«كل الروايات تاريخية بمعنى من المعاني، فللرواية علاقة خاصة بالتاريخ تميزها عن بقية الأجناس الأدبية، وشخصياتها فاعلة في واقع تاريخي بعينه يشكِّلها وتتفاعل معه» *الأديبة المصرية رضوى عاشور

لطالما اشتبكت الرواية الأدبية بوصفها عملًا فنيًّا مع التاريخ، وسردت علينا من أحداثه حكايا تفاصيله المنسية، لتبني منها عالمًا قصصيًّا مميزًا؛ وكما ذكر دكتور الفلسفة، قاسم عبده قاسم، في كتابه «أوراق تاريخية»؛ فإن التاريخ بالنسبة للروائي يعد مادة أدبية خصبة، وخليطًا متجانسًا من المواقف والأحداث، التي تحتاج لبعض الترميمات الاستقرائية، وذلك من أجل إضاءة المناطق المتعمة من التاريخ عن طريق الفن. والأدب التركي خاصة يزخر بالروايات التي استقت مادتها من أحداث التاريخ. التقرير التالي يستعرض خمس روايات تشرح لنا الكثير من تاريخ تركيا.

1. «شمس تراقيا».. تاريخ الدولة العثمانية خلال 500 عام

«يا بني؛ أحِطْ مَنْ أطاعك بالإعزاز، وأنعم على الجنود، لا يغرنَّك الشيطان بجهدك وبمالك، وإيَّاك أن تبتعد عن أهل الشريعة! يا بني؛ لسنا من هؤلاء الذين يُقيمون الحروب لشهوة حُكْم، أو سيطرة أفراد؛ فنحن بالإسلام نحيا، وللإسلام نموت، وهذا يا ولدي ما أنت أهل له. يا بني؛ إنك تعلم أنَّ غايتنا هي إرضاء ربِّ العالمين، وأنه بالجهاد يعمُّ نور ديننا كلَّ الآفاق؛ فتَحْدُث مرضاة الله – عز وجل».

بهذه الكلمات أوصى السلطان العثماني عثمان بن أرطغرل، ابنه أورخان غازي، تاركًا له الحكم من بعده. إذ بدأت أحداث رواية «شمس تراقيا» بموت السلطان الأب، وتقلد أورخان غازي مقاليد السلطة، وطوال أحداث الراوية يحكي لنا الكاتب التركي مراد تونجل عن تلك الحقبة الزمنية من تاريخ الدولة العثمانية.

وأول عمل أجراه السلطان الجديد هو إرسال قوات جيوشه لفتح بلاد من آسيا الصغرى، وفي عهده انتهى نفوذ البيزنطيين في آسيا الصغرى، وسيطر العثمانيون على الركن الشمالي الغربي لآسيا الصغرى، وبعد استيلائه على تلك المنطقة قضى أورخان غازي 20 عامًا دون حروب من أجل صقل أركان الدولة داخليًّا؛ إذ عمل على تعزيز الأمن الداخلي، وإقامة المنشآت العامة، وإنشاء المعاهد التعليمية.

تنتقل الرواية بعد ذلك إلى فترة حكم السلطان مراد الأول، الذي تولى الخلافة خلال عام 1360، وانتهج منذ بداية حكمه نهجًا مدروسًا في التوسع مستغلًّا ضعف الإمبراطورية البيزنطية شرق أوروبا، بسبب صراعاتها الداخلية بين حكام البلقان.

وعليه قرر السلطان مراد الأول التوسع غربًا، والدخول في القارة الأوروبية، وفي عهده وقعت واحدة من أشرس المعارك في التاريخ، والتي شكلت منعطفًا تاريخيًّا مهمًّا في تاريخ العثمانيين، وهي «معركة كوسوفو» التي انتهت بانتصار تاريخي للدولة العثمانية؛ إذ فتحت أمامه أبواب البلقان، ولكنها في الوقت نفسه انتهت بموت السلطان العثماني مراد الأول.

الصقالبة والمماليك والانكشارية.. «عبيد السلطان» الذين أقاموا دولًا وأسقطوها

2. «الأوراق المتساقطة».. أضواء المجتمع الجديد والتمرد على التقاليد

«تغيرت إسطنبول كثيرًا حتى أصبحت لا أعرفها، ناس هذا الزمان ليسوا كالناس الذين عاصرتهم، الناس تفتحت عيونهم وزادت آمالهم وتطلعاتهم، وتمردوا على جميع ما حاولنا أن نحافظ عليه على مر السنين»

نُشرت رواية «الأوراق المتساقطة» للكاتب التركي رشاد نوري غونتكن عام 1939، وتحكي قصة عائلة علي رضا بك، الموظف الحكومي العصامي، الذي استقال من عمله بسبب رفضه تقديم التنازلات القانونية والأخلاقية. ولديه خمسة أبناء، هم: فكرت، وليلى، وعائشة، وشوكت، ونجلاء، وبسبب تركه العمل والتحاق ابنته بالجامعة؛ تنتقل العائلة بأكملها إلى مدينة إسطنبول، ليستعرض لنا الكاتب التغيرات الكبيرة التي شهدتها المدينة.

في إسطنبول يصطدم جميع أفراد العائلة بالمجتمع الجديد، فعلي بك الذي ترك إسطنبول منذ 18 عامًا يعود إليها ليجد كل شيء قد تغير، والأبناء الذين تربوا في بيئة محافظة يعيشون في حالة من الصراع بين الحفاظ على مبادئهم والرغبة في الانخراط في المجتمع الجديد.

في ذلك الوقت كانت تركيا تتغير بالفعل؛ إذ تدور جميع الأحداث خلال عام 1930، وهو وقت الإصلاحات التي أحدثها مصطفى كمال أتاتورك، من إلغاء الطربوش، ومنع ارتداء العباءات خارج دور العبادة، وتبني النمط الغربي في الحياة الاجتماعية. ووسط جميع تلك التغيرات العاصفة، بدأت عائلة علي بك تتساقط مثل أوراق الشجر؛ فجميع الأبناء تمردوا على تربيتهم المحافظة، وسارعوا بالاندماج في الحياة المختلفة التي قدمتها لهم إسطنبول.

رواية «الأوراق المتساقطة» تحولت إلى عمل درامي مكون من خمسة أجزاء، وقد حقق المسلسل نجاحًا كبيرًا في تركيا والدول العربية، واستغرق تصويره خمس سنوات، ويمكن القول إن المسلسل جاء أفضل من الرواية؛ إذ ركز على الكثير من التفاصيل، ونقل بصورة حية تأثير مدينة إسطنبول، والمؤثرات الأجنبية الحديثة في حياة الأبطال، كيف تصدع بنيانهم الداخلي بالكامل، وتهاوى أمام حضارة الغرب.

3. «مادونا صاحبة معطف الفرو».. واقعية القاع وأدب المهمشين!

«الماضي لا يزال يكمن في نفوسنا، وبصورة محفوظة تمامًا، والحل الوحيد لاستحضار الماضي، الذي هو أشبه بكنز مفقود، هو استعادته بالكتابة عنه كتابة مفصلة»

ينتمي الكاتب التركي صباح الدين علي إلى مدرسة واقعية القاع؛ التي تهتم برصد البؤس الاجتماعي، وتحتفي بالأشخاص المهمشين، وبكل ما يحملونه من شقاء ومعاناة، وتجسد الشخصية الرئيسية لرواية «مادونا صاحبة معطف الفرو» الصادرة خلال عام 1943، نموذج البطل المهزوم الذي يسير إلى حتفه بكل استسلام، حاملًا معه هواجسه ومأساته، فشخصية رائف أفندي تشبه إلى حد كبير شخصية تشرفياكوف بطل رواية «موت موظف» للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، كما تتشابه أيضًا مع شخصية كامل رؤبة لاظ، بطل رواية «السراب» للأديب المصري نجيب محفوظ.

وتحكي الرواية عن رائف أفندي موظف البنك المسالم إلى حد النفور الهادئ والمشغول بنفسه فقط، والذي لا يدخل في صدامات مع أيٍّ من المحيطين به، فحتى حين استولى أعمامه على ميراث أبيه لم يدافع عن حقه أبدًا، ولكنه استسلم كأنه والعدم سواء، ولم يكن يعرف أيًٌ من زملائه عنه شيئًا، إذ كان يأتي للعمل ويذهب دون التحدث مع أحد.

ولكن تتغير الأحداث بالكامل حين يقع رائف مريضًا في أثناء العمل، ويطلب من زميله حمدي أن يأتيه ببعض الأوراق من المنزل، وهناك يكتشف هذا الزميل أن رائفًا يكتب مذكراته في دفتر أسود، ومن هنا نبدأ في التعرف إلى قصة رائف منذ الطفولة، والتي يرويها لنا حمدي، وقد أبدع الكاتب كثيرًا في سرد الرواية؛ إذ اعتمد على تقنية السرد المتداخل؛ فهنا رائف الذي يخبرنا القصة من منظوره، وهناك حمدي الذي يتسلم دفة الحكي من زاويته.

ورغم أن الرواية نفسية بالأساس، وتهدف إلى سبر أغوار الشخصيات المنسحقة، فإن صباح الدين علي لم يستطع التخلص من هاجسه السياسي الذي كان السبب في دخوله السجن مرتين، قبل أن يُقتل في إحدى الغابات في أثناء هروبه؛ إذ يتحدث علي في الرواية عن تأثير الحرب العالمية والهدنة على المجتمع التركي، كما يتناول أيضًا في أحد فصول الرواية حروب تركيا ضد اليونان؛ لنكتشف في نهاية الرواية أن قصتها أعمق من حكاية رائف؛ إذ تحكي عن انسحاق المجتمع التركي وصراعه الصامت، مع تأثيرات حروب اليونان التي كانت فادحة.

4. «ثلج».. الصراع الأزلي بين العلمانية والإسلام السياسي

«من الغباء أن يقضي الإنسان حياته في سبيل معتقداته في دولة ظالمة لا تعطي قيمة للإنسان، المبادئ والمعتقدات العظيمة هي من أجل الناس في الدول الغنيّة»

حين أعلنت أكاديمية نوبل السويدية منح الكاتب التركي أورهان باموق جائزة نوبل للآداب لعام 2006؛ ذكرت لجنة التحكيم أن باموق «في معرض بحثه عن الروح الحزينة للمدينة، حيث مسقط رأسه؛ اكتشف رموزًا جديدة للصراع والتضافر بين الحضارات». وبقراءة أعماله التي ترجمت إلى العربية نكتشف أن باموق كرس قلمه من أجل الحديث عن الصدام بين الشرق والغرب، بين العلمانية والإسلام، وبين الماضي والحاضر.

وفي روايته «ثلج» التي تدور أحداثها في فترة الثمانينيات، تلك الحقبة التي شهدت تأجج الصراعات في الداخل التركي بين القوميات المختلفة، الدينية، والعلمانية، والأكراد، يحكي لنا باموق رحلة الصحافي والمناضل والشاعر العائد من منفاه السياسي في ألمانيا بعد 13 عامًا، إلى مدينة قارص؛ من أجل متابعة انتخابات البلدية، والتحقيق في ظاهرة انتحار الفتيات المحجبات بمدينة باطمان.

وطوال رحلته، التي استمرت أربعة أيام؛ يستعيد بطل الرواية وهو يسير في شوارع قارص سنوات حياته مع أسرته، التي تعيش في إسطنبول، ثم نفيه إلى ألمانيا بسبب أفكاره السياسية، وينشغل بسؤال الهوية. وتستهجن الرواية صورة العنف التي بدت عبثية من كثرتها في تركيا، كما يدين باموق سلسلة الانقلابات التي لم تبرأ منها تركيا على مدار تاريخها.

تقدم رواية «ثلج» دراسة إنثربولوجية للمجتمع التركي؛ فمن خلال حادثة الفتيات المنتحرات، يصوغ لنا باموق حكاية التاريخ السياسي والثقافي والاجتماعي لتركيا، ففي أثناء تحقيق بطل الرواية عن الحادثة؛ أعزى القوميون انتحار الفتيات إلى التحريض الإرهابي الإسلامي، في حين رأى الإسلاميون أن الفتيات انتحرن هربًا من الضغوط العائلية، وأنهن بانتحارهن لسن مسلمات أصلًا.

يتطرق الكاتب أيضًا إلى مفهوم الإسلام السياسي، والجماعات الإسلامية التي تمولها إيران، ومحاولات الشعب التركي للبحث عن هويته الضائعة بين القوميين والإسلاميين، والحجاب في تركيا، وما تتعرض له الفتاة التركية من استقطاب.

5. «لقيطة إسطنبول».. مذابح الأرمن المسكوت عنها!

«المعاصرون يطلبون منَّا أن نتقدم إلى الأمام، لكننا لا نؤمن بأفكارهم عن التقدم، والتقليديون يطلبون منَّا أن نعود إلى الوراء، لكننا لا نريد أن نعود إلى نظامهم المثالي، إننا محصورون بين الاثنين، نتقدم خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء، تمامًا كما كانت تفعل فرق الجيش العثماني! حتى إننا لا نعزف على أي وتر! إننا لسنا أقلية. فلو كنّا أقلية عرقية، لأصبحنا تحت ميثاق الأمم المتحدة»

القارئ لأليف شافاق يدرك جيدًا أنها تتكلم دومًا بصوت الذين تعتقد أن لا كلمة لهم، كما تهتم شافاق بمن هم ليسوا في مركز الأحداث، ولهذا تكتب عن الأقليات والمهمشين فكريًا، وسياسيًّا، واجتماعيًّا، ولكنها في الوقت ذاته لا تعالج موضوعات رواياتها مباشرة؛ إذ تترك دائمًا مساحة رحبة للخيال، وتسمح لأبطالها بالانطلاق على صحفات الرواية. تتنقل بين العصور والأزمنة والأماكن، ولهذا تخرج جميع أعمالها على هيئة فسيفساء بشرية، تجمع بين الشرق والغرب، المادة والروح، وتنصهر في بوتقتها كافة الثقافات والهويات الاجتماعية.

تبدأ أحداث رواية «لقيطة إسطنبول» التي صدرت في عام 2006، من بيت عائلة قازنجي التركية، الذي يعج بالنساء؛ إذ تتكون العائلة من أربع نساء، وأمهن، وجدتهن، ورجل واحد يعيش في أمريكا، لتنضم إليهم لاحقًا «لقيطة إسطنبول»، التي تُدعى آسيا، وهي ابنة زليخا التي حملت بها من اغتصاب أخيها مصطفى لها، ثم تظهر في بيت العائلة أيضًا شخصية آرمانوش تشكمجيان، الفتاة الأرمينية القادمة من الولايات المتحدة بحثًا عن ماضيها.

تحلق بنا شافاق في الماضي البعيد من وجهة نظرها، حين كانت تركيا تضم أرمنًا، ويونانيين شرقيين، ويهودًا شرقيين، وتحكي عن المذابح الجماعية التي ارتكبت في حق الأرمن خلال عام 1915، ثم تعود شافاق إلى الزمن الحالي مع عودة آرمانوش إلى تركيا بحثًا عن ماضيها، لتكتشف الفتاة الأرمينية أن الأتراك – بحسب الرواية- في حالة إنكار تام لما حدث لأهلها، وبأنهم أيضًا يريدون نسيان ما جرى في الماضي؛ فحين تتحدث آرمانوش مع نساء عائلة قازنجي لا تسمع منهم أي اعتذار متوقع من قبلها، وفي حوار جرى بينها وبين آسيا تخبرها الأخيرة أنها تشعر بالتعاطف معها، ولكنها لن تعتذر؛ لأنها لا تجد أي صلة بينها وبين مرتكبي المجازر.

الأتراك يقدسونه والعرب يكرهونه والإنجليز يحتقرونه.. ما هي حقيقة أنور باشا التركي؟

 

علامات

أدب, تاريخ, تركيا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد