي العام الإسرائيلي لصفها، ولذلك كان قانون «منع زيارة الاسرى الفلسطينيين بسجون الاحتلال» من جملة القوانين التي تهدف للضغط على المقاومة في غزة لعقد صفقة تبادل أسرى جديدة.

انتفاضة الأسرى.. لماذا قررت السلطات الإسرائيلية قمع أسرى حركة حماس؟

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد