أنهت معركة استعادة الموصل شهرها الخامس، دون استعادتها كاملة من «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، مع تحرير نحو 80% منها، وسط خسائر بشرية أكبر للقوات الحكومية، ومعاناة مستمرة للمدنيين، الذين نزح منهم عشرات الآلاف وقُتل منهم المئات!

خريطة السيطرة على الموصل بعد خمسة أشهر من بدء معركة استعادتها

في 17 أكتوبر (تشرين الثاني)، بدأت الحكومة العراقية معركة استعادة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، ذات الأغلبية السنية، والتي سيطر عليها «تنظيم الدولة» منذ يونيو (حزيران) 2014، وتعد آخر معاقل التنظيم في العراق.

وبدأت الحكومة العراقية جهودها لاستعادة المدينة، التي يقطنها نحو 1.5 مليون مدني، بمشاركة نحو 100 ألف مقاتل عراقي، من قوات الجيش العراقي المصحوب بميليشيات الحشد الشعبي الشيعية، وقوات البيشماركة الكردية، ذلك بالإضافة إلى غارات التحالف التي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وتركزت الجهود على استعادة المدينة من نحو 6 آلاف مقاتل لـ«تنظيم الدولة».

بلغة الأرقام يبدو أمر استعادة الحكومة العراقية وحلفائها الموصل من مقاتلي التنظيم سهلًا، ولكن الواقع بدا أكثر صعوبة، لتنهي المعركة شهرها الخامس، دون استعاد كاملة للمدينة من أيدي مقاتلي التنظيم.

وقد ظهر التفاؤل في تصريحات رئيس الوزراء العراقي حيدر عبادي، التي تعود إلى مقابلة أجراها مع وكالة أسوشتدبرس 29 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قال فيها: «سنحرر الموصل قبل انتهاء عام 2016» الذي انتهى فعليًّا منذ أكثر من شهرين ونصف دون تحرير كامل المدينة.

وفي 24 يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن العبادي استعادة الساحل الأيسر شرقي الموصل، والذي يمثل نحو 60% منها، قبل أن يعلن في 19 فبراير (شباط) الجاري، انطلاق المرحلة الثالثة من عملية «قادمون يا نينوى» لتحرير الساحل الأيمن غربي الموصل، والذي يمثل نحو 40% منها، ويضم حوالي 750 ألف مدني.

واستمرارًا للتطمينات التي يرسلها العبادي بين الحين والآخر،قال العبادي يوم الثلاثاء الماضي، الموافق 14 مارس (آذار) الجاري، إن معركة استعادة الموصل باتت في مراحلها الأخيرة، ودعمت تصريحات العبادي خريطة نشرتها خلية الإعلام الحربي، التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب، الأحد الماضي، تُظهر استعادة الحكومة العراقية وحلفائها 80% من أراضي الموصل، ليتبقى 20% فقط تحت سيطرة التنظيم غربي الموصل، وتحارب الحكومة لاستعادتها.

وفي خريطة محدثة حتى صباح يوم أمس، الموافق 16 مارس (آذار)، منسوبة لخلية الإعلام الحربي، ظهرت سيطرة القوات العراقية على أغلبية أجزاء الموصل، دون اختلاف ملحوظ عن تلك الخريطة التي نشرت يوم الأحد الماضي، مما يظهر أن التنظيم لم يعد يسيطر إلا على 20% فقط من المدينة، بحسب الحكومة العراقية.

حصيلة قتلى أطراف معركة الموصل

يبدو الوصول إلى إحصاءات دقيقة بشأن حصيلة قتلى أطراف الصراع خلال خمسة أشهر من المعركة ليس سهلًا، في ظل تمسك كل طرف بإحصائية خاصة به، وعدم خروج مصدر مستقل بإحصائية توثق خسائر أطراف المعركة خلال خمسة أشهر منذ انطلاقها، وأظهرت الإحصاءات التي توصلنا إليها من أطراف للصراع، وقوع خسائر بشرية أكبر للحكومة العراقية وحلفائها، من تلك التي تكبدها «تنظيم الدولة».

فمن جانبها، أصدرت وكالة أعماق التابعة لـ«تنظيم الدولة» إحصائيات شهرية عن حصيلة الخسائر البشرية والمادية للقوات العراقية وحلفائها منذ بدء معركة استعادة الموصل، ووفقًا لتلك الإحصائيات التي وثق فيها التنظيم قتلى أعدائه، حتى يوم 18 فبراير (شباط) الماضي، أي قبل يوم واحد من بدء عملية استعادة الجزء الغربي من المدينة، فقد قتل التنظيم 7030 مقاتلًا من قوات الحكومة وحلفائها.

أما عن إحصاءات الحكومة العراقية لخسائر التنظيم البشرية، فقد أفاد الناطق باسم وزارة الداخلية العراقية، سعد معن، في تصريحات صحافية له يوم الاثنين الماضي، بسقوط نحو 700 من مقاتلي التنظيم، منذ بدء معركة استعادة الجزء الغربي من الموصل، في 19 فبراير (شباط) الماضي.

وفي وقت سابق، أعلن الجنرال العراقي نجم الجابوري، قائد عمليات نينوى، في 18 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن حصيلة قتلى التنظيم منذ بدء معركة استعادة الموصل نحو 4 آلاف مقاتل، بينهم قرابة 2100 قتلوا نتيجة ضربات التحالف الدولي.

مقتل وإصابة ما لا يقل عن 2088 مدنيًّا

مع تركيز كل طرف على الخسائر البشرية للطرف الآخر، وإهمال خسائره الخاصة، فضلًا عن الضحايا المدنيين، كان من الصعب حصر حصيلة الضحايا المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم بين قطبي الرحى، وسط المعارك الدائرة في الموصل، ويصف وليد أحد النازحين الناجين من الموصل، أوضاع المدنيين داخل المعركة، قائلًا: «جهة تضرب جهة، ويقع الأمر فوق المدنيين، ولا أحد يعلم من أين يأتي القصف، فالنار تأتي من كل الجهات، والناس مجبرون على السكوت والصبر».

ومع تجاهل أطراف الصراع لإحصاء عدد محدد للضحايا المدنيين، لم تخرج الأمم المتحدة بإحصائية محددة توضح عدد الضحايا المدنيين لمعركة استعادة الموصل، خلال خمسة أشهر منذ بدئها، وخلال رحلتنا للبحث عن إحصائية للضحايا المدنيين في الموصل، تتبعنا إحصاءات شهرية تصدرها الأمم المتحدة عن الضحايا المدنيين في محافظات العراق، وركزنا بشكل أساسي على ضحايا محافظة نينوى التي تقع بها مدينة الموصل، حيث تجري المعركة.

وخلال الفترة منذ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وحتى نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي، فقد تبين سقوط 2088 ضحية من المدنيين، من «جراء أعمال الإرهاب والعنف والنزاع المسلح في نينوى»، على حد تعبير الأمم المتحدة، بينهم 928 قتيلًا، و1160 جريحًا، وبلغت الخسائر البشرية للمدنيين ذروتها في نينوى، في شهر ديسمبر (كانون الأول) الذي شهد وقوع 719 ضحيةً.

ويضاف إلى ضحايا العنف، إصابة 276 بمرض التيفوئيد في الجزء المحرر شرقي الموصل، بسبب سوء التغذية وتعفن الجثث ونقص المياه الصالحة للشرب والاستحمام وعدم تعقيمها، بحسب تقرير صدر أمس للمرصد العراقي لحقوق الإنسان، ولا يبدو الوضع أفضل بالنسبة لمدنيي غرب الموصل الذي دفعهم نقص الطعام إلى طبخ الحشائش للبقاء أحياء!

نحو 207 آلاف مدني ما يزالون نازحين من الموصل

منذ الأيام الأولى للمعركة بدأ «نزيف» نزوح المدنيين من الموصل؛ إذ شهد أسبوع المعركة الأول فقط نزوح 4 آلاف مدني من الموصل، بحسب ما أعلنت الحكومة العراقية.

وبمرور الوقت ازدادت معدلات النزوح بشكل ملحوظ، ليبلغ متوسط النزوح اليومي للمدنيين من غرب الموصل، خلال الأسبوع قبل الماضي، أربعة آلاف نازح يوميًّا، وهو أعلى معدل للنزوح منذ بدء معركة استعادة الموصل، بحسب ما أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، في تقرير لها نشرته في الرابع من مارس (آذار) الجاري.

ووفقًا لنفس التقرير فإن 191.800 عراقي نزحوا من الموصل والمناطق المحيطة بها منذ بدء معركة استعادتها، وتزداد المخاوف على ربع مليون مدني قد ينزحون من غرب الموصل، من أصل 750 ألفًا يعتقد بأنهم ما يزالون يعيشون هناك.

وتفيد تقارير صحافية، بأن عدد نازحي الموصل بلغ نحو 400 ألف نازح، بينهم 125 ألف شخص، نزحوا من غرب الموصل، بحسب ما قال وكيل وزارة الهجرة والمهجرين العراقية جاسم العطية، في الوقت الذي أفادت فيه الأمم المتحدة، الاثنين الماضي بأن عدد النازحين منذ بدء معركة الموصل وحتى الخامس من مارس (آذار) الجاري قد بلغ 270.780 شخصًا، عاد منهم 64.260 نازحًا إلى مواطنهم الأصلية، فيما ما يزال 206.520 شخصًا نازحًا من الموصل، ويعد هذا أعلى عدد للنازحين منذ بدء الأعمال القتالية، بحسب المنظمة الدولية.

وبعدما ينزح آلاف العراقيين من جحيم معركة الموصل، يذهبون في جحيم من نوع آخر يتمثل في عنصرية ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية التي تشارك الجيش العراقي في معركة استعادة الموصل، باعتبارها جزءًا منه بعدما أعلنت الحكومة العراقية رسميًّا أن «الحشد الشعبي» جزء من القوات المسلحة العراقية في فبراير (شباط) 2016، وأفادت تقارير صحافية وحقوقية بتعرض النازحين السُّنَّة من الموصل لعمليات قتل وتعذيب على يد الميليشيات الشيعية.

كما أفادت منظمة العفو الدولية بهدم الميليشيات الشيعية لـ345 منزلًا في المناطق المحررة غربي الموصل، خلال أربعة أشهر منذ بدء المعركة «دون ضرورة عسكرية»، وقالت لمى فقيه، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، إن أعمال الهدم تلك «ستمنع العائلات النازحة بسبب الحرب من العودة إلى قراها».

وما نوهت له لمى وقع بالفعل عندما منُع عشرات آلاف النازحين السُنة من المناطق التي استعادتها الحكومة العراقية من «تنظيم الدولة» في محافظات بابل وديالى وصلاح الدين، من العودة إلى ديارهم «من خلال خليط من الإجراءات الإدارية المرهقة، وأساليب الترهيب التي تتبعها الميليشيات، مثل عمليات الاختطاف، والاحتجاز التعسفي، والإعدام خارج نطاق القضاء، وتدمير المنازل» بحسب ما أعلنت منظمة العفو الدولية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد