بعد نحو أربعة أشهرٍ من مفاوضات سد النهضة، التي استضافتها واشنطن للوصول إلى تسوية نهائية بين مصر وإثيوبيا والسودان، انهارت المفاوضات بعد انسحاب أديس أبابا في الجولة الأخيرة، عقب تلويحها بفقدان الثقة في الولايات المتحدة باعتبارها وسيطًا محايدًا يمارس الضغوط من أجل الوصول لمصالحه الخاصة على حساب أحد الأطراف، بحسبها.

وفيما تقول إثيوبيا التي ستجني ملياري دولارٍ سنويًا جراء تصدير الكهرباء المتولدة من السد، أنها لا تستهدف الإضرار بمصالح مصر، تخشى القاهرة من الأضرار المحتملة للسد، والمتمثلة في التأثير على تدفق حصتها السنوية من مياه نهر النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب، وخلال الأزمة التي امتدت تسع سنوات، بدأ الصوت المصري عاليًا بالتهديد، ثم خفت إلى الاعتراف بالهزيمة، وعلى العكس، هددت إثيوبيا بالشروع في ملء السد في يوليو (تموز) القادم دون انتظار وصول مركب المفاوضات الغارق.

التقرير التالي يوضح لك من منظور القانون الدولي خمس ثغرات قد تهدد موقف مصر بعدما بات التوصل إلى اتفاق بينها وبين إثيوبيا مستبعدًا بشكل كبير.

1- اتفاق المبادئ 2015.. من منح إثيوبيا شرعية دولية لبناء السد؟

بوصول الرئيس السيسي إلى الحكم في يوليو (تموز) عام 2014، كان مشروع «سد الألفية العظيم» المُلقب اختصارًا بـ«سد النهضة» قد وصل فعليًا إلى نقطة اللا عودة بعدما وضعت إثيوبيا حجر الأساس عام 2011، لكنّ المشروع ظل مرهونًا بتحويل مجرى النيل الأزرق الذي يُغذي 85% من مياه النيل.

شرعت إثيوبيا فعليًا في تحويل مجرى النيل الأزرق في يوليو (تموز) عام 2013، لكنها واجهت مشكلتين؛ فمصر يمكنها بسهولة التقدم بشكوى أمام مجلس الأمن الدولي، على اعتبار أن إثيوبيا تتعدى على الحقوق المائية، وهو ما يهدد الأمن والسلم الدوليين، وهو ما وضعته الشركات الممولة للمشروع في الحُسبان، فاشترطت موافقة مصر أولًا على المشروع، وهو ما مثّل للبعض وقتها ضربًا من الخيال، خاصة أنّ القاهرة هددت وقتها بالحل العسكري.

وبناءً على مُعطيات الموقف المصري، واجهت إثيوبيا في تلك الفترة أزمة تمويل؛ فبينما تكفّل رجل الأعمال السعودي محمد حسين العمودي بالمشاركة في النسبة الأكبر لتمويل المشروع الذي يتكلف ميزانيته نحو 5 مليار دولار، رفضت بقية الدول الممولة تمويل المشروع قبل موافقة بقية الدول المُتضررة، ممثلة في مصر والسودان اللتين تمتلكان حصرًا إعطاء المشروع شرعية دولية لاستمراره.

لكن ورقة الضغط التي امتلكتها مصر، سُرعان ما خسرتها بتوقيع الرئيس السيسي في مارس (آذار) عام 2015 على وثيقة «إعلان مبادئ سد النهضة»، مع نظيره السوداني ورئيس الوزراء الإثيوبي، وتتلخص الاتفاقية بسماح الدول الثلاث ببناء السدود على نهر النيل لتوليد الكهرباء، وهو ما يعني اعترافًا مصريًا سودانيًا بشرعية بناء سد النهضة، إلى جانب أنّ الاتفاق نفسه منح إثيوبيا سُلطة كاملة في بناء السد بدون ضمانات أو أية رقابة، وكانت قناعة مصر حينها أن إثيوبيا قد تعهدت بالفعل بعدم الإضرار بمصالح مصر، وكذلك كانت القناعة المصرية أن النيل ليس ملكًا حصريًا لمصر، من ثم عليها أن تدفع في عجلة المفاوضات وتبادل المصالح السلمي قبل فوات الأوان.

وعلى الجانب الآخر، لم تضمن الوثيقة لمصر أي اتفاق حول كيفية ملء السد، أو التعهد من الطرف الآخر بتقديم معلومات فنية تتعلق بأمن جسم السد وطبيعة التداعيات البيئية الناتجة عنه، وتأثيره على مجرى النهر ونوعية المياه فيه، وهو ما دفع مصدر حكومي للتصريح لموقع «مدى مصر» بأنّ العديد من الجهات الرسمية – مستشارة الرئيس لشؤون اﻷمن القومي، ومختصين سابقين في المخابرات وفي وزارات الخارجية والدفاع والري – رفعت تقارير لرئيس الجمهورية قبل توقيع الاتفاقية لحثه على رفضها، لأنه يضعف الموقف المصري.

سياسة

منذ 9 شهور
من التهديد بالحرب إلى الاعتراف بالهزيمة.. قصة فشل مصر في مفاوضات سد النهضة

2- كم ثغرة قانونية داخل اتفاق المبادئ؟

بعدما أعلنت مصر على لسان رئيسها في الأمم المتحدة فشل مفاوضات سد النهضة، نشرت الرئاسة المصرية بيانًا تطلعت فيه إلى تدخل الولايات المتحدة لحل الأزمة بعدما وصلت المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) إلى طريق مسدود، وهي الدعوة التي التقطها البيت الأبيض الذي رحب بالدخول بصفته وسيطًا محايدًا، لكنّ أديس أبابا قابلت المقترح المصري والترحيب الأمريكي بالرفض التام، مستندة لبنود «وثيقة السد» التي وقعها السيسي عام 2015.

وبالعودة إلى النص الكامل لإعلان المبادئ حول مشروع سد النهضة الموجود على موقع «الهيئة العامة للاستعلامات» التابع لرئاسة الجمهورية المصرية، فالبند العاشر للتسوية السلمية للنزاعات اشترط موافقة الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان) مجتمعين على دولة تتبنى الوساطة، وهو الشرط الذي لم يحدث في حالة الولايات المتحدة التي فرضت نفسها، رغم أنّ أديس أبابا اتهمتها مرارًا من وجهة نظرها بالانحياز للقاهرة.

لكنّ ما حدث هو أنّ واشنطن استطاعت فرض نفسها بحكم نفوذها، واستضافت في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، مفاوضات بوساطة من البنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، بين دول حوض النيل الثلاث، ثم سلمت مسودة اتفاق بشأن بناء وملء سد النهضة الإثيوبي، وهو ما عارضته إثيوبيا ومصر على السواء، بحسب تسريبات.

واللافت أن وزارة الخزانة الأمريكية ليس من ضمن اختصاصاتها الدستورية تمثيل الولايات المتحدة في أية اتفاقيات دولية، على عكس البيت الأبيض والخارجية الأمريكية، وهو ما وضع تصورًا مُسبقًا لدى إثيوبيا بأنه في حال انهارت المفاوضات أو نجحت، فلن تكون ملزمة بأي اتفاق قانوني.

ويرى مراقبون أنّ الولايات المتحدة لم تكن طرفًا في اتفاق المبادئ، على عكس دورها الواضح في المشروع، وبالتالي لا توجد صلة بين ذلك الاتفاق والمفاوضات الحالية، تسمح لها باقتراح صيغة قد يعتبرها طرف أو أكثر خروجًا على اتفاق المبادئ، وهو ما حدث بالفعل حين اتهم وزير الخارجية الإثيوبي واشنطن بالانحياز والتحرك لمصلحة طرف دون آخر، وهو المبرر الذي انسحبت منه إثيوبيا في الجولة الأخيرة من المفاوضات.

يقول الدكتور هشام جمال، أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية لـ«ساسة بوست»: «اللافت أنّ مصر أكثر الدول المتضررة من مشروع السد لم تشترط في اتفاق المبادئ وضع أية بنودٍ حول اللجوء للتحكيم الدولي، ومتى يتم اللجوء إليها في حال وصل الأطراف الثلاثة إلى طريق مسدود»، يضيف: «وبحسب معطيات الوضع الراهن، فإن الاتفاق يُصب كُليًا في صالح إثيوبيا، بينما دولة المصب – مصر – لا يمكن لها الخروج عن الاتفاق الذي وقعته.

وتجدر الإشارة إلى أنّ إثيوبيا فرضت في الاتفاقية كلمة «يحترم» بدلًا عن كلمة «مُلزم» حول تقرير المكتب الاستشاري لبناء السد، وهو ما جعل اعتراض مصر بلا قيمة قانونيًا، ومن التحفظات التي يُبديها خُبراء مصريون على هيكل السد هو عدم وجود فتحات تصريف للمياه في أسفله، والتي توضع في قيعان دول المنبع لضمان استمرار تدفق المياه إلى دول المصب، وهو ما يمنع الدولة صاحبة السد في التحكم في مرور المياه.

 وفي الشكل الحالي للسد، فإن الفتحات غير موجودة، وتدفق المياه سيكون فقط عبر توربينات توليد الكهرباء أو الطوارئ، وهو ما يعني فعليًا توقف غزارة نهر النيل عند حدود السد الإثيوبي.

3- اتفاقية عنتيبي.. هل يمكن لإثيوبيا حرمان مصر من حصتها المائية؟

تتمثل واحدة من الخلافات الرئيسية حول مسألة ملء سد النهضة، فمصر قدمت مقترح تمديد فترة ملء خزان سد النهضة أكثر من عامين بهدف الحفاظ على منسوب المياه في السد العالي على حدود 165 مترًا، مع تدفق ما لا يقل عن 40 مليارًا، وهو ما ترفضه إثيوبيا لأنه سيجعل مهمة السد الرئيسة تعويض العجز المائي لمصر، فضلًا عن الإضرار بمخططاتها لإنتاج أكبر قدر من الكهرباء، التي ستوفر حاجتها للاستهلاك المحلي والتصدير، بحسب مخططاتها.

وبحسب ما نشره موقع «مدى مصر» نقلًا عن مصادر اطلعت على مسودة اتفاق المقترح الأمريكي، فإثيوبيا ضغطت من أجل تقليص حصة مصر إلى 31 مليار متر مكعب من المياه من أصل 55.5 مليار خلال الفترات الأولى لملء السد، كما أن هذه الكمية ستكون هي الحصة السنوية الدائمة من المياه حتى بعد انتهاء الملء.

المقترح الإثيوبي يهدم اتفاقية 1959 التاريخية الموقعة بين مصر والسودان، والتي بموجبها حصلت القاهرة على 55.5 مليار متر مكعب، بينما حصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب من النيل، وتتخوف القاهرة من أنّ السد سيقضي فعليًا على حصتها المائية، خاصة أنّ الرد الإثيوبي الرسمي جاء على النحو الآتي: «اتفاقية 1959 لا تعنينا، وإعادة طرحها يعتبر خطًا أحمر، ولا يمكن أن تتفاوض أديس أبابا حولها، فلا يمكن أن نتحدث عن اتفاقيات لم نكن طرفًا فيها».

ومن جهة أخرى، فلا يمكن لإثيوبيا التوصل مع مصر لاتفاق حول تقسيم حصص مياه النيل، خاصة أنّ اتفاق المبادئ يخالف اتفاقًا دوليًّا أوسع ممثلًا في اتفاقية «عنتيبي» التي وقعتها دول المنبع في حوض النيل عام 2010، واعترضت عليه دولتا المصب مصر والسودان، وتنص في أحد بنودها على الاستخدام المنصف لجميع الدول، وهو ما فسره الجانب المصري بأنه يعني إلغاء حصته الأكبر من النيل.

وبموجب القانون الدولي، فمن الممكن أن تدخل اتفاقية عنتيبي حيز التنفيذ في حال «مصادقة ثلثي دول حوض النيل، أي سبع دول من أصل 11 دولة»؛ وبالرغم أن بوروندي وافقت على الاتفاقية، إلا أنها لم تُصدق عليها؛ مما يعني أن النصاب القانوني لن يكتمل إلا بتوقيع دولة واحدة.

دولي

منذ 9 شهور
ماذا تعرف عن دور أمريكا «الخفي» في سد النهضة؟

 4- هل يمكن لمصر التصعيد في مجلس الأمن؟

يقول الدكتور هشام جمال، أستاذ القانون الدولي لـ«ساسة بوست»: «مصر لديها خيارات محددة ومعروفة سلفًا للتعاطي مع أزمة السد، تبدأ بمباحثات، حتى إذا تعثرت يتم اللجوء لدولة وسيطة للتفاوض، وإذا فشل التفاوض يمكن اللجوء إلى الهيئات الدولية، ثم تتبقى الورقة الأخيرة ممثلة في محكمة العدل الدولية».

يضيف جمال: «وطبقًا للمادة 36 من ميثاق الأمم المتحدة، فإنه لا يجوز لأي دولة أن تلجأ إلى المحكمة الدولية للأمم المتحدة، لعرض أي نزاع ينشأ بينها وبين أي دولة أخرى، إلا بموافقة الدولة الخصم»، وهو ما يعني أن مصر لن تستطيع رفع قضية في مجلس الأمن إلا بموافقة إثيوبيا.

وعلى العكس، فإثيوبيا تتهم القاهرة بالإضرار بها، فالمقترحات التي قدمتها مصر بربط السد العالي بسد النهضة اعتبرت إثيوبيا أنها تستهدف تحويل سد النهضة إلى مجرد خزان احتياطي للسد العالي، وأنه لن يحقق العائد الاقتصادي المتوقع منه بهذا الشكل، إضافة إلى أن هذه الآلية تنتهك سيادة إثيوبيا في كيفية إدارة عمليات التدفق ومراحل ملء السد.

ومن جانب آخر، فمصر ملزمة – بحسب اتفاق المبادئ – إلى التوافق من خلال المشاورات أو التفاوض وفقًا لمبدأ حسن النوايا، أو الاتفاق مع السودان وإثيوبيا حول اختيار وسيط جديد لاستئناف التفاوض، وهي المحددات الوحيدة التي ينص عليها اتفاق المبادئ بعد خسارة مصر كل أوراق الضغط.

5- لماذا لا يمكن لمصر خوض حرب ضد إثيوبيا؟

في ظل عدم وجود مسار دبلوماسي، لا يمكن لمصر اللجوء للحل العسكري؛ لأن إثيوبيا لم تنتهك القانون الدولي، كما أنّ القاهرة لن يمكنها التقدم بشكوى رسمية إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي كما حدث عام 2010؛ لأن اتفاق المبادئ نفسه يمثل وثيقة قانونية لإثيوبيا لإلزام مصر أمام المجتمع الدولي.

وفي حال تقلصت حصة مصر المائية بفعل بدء ملء السد، أو دخول اتفاقية عنتيبي حيز التنفيذ، فلن تمتلك القاهرة أية مسارات للاعتراض سياسية أو دبلوماسية أو حتى عسكرية، والعائق الأكبر الذي يمنع مصر من توجيه ضربة عسكرية ضد السد، هي شبكة العلاقات الاقتصادية التي حصلت عليها إثيوبيا خلال المشروع، وهو ما يجعل مصر في تلك الحالة في مواجهة مباشرة مع الدول الممولة (الاتحاد الأوروبي والصين وفرنسا والولايات المتحدة) في حال أقدمت على الخيار العسكري.

وبعيدًا عن صعوبة تقديم دولة أفريقية الدعم لمصر بما يخالف قوانين الاتحاد الأفريقي، فإنّ قصف الخزان بعد ملئه ستكون له آثار كارثية على دول جوار إثيوبيا، ومن بينها السودان الذي قد يتعرض للفيضان الناجم عن انهيار السد، وقد يصل آثاره إلى مصر، لذلك من غير المتوقع أن تنحاز تلك الدول للجانب المصري.

وطبقًا لمواثيق الاتحاد الأفريقي فإنه «يحظر استخدام القوة أو التهديد بها»، كما يرفض «التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين». ما يعني أنّ مصر في حال أقدمت على شنّ هجوم على سد النهضة، فمن المتوقع أن يعلق الاتحاد عضويتها.

وبعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الأخيرة للمفاوضات في واشنطن، أعلنت عن ملء سد النهضة بشكل منفرد في شهر يوليو عام 2020 دون التوصل لاتفاق مع دولتي المصب، ومن المقرر أن ينتهي المشروع أوائل عام 2022.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد