التوحد مشكلة خفيّة، أو غير بارزة تمامًا، أنت لا تعرف دائمًا إن كان الشخص الذي تتعامل معه متوحدًا أم لا، فهو حالة منتشرة أكثر مما قد تتخيل، هناك 700 ألف شخص مصاب بالتوحد في المملكة المتحدة وحدها، وقد ارتفعت معدلات الإصابة باضطراب التوحد في العشرين سنة الماضية؛ ارتفاعًا ملحوظًا.

فبالنسبة للأطفال المولودين عام 1992 هناك حالة توحد بين كل 150 شخص، والتوحد لا يصيب الأطفال في سن الطفولة فقط، إذ إن الأطفال المصابين بالتوحد يكبرون ليصبحوا بالغين مصابين بالتوحد. والتوحد اضطراب غير معروف السبب بالتحديد، لكن هناك تأثيرات جينية. وتنتشر كثير من المعلومات المغلوطة عن التوحد، فعندما يُذكر هذا الاضطراب، يعتقد الناس أن كل الأشخاص المتوحدة متقدة الذهن، ولديها قدرات خارقة، وتحفظ الأرقام عن ظهر قلب من مجرد سماعها، مثل داستين هوفمان في فيلم رجل المطر.

لكن هناك واحد فقط من كل 200 حالة توحد، من يمتلك هذه القدرات؛ ذلك لأن التوحد أو اضطراب طيف التوحد، هو حالة واسعة المدى، تختلف أعراضها من شخص لآخر، لكن المشترك الدائم بينهم هو صعوبات التواصل، فعندما تعرف حالة شخص متوحدة، فأنت تعرف حالة واحدة، فقد تكون الحالة واضحة تمامًا مثل صعوبة التواصل اللغوي لديها، أو فعل حركات المتكررة مثل ضرب الكف بالآخر، لكن هناك أعراضًا غير ملحوظة مثل عدم القدرة على بدء حوار بسهولة.

Embed from Getty Images

طفل متوحد في إحدى مدارس بنجلاديش

والتوحد حالة جدلية، يخلط الناس العادية والمتخصصون أيضًا بينه وبين عدة حالات أخرى، وزيادة الوعي بالحالة، ينتج عنه الاتجاه المبكر نحو الدعم والمساعدة؛ لأن هناك كثيرًا من الأساطير المنتشرة عن هذا الاضطراب، وهناك 10% من المتوحدين البالغين يعانون من مشاكل نفسية شديدة نتيجة الإهمال، وقلة الدعم.

السطور التالية تتبع أشهر الأخطاء المنتشرة عن التوحد، والتي ترسم بالتبعية صورة خاطئة عن المصاب بالتوحد.

1- هناك علاقة بين التوحد واللقاح الثلاثي

بدأت أسطورة ارتباط لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية أو الـ(MMR) بالتوحد عام 1998، عندما قام طبيب بريطاني يدعى أندرو ويكفيلد بنشر دراسة غير دقيقة في مجلة «لانسيت»، يزعم فيها حدوث حالات توحد نتيجة تلقيها اللقاح الثلاثي، أثارت هذه الدراسة الملفقة لغطًا كبيرًا، مستمرًا حتى اليوم، بين الأوساط الطبية نفسها، ونتيجة لذلك انخفضت التطعيمات في أمريكا والمملكة المتحدة، بعدها صرح رئيس تحرير «لانسيت» بأن الدراسة كاذبة تمامًا وأن المجلة قد خُدعت، وشُطب الطبيب على أثر هذه الواقعة من السجل الطبي. وبرغم تأكيد الأبحاث أن اللقاح الثلاثي ليس له صلة بالتوحد، إلا أن هذه الأسطورة منتشرة وبقوة لدى حركات مقاومة اللقاحات (anti-vaccination group)، وقد نتج عنها اجتياح مرض الحصبة للأطفال التي لم تحصل على اللقاح، والتي وصلت معدلاتها لأعلى ارتفاع منذ 20 عامًا في أوروبا، بنمو هذه الحركات.

Embed from Getty Images

2- الأطفال المتوحدون لا يمكنهم تكوين صداقات

قد يعاني الطفل المتوحد من صعوبات وتأخر في القدرة على التواصل الاجتماعي، بسبب عدم قدرته على قراءة تعبيرات الوجوه، فيفسر نوايا الناس بشكل خاطيء، ويشعر البعض منهم بتهديد إذا ما تواجد في حيز مزدحم، لكن ذلك لا يعني عدم رغبة الشخص في تكوين صداقات، وفي تلقي الدعم، فالطفل المصاب بالتوحد يستطيع تكوين صداقات، لكنه لا يعرف كيف؟ هو يريد أن يكون اجتماعيًا، لكنه يُخطيء دائمًا، بمعنى أن المقدرة متاحة، لكن المشكلة في الطريقة، فأن تكون اجتماعيًا هو تمامًا مثل أن تجيد الرقص؛ قد يرى شخص صعوبة تأدية حركات الرقص السريعة المعقدة التي تتطلب التفكير السريع، لكن إبطاء الحركات، سيجعله يتعلمها خطوة خطوة، سيكون الأمر موترًا في البداية، خاصًا لو لدَى الشخص خبرات سابقة سيئة، لكن الرغبة في التواصل دائمًا ما تكون موجودة، وبمساعدة الأهل والمعلمين والمعالج النفسي يستطيع الشخص المتوحد تخطي هذا الحاجز.

Embed from Getty Images

أطفال ماليزيون خلال احتفالية اليوم العالمي للتوعية بالتوحد، 2 أبريل (نيسان) 2019

3- لا يمكن للمتوحد أن يتعلم

بين كل المعلومات المغلوطة عن التوحد، فإن أكثر فرضية خاطئة هي عدم قدرة الطفل المتوحد على التعلم، أو أنه لا بد وأن يعاني من تأخر ذهني. فعلى العكس يستطيع الطفل المتوحد التعلم، طالما كانت هناك أشخاص قادرة على توصيل العلم إليه، والغالبية العظمى من الحالات تتحسن حالتها بببرامج تأهيلية، مناسبة لكل حالة. البعض يجدون صعوبة، والآخرون تكون العملية بالنسبة لهم شديدة البطء، لكن كثيرًا من الأطفال قادرون على استخدام ذكائهم لتعويض النقص في قدراتهم.

لكن يبقى تفاعل الناس مع الشخص المتوحد، وتفهمهم له من عدمه هو العامل الأساسي، فهناك 34% من الأطفال المصابين بالتوحد يقولون إن أكثر ما يعرقلهم عن التعليم هو مضايقات الآخرين لهم، كما أن هناك 62% من الأطفال المتوحدين يضعهم آبائهم في مدارس غير مؤهلة للتعامل مع الأطفال المتوحدة من الأساس، وهناك 17% من الأطفال قد توقفوا عن الدراسة، و4% تعرضوا للفصل من المدرسة. وبرغم أن التوحد اضطراب غير قابل للعلاج، لكن التعامل الصحيح معه قادر على إحداث تغييرات في حياة الأشخاص المصابين به.

4- الطفل المتوحد يمارس العنف على الآخرين

بعض الأطفال ليس لديهم القدرة على التعبير اللغوي، فيلجأون إلى التعبير بلغة أخرى جسدية، فيسلكون سلوكًا عنيفًا، لكن هذا العنف يمارسه على نفسه، ونادرًا ما يمارسه على الآخرين. وحتى وإن حدث ذلك فإن فهم دوافعهم، يمكّن من المساعدة. فأحيانًا عندما يريدون جذب الانتباه، أو طلب المساعدة، أو حتى التخلص من موقف ما، لا يجدون طريقة غير العنف. وطبقًا لدراسة فرنسية، وجد الباحثون أن بعض الأطفال يلجأون إلى جرح أنفسهم إذا تعرضوا لمواقف موتّرة، أو يعتريهم فيها القلق، ولا يحسنون التصرف، مثل خبط  الطفل المتوحد لرأسه في الحائط؛ فهذا الطفل يلجأ إلى العدوان على نفسه، أكثر من عدوانه على الآخرين، وهذا العنف يمكن السيطرة عليه عن طريق إستراتيجيات مبسطة لتحجيم القلق، والتخلص منه.

5- التوحد يحدث بسبب الآباء السيئين

من المفاهيم المغلوطة عن التوحد، والتي ظهرت قديمًا فرضية لأحد أسبابه، تسمى نظرية الأم الباردة، وهي ورقة بحثية قدمها الطبيب النفسي ليو كانر عام 1943، كان مفادها أن سبب التوحد نقص أصيل في تلقي العاطفة الأمومية، بسبب الأمهات الباردة المُهملة، وقد دُحضت هذه الفرضية التي ضل فيها ارتباط السبب بالنتيجة، وتناست أن هناك أمهات مهملة ولا يصاب أبناؤهن بالتوحد. وفي عام 1964 نشر بيرنارد ريملاند المعالج النفسي والباحث الأمريكي، كتاب يهاجم فيه هذه الفرضية، فالتوحد حالة بيولوجية، وليست نفسية، فالآباء السيئة قد لا تساعد في تحسين حالات أطفالهم المتوحدين، لكنهم لا يسببون التوحد، فالعوامل الجينية تبدأ في التأثير على الجنين وهو في الرحم، قبل أن يظهر تأثير الأهل عليه.

هذه هي الأشياء التي يتمنى الطفل المصاب بالتوحد أن تعرفها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد