في الوقت الذي تتابعت فيه الأنباء والتسريبات الصحفية التي تدعم الرواية التركية القائلة بأن الصحفي السعودي البارز جمال خاشقجي قد قُتل داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، لوحظ أن ماكينات الدعاية السعودية، ووسائل إعلامها قد حفلت بالعديد من «الحجج» غير المنطقية التي لم تنجح في تفنيد الرواية التركية، بل كانت مثار سخرية العديد من رواد وسائل التواصل الاجتماعي، ونعرض فيما يلي بعضًا منها.

1- الإخوان وقطر وتركيا قتلوا خاشقجي

تحت عنوان «هل تخلصت قطر والإخوان من جمال خاشقجى بعد ندمه وإعلان نيته العودة للسعودية؟!»، كتب الصحفي المصري ورئيس التحرير التنفيذي لجريدة «اليوم السابع» المعروفة بولائها للسلطات المصرية، مقالاً يتهم فيه الاستخبارات التركية أو القطرية بالتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين لاصطياد خاشقجي وإخفائه أو قتله، بهدف «الانقضاض على نظام المملكة العربية السعودية، وإحراجها وتشويه صورتها أمام المجتمع الدولي».

واتهم الهواري خديجة جنكيز خطيبة خاشقجي بأنها لم تكن سوى طعم لأجهزة الاستخبارات هذه، وعلل الهواري ذلك بأن خاشقجي «شعر جمال خاشقجى بالندم، وأنه اختار المسار الخطأ، فألمح للمقربين منه أنه يريد العودة لموطنه، ويطلب السماح، ويترك الجماعة الإرهابية وحلفاءها، تركيا وقطر»، من دون أن يسرد قرائن على تلك الفرضية.

ويلاحظ أن ماكينات الدعاية الموالية للسعودية، بما فيها وسائل الإعلام المحسوبة على النظامين المصري والسعودي، لم تتوقف عن الغمز واللمز في خاشقجي وعلاقته بالإخوان المسلمين أو قطر، واعتبر البعض أن «أصابع الاتهام موجهة إلى إيران وقطر وتركيا»، كما ذكر الإعلامي المصري أحمد موسى في برنامجه «على مسؤوليتي» أن «إعلام قطر والإخوان وتركيا «مسعورون»» معتبرًا أن «من مصلحتهم قتل جمال خاشقجي وتوريط المملكة».

2- خاشقجي «تاب» وسيعود بإرادته إلى «حضن الوطن»

«لا أدرى لماذا لا يوجد على الساحة سوى احتمال واحد وهو: اختطاف خاشقجي؟! مع أن كل الاحتمالات واردة، كأن يكون خاشقجي عند زيارته لسفارة الرياض قد لمس المعاملة الحضارية الراقية مع شخصه رغم مواقفه المعارضة، فعرف خطأه، وتنبه إلى أن هروبه الدائم لن ينجيه من عذاب الضمير، وأن كافة القوانين الدولية الداعمة لحماية اللاجئين السياسيين لن تمنحه الراحة التي ينعم بها على أرض بلاده».

بهذه الكلمات حاول الكاتب السعودي أحمد عجب الزهراني، تفسير «غموض» قضية خاشقجي بالنسبة له، عبر مقال وجد طريقه للنشر في صحيفة «عكاظ»، واحدة من أهم الصحف السعودية وأعرقها، والمعروف عنها أنها ناطقة باسم السلطات، أو على الأقل لا يمكن أن يخرج على صفحاتها إلى العلن من دون أن يمنحه الرقيب الصحفي في المملكة الضوء الأخضر.

ويستكمل الزهراني في مقاله «من حرر خاشقجي؟!» هذا السيناريو «الوردي» المفترض قائلًا: «لهذا اختار (خاشقجي) أن يخرج متخفيًا من القنصلية حتى يفكر مليًا في قرار العودة للسعودية وتسليم نفسه اختياريًا لتخفيف العقوبة، وهو القرار الذي سيحل قيوده، ويحرره من الأفكار المضللة، ويخلصه من الجماعات المتشددة التي اختطفته طوال العقود الماضية، وهو القرار الذي سيكتب النهاية السعيدة لقصته تحت عنوان: «من حرر خاشقجي وأعاده لحضن الوطن»».

قتلوه بدمٍ بارد.. ملف «ساسة بوست» عن مقتل جمال خاشقجي الذي هزّ العالم

3- صدق أو لا تصدق.. كاميرات القنصلية لم تكن تسجل

بحسب الرواية السعودية، فخاشجقي قد غادر القنصلية بعد إتمام معاملته المطلوبة، وهنا تكمن الحلقة المفقودة بين الرواية الرسمية السعودية، وبين المصادر التركية التي تصر على أن جمال خاشقجي قد دخل القنصلية بالفعل، لكنه لم يغادرها أبدًا، على الأقل على قيد الحياة.

لقطات أذاعها التليفزيون التركي تظهر خاشقجي لحظة دخوله مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول

وسرعان ما خرج للإعلام لقطات سجلتها كاميرات مراقبة من خارج القنصلية، تظهر خاشقجي وهو يدخل المبنى في يوم اختفائه، وكان الجميع ينتظر صورًا مماثلة لخروجه لتصديق الرواية السعودية، لكن هذا لم يحدث حتى الآن. وفي محاولة لتفسير ما حدث، ذكر السفير السعودي في واشنطن وشقيق ولي العهد خالد بن سلمان لصحيفة «الواشنطن بوست» أن كاميرات القنصلية «لم تكن تسجل» في يوم وصول خاشقجي إلى القنصلية، وهو الأمر الذي كرره قنصل السعودية في إسطنبول محمد العتيبي حين أكد لوكالة «رويترز» أن «القنصلية مزودة بكاميرات لكنها لم تسجل أي لقطات» في ذلك اليوم.

هذا الرد السعودي لم يكن مقنعًا فيما يبدو للعديد من الدوائر الشعبية والرسمية، كان من أبرزها تعليق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على ذلك بالقول: «هل يمكن ألا يكون هنالك أنظمة كاميرات في قنصلية عامة أو سفارة؟ هل يمكن ألا يكون هناك أنظمة كاميرات في القنصلية السعودية التي جرت فيها الحادثة؟ وهذه الأنظمة قادرة على التقاط أي عصفور يطير أو ذبابة تخرج من هناك، علمًا أن لديهم أحدث هذه الأنظمة».

4- خطيبة خاشقجي ليست سوى «إخواني متنكر»

قبل الأزمة الأخيرة، لم يكن اسم خديجة جنكيز معروفًا لوسائل الإعلام، لكنها أصبحت تتصدر وسائل الإعلام العالمية باعتبارها خطيبة الصحفي السعودي التي كانت تلازمه حتى اللحظات الأخيرة قبيل دخوله إلى القنصلية، فقد كانت هي أول من روى ملابسات اختفاء خاشقجي داخل المبنى، كما أنها وجهت عبر صحيفة «الواشنطن بوست» خطابًا إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تطالبه فيها بتسليط الضوء على قضية اختفاء خطيبها وتكثيف الجهود للبحث عنه، وقد رد ترامب على ذلك بأنه على تواصل مع خديجة وأنه يود دعوتها إلى البيت الأبيض.

https://twitter.com/salehalhmadi/status/1050094903240343552

كانت خديجة جنكيز في مرمى نيران الصحافة السعودية منذ بداية الأزمة، إذ إنها كثفت من الهجوم عليها، وشككت في رواياتها حول الحادث، وفي كونها خطيبة لخاشقجي من الأساس، لكن أكثر الادعاءات «كوميدية»، والتي لاقت بعض الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، كان ما ذكره الكاتب السعودي المؤيد للسلطات صالح الحمادي من أن خطيبة خاشقجي ليست سوى المعارض المصري «محمد محسوب متنكرًَا بلبس نسائي مع مكياج وبودرة لتنعيم الوجه»، وهو الأمر الذي لاقى سخرية كبيرة من نشطاء على مواقع التواصل.

«واشنطن بوست»: خطيبة خاشقجي توجه رسالة لترامب.. ما فحواها؟

5- «كتيبة الإعدام» ليسوا سوى «سياح عاديين»

احتلت مسألة السعوديين الذين وصلوا إلى إسطنبول فجأة وغادروا خلال ساعات قليلة بعضهم على متن طائرات خاصة، بالتزامن مع اختفاء خاشقجي مركزًا محوريًا في الرواية التركية المسربة لوسائل الإعلام حول مقتل خاشجقي.

وقبل أيام قليلة، نشرت صحيفة «صباح» المقربة من الحكومة التركية صورًَا كشفت فيها هوية 15 سعوديًا وصلوا إلى مطار أتاتورك خلال ساعات مختلفة من يوم 2 أكتوبر (تشرين الثاني)، -وهو نفس اليوم الذي اختفى فيه خاشقجي داخل القنصلية-، قبل أن يغادروا خلال ساعات قليلة، وهو ما يشير -بحسب الصحيفة- إلى أن حضورهم إلى إسطنبول كان لأداء مهمة محددة، غادروا بعدها على الفور.

من هي «كتيبة الإعدام» المتهمة باغتيال خاشقجي في تركيا؟

وبحسب المعلومات التي توصلت إليها وسائل الإعلام المختلفة -ومن بينها «ساسة بوست» عن هؤلاء الأشخاص اعتمادًا على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو الأخبار التي أوردتها الصحف السعودية المحلية عنهم في أوقات سابقة، فقد ضمت «مجموعة الـ 15» ضباطًا في سلاح الجو، وإدارة الدفاع المدني والقوات الخاصة السعودية، فضلاً عن أعضاء في الاستخبارات والحرس الملكي الذي يحرس ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بالإضافة إلى طبيب شرعي، ما يعزز التسريبات التركية بأن هذه المجموعة لم تكن سوى «خلية أمنية» جاءت خصيصًا لتنفيذ عملية اختطاف أو قتل خاشقجي وغادرت سريعًا.

مباشر من #العربية | #نشرة_الخامسة .. أزمة #خاشقجي .. سقطات إعلامية وأخلاقية

مباشر من #العربية | #نشرة_الخامسة .. أزمة #خاشقجي .. سقطات إعلامية وأخلاقية

Geplaatst door ‎قناة العربية Al Arabiya‎ op Donderdag 11 oktober 2018

جانب من تغطية قناة «العربية» السعودية لأزمة خاشقجي وردها على «مجموعة الـ 15»

الرد السعودي على تلك النقطة أشار إلى أن الخمسة عشر سعوديًا المشار إليهم لم يكونوا سوى «سياح عاديين»، وحاولت تفنيد الرواية التركية بالتركيز على نقاط «شكلية»، مثل القول بأن الصور تظهر صالات مسافرين وليس صالة طائرات خاصة، فيما لم يقدم الإعلام السعودي مبررات مقنعة لاقتصار زيارة هؤلاء «السياح» على بضعة ساعات فقط، ولا تزامنها مع اختفاء خاشقجي، خاصة بالنظر إلى الخلفية الأمنية والعسكرية لأغلب هؤلاء.

المصادر

تحميل المزيد