في العام نفسه الذي انفصل فيه السودان عن مصر عام 1956، وُلد رئيس الوزراء السوداني محمد عبدالله حمدوك الذي أصبح منذ ذلك التاريخ إلى توليه المنصب، أول حاكمٍ للسودان بلا خلفيةٍ أيدلوجية، وهو ما يرسم مستقبلًا مجهولًا للرجل –وفقًا للكثيرين- في بلدٍ عائمٍ على الانقلابات لطالما ارتبط فيه اسم الرئيس بالصراعات الأيدلوجية أو التفاهمات بين الجيش ورجال الدين والسياسة، إلى جانب تركةٍ ثقيلة قوامها بنية تحتية متهالكة، ومخزون استراتيجي منخفض من الغذاء والوقود، ونسبة تضخم مرتفعة، وديون ثقيلة، وثلاثة حروب داخلية في ثلاث ولايات، وعقوبات أمريكية.

 ورغم أنّ رئيس المجلس العسكري الفريق أول عبدالفتاح البرهان، ونائبه الفريق حميدتي يمثلان امتدادًا مُحافظًا لإرث السياسات الإقليمية اعتمدها البشير في علاقته بمصر والدول الخليجية، إلا أنّ السودان دخل للتو علانيةً عهد الحُكم البرجماتي في السياسة والاقتصاد –كما جاء في خطاب حمدوك– القائم على العمل على المنفعة وحدها دون التقيد بالمُسلمّات والمواقف القديمة والأعراف السائدة على عكس رغبة الجنرالات والساسة.

 هذا التقرير يشرح لك 5 عقبات تقف أمام قائد السودان المدني لتحقيق أهدافه.

 1- الوصول لاتفاق مع الحركات المسلحة.. هدفٌ فشل فيه الجميع

 كانت المفاوضات هي الوسيط الحاضر دومًا منذ اندلاع الثورة السودانية في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بداية بالاتفاق الذي عقده البشير مع الصادق المهدي لاحتواء التصعيد، مرورًا بالتفاهمات السرية التي توصل لها المجلس العسكري مع قوى لم يُسمّها لتحرك الجيش، ثم المناوشات التي حدثت بين «قوى الحرية والتغيير» والمجلس العسكري والتي تُوجت بعد خمسة أشهر من الثورة بالتوقيع على «الاتفاق السياسي» والوثيقة الدستورية التي حددت ملامح الفترة الانتقالية المقررة بثلاث سنوات وصولًا لتسمية رئيس حكومة مدني.

 عبدالله حمدوك

وعلى النقيض كان ملف الحركات المُسلحة هو الحلقة الأضعف بين جميع الأطراف في ظل وجود ثلاثة حروب أهلية في كل من دارفور وكردفان والنيل الأزرق منذ عام 2005 إلى الآن، بين «الجيش السوداني وقوات الدعم السريع» من جهة، و«الجبهة الثورية»، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان»، و«جيش تحرير السودان»، و«حركة العدل والمساواة»، من جهة أخرى.

 ومنذ البداية، دأب المجلس العسكري على اعتقال ياسر عرمان، نائب الأمين العام لـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان» المنضوية تحت تجمع «قوى الحرية والتغيير»، وترحيله من السودان إلى إثيوبيا التي شرعت هي الأخرى في طرده من أراضيها حين اتهمته بعرقلة مساعي التوصل إلى اتفاق أخير بشأن «الوثيقة الدستورية»، وهو الأمر الذي جعل الحركة تتهمها بأنها وسيط غير محايد.

ورغم أنّ مصر توسطت وجذبت الحركات المسلحة للتفاوض للوصول إلى صيغة نهائية والتوافق حول «الوثيقة الدستورية» والمناصب الحكومية؛ إلا أنّ فشل اجتماع القاهرة أضاع فرصة التوافق الأخيرة بين الفرقاء في ملف التسوية. فالجبهة الثورية المنضوية تحتها حركات مسلحة أعلنت رفضها للاتفاق السياسي تحت مُسمّى أنّ «قوى الحرية والتغيير» لم تُشرك فيها كافة القوى بداخلها، إضافة إلى تجاهلها قضايا الثورة والحروب الداخلية.

 وفي الوقت الذي وقّعت فيه «قوى الحرية والتغيير» الوثيقة الدستورية مع المجلس العسكري، كانت الجبهة تعلن مرة أخرى رفضها، مبررة ذلك بأنّ الوثيقة تجاهلت إدراج رؤية السلام الموقعة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إضافة إلى إقصاء مكونات ساهمت في الثورة من المشهد السياسي.

 وتشترط «الوثيقة الدستورية» على الحكومة الجديدة تحقيق السلام خلال الأشهر الستة الأولى، والعمل على تحقيق سلام مستدام وإنهاء معاناة النازحين واللاجئين. 

لكن على جانب آخر، يقول الصحافي السوداني مصطفى أبو العزايم لـ«ساسة بوست» أن الأمر قد يكون على عكس المتوقع، وقد ينجح حمدوك في تجاوز هذه العقبة، خاصةً وأن: «حمدوك ليست لديه عداوات مع الحركات المسلحة بالإضافة إلى امتلاكه قنوات اتصال مفتوحة معهم، وهو ما يعني أنّ فرضية استئناف النزاع والصدام مُسبتعدة مستقبلا حتى في ظل وجود مؤشرات غير مُبشرة بعدم اشتراك الحركات المسلحة في إنتاج الوثيقة الدستورية بسبب خلافهم مع قوى الحرية والتغيير» على حد تعبيره.

«الحركة الشعبية لتحرير السودان».. «بعبع» يخيف قادة المجلس العسكري في الخرطوم

2- اقتصاد مهزوم وجماهير رافضة التقشف

يتزامن تشكيل الحكومة الجديدة مع اقتراب موعد مناقشة ميزانية عام 2020، وهي الأزمة المرتقبة التي من المقرر أن يواجهها حمدوك، لأنه الحدث الذي طالما جلب انتفاضات واحتجاجات في السنوات الماضية انتهت بالثورة على البشير الذي فرض سياسات التقشف التي رفضتها الجموع الغاضبة.

 وسبق للبشير تعيين حمدوك وزيرًا للمالية عام 2018، حين أوشك النظام على إعلان إفلاسه، نظرًا لكونه خبيرًا في مجال إصلاح القطاع العام وإدارة الأنظمة الديمقراطية والتي باشرها خلال عمله أمينا لـ«اللجنة الاقتصادية لأفريقيا» التابعة للأمم المتحدة. واللافت أنّه برغم ترشيحه من «قوى الحرية والتغيير» ليرأس الحكومة لسيرته الذاتية المميزة، إلا أنه صرح بأنه سيعمل في إطار برنامج محدد يتشاور فيه معها دون أن يستأثر بالرأي، أو يتحكموا هم بالقرار، وسبق له أن حدد برنامجه الاقتصادي القائم على المزاوجة بين النظام الغربي وتجربة النمور الآسيوية وكوريا الجنوبية على نهج برجماتي.

 وتبدأ مشكلة السودان الاقتصادية فعليًا منذ وضعه على القوائم الأمريكية للدول الراعية للإرهاب عام 1993، إضافة إلى انفصال الجنوب عام 2011 واستئثاره بثلثي عائدات النفط، مرورًا بالحرب الأهلية ونزاع دارفور الممتد منذ عام 2005، والذي أغرق النظام في الفوضى والفقر وخلق موجة لاجئين ونازحين ضخمة. ويرى حمدوك أنّ بلاده تحتاج نحو 8 مليار دولار خلال العامين القادمين لإعادة بناء الاقتصاد، ولتغطية الواردات، إضافة إلى الحاجة إلى ملياري دولار أخرى احتياطي من النقد في البنك المركزي للمساعدة في إيقاف تدهور سعر صرف الجنيه.

لكن الحاجة إلى المساعدات يضع السودان في قبضة المانحين، وهي المعضلة الكبرى التي تواجه الحكومة في ظل انتهاج نظام برجماتي متحرر من السياسات الأيدلوجية، وبرغم علاقة حمدوك بـ«صندوق النقد» و«البنك الدولي» إلا أنه يرفض سياسة الاقتراض، لكنه أيضًا بات مُجبرًا على التحرك سريعًا للبحث عن حل للديون البالغة نحو 56 مليار دولار، ومنع انهيار الجنيه السوداني، في ظل حالة ركود واسعة، إذ تقدر الأمم المتحدة أن نحو 6 مليون سوادني -ما يعادل 13% من السكان-، يعانون من شح حاد في الأمن الغذائي.

 وبحسب بيانات «صندوق النقد الدولي»، فنسبة البطالة بين الشباب السوداني تخطت 20%، وتشهد العملة المحلية انخفاضًا ضخمًا نتيجة لتدهور السياسات الاقتصادية، إذ يبلغ سعر الدولار الأمريكي نحو 45 جنيه سوداني، وبلغت نسبة التضخم 47.7%، بينما بلغ الاحتياطي النقدي 1.44 مليار دولار، بحسب ما كشفه محافظ «البنك المركزي».

 3- الصراع بين الأجهزة السيادية.. حميدتي أقوى من الجيش

 كانت التفاهمات التي توصل لها رؤساء الأجهزة السيادية في السودان لترتيب عملية الإطاحة بالبشير هي الوجه الآخر للثورة السودانية؛ فالاجتماعات السرية التي جرت بعيدًا عن أعين البشير بين كل من مدير جهاز الاستخبارات، ومدير الشرطة، ووزير الدفاع، والمفتش العام للجيش، وقائد قوات «الدعم السريع»؛ هي ما أفضت في النهاية لإنجاح الاحتجاجات التي استمرت نحو أربعة أشهر، لكنها من جهةٍ أخرى رسمت معادلة جديدة في صراع الأجهزة السيادية بعدما أصبح حميدتي فعليًا المُحرك الرئيس للأحداث وصانعها.

لكنّ الخطة الاقتصادية التي ينوي حمدوك اعتمادها ترتكز على خفض الإنفاق العسكري للجيش بشكلٍ كبير، بحيث لا يقتطع 80% من الميزانية كما كان العهد في السابق، ويعوّل رئيس الوزراء السوداني على تنفيذ تلك الخُطة على التفاوض مع الجيش إلى جانب التفاوض مع واشنطن حول حذف بلاده من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتبدو المهمة الثانية أكثر سهولة من الأولى، ولا يُعرف حتى الآن كيف سيرد الفريق أول عبدالفتاح البرهان.

والسياسة الاقتصادية قد تكون سببًا مباشرًا لإزكاء صراع الأجهزة السيادية بين الجيش الذي ينحصر دوره في القتال فقط، على عكس قوات الدعم السريع التي أصبح قائدها يتحكم بأكبر ميزانية سياسية للسودان من خلال الذهب ونشاط المرتزقة المعتمد رسميًا، كما يمتلك عبر شركة «الجنيد»، التي يديرها أقاربه، مجموعة ضخمة تغطي الاستثمار والتعدين والنقل وتأجير السيارات والحديد والصلب، دون مساءلة.

وبعدما طورت قوات «الدعم السريع» اقتصادها الذاتي وأصبحت لا تعتمد على نظام الدولة البيروقراطي في صرف الأموال، أصبح حميدتي قوة أكبر من الجيش حين شاركت قواته في حرب اليمن، وبعدما حققت قواته انتصارات ملحوظة، عقدت أبوظبي والرياض صفقة موازية معه لإرسال قوات أكثر للقتال في جنوب اليمن وعلى طول مناطق المواجهات وخاصة في مدينة الحديدة الساحلية.

مسؤول مصري صرح لموقع «مدى مصر» بأنّ «القاهرة في السابق كانت تفضل التعامل مع عبدالفتاح البرهان القائد العام للقوات المسلحة والقائد الحالي لمجلس السيادة لأنه «عسكري نظامي» ولأن «لا غبار عليه فيما يخص» مشاكل لها طابع دولي مثل دارفور، لكنّ رغم كل التعقيدات التي تحيط بحميدتي، فإن قرار الرئاسة المصرية استقباله لم يكن ليتم لولا تقدير القاهرة أن المعركة بين العسكريين حسمت لصالح الرجل»، مما يجعله عقبة في طريق حمدوك.

4- تشكيل تحالفات جديدة للمعارضة «مستعدة لرفع السلاح»..

 رغم أن حمدوك هو مرشح «قوى الحرية والتغيير» لتولي المنصب، إلا أنّ قرار اختياره بالأساس لم يرجع لخبرته الاقتصادية وحسب، فالرجل غير محسوب على أي نظام أو تيار أو حزب، حتى أنه لا ينتهج أيدلوجية سياسية واضحة، ولم يشارك في الثورة، ومع ذلك فعقب عودته من أديس أبابا لأداء اليمين الدستورية، برزت كتل سياسية هددت علانية بإسقاط الحكومة.

شُعلة المعارضة يمسكها حاليًا «حزب المؤتمر الشعبي» الذي أسسه الزعيم الإسلامي الراحل حسن الترابي، وتحالف القوى الإسلامية المسمى بـ«تيار نصرة الشريعة»، بدعوى إقصاء الإسلاميين، إضافة إلى «تحالف الجبهة الثورية» الذي يضم حركات مُسلحة، وحتى تلك المنضوية داخل «قوى الحرية والتغيير» أعلنت معارضتها للحكومة الانتقالية، فيما صرحت «حركة العدل والمساواة» بأن الخُرطوم ستدفع ثمن تجاوزهم في الحكومة الانتقالية.

 اللافت أنّ «حزب المؤتمر الوطني» –حزب البشير- رحّب بتعيين حمدوك، وتعهد بمساندة جهوده السياسية والاقتصادية خلال الفترة الانتقالية، وهو ما كان سببًا في التسريبات حول أسماء الحكومة القادمة التي برزت حولها شبهات اختيار أسماء قديمة من الحزب الحاكم تحت مُسمّى الكفاءة الوطنية.

جدير بالذكر أن تنسيقية «القوى الوطنية» التي تتكون من حزب «المؤتمر الشعبي» وتيارات محسوبة على الإسلاميين، أعلنت استعدادها للتحالف مع حاملي السلاح لإسقاط الحكومة الانتقالية، وهو التحدّي الذي بات يُهدد حمدوك إلى جانب التهديدات الأخرى.

 5- استمرار الحرس القديم في المناصب العليا

 خلال الأيام الأولى للثورة السودانية التي اندلعت في 19 ديسمبر الماضي، هدد نائب الرئيس السوداني، علي عثمان محمد طه، المعارضة، قائلًا: «النظام تحميه كتائب ظل –تابعة لجهاز المخابرات- ومجموعات كاملة تقف من وراء مؤسسات الدولة للدفاع عن الشرعية حتى ولو وصل الأمر للدماء».

هذا التهديد جاء عقب اتساع دائرة التظاهرات في عدة مُدن، وإحراق المباني الحكومية ومقرات الحزب الحاكم، تزامنًا مع حملة اعتقالات طالت عددًا من رؤوس المعارضة، بينما اختفى عدد من المواطنين قسريًا في «بيوت الأشباح»، وهي الأماكن السرية التي كان يجري فيها تعذيب وإرهاب المعارضين لنظام عمر البشير.

 والمفارقة أنّ المجلس العسكري وجهاز الأمن السوداني بعد نجاح الثورة واجها اتهامًا علنيًا من «تجمع المهنيين» بإعادة العمل بنظام «بيوت الأشباح»، عقب أحداث فض اعتصام القيادة العامة الدموي في يوليو (تموز) الماضي، والتي اختفى على إثرها مئات السودانيين.

 يقول الصحفي السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «التحدي الذي يواجه حمدوك يتمثل في الدولة العميقة التي لم تصلها الثورة بعد، فالمجلس العسكري يحاول الآن الضغط لتعيين رئيس القضاء والنيابة العامة للتحكم في مصير قضية البشير، إضافة إلى بقية أجهزة الدولة التي ما زال يُسيطر عليها فلول النظام السابق».

 يُضيف المصدر: «بدت خطورة الموقف جلية عقب دعوات العصيان المدني التي كان يُطلقها تجمّع المهنيين وقُوبلت برفض ومحاولات إفشال من قيادات بأجهزة الدولة، وهو ما يعني أنّ حمدوك وحكومته مُحاصرون من كافة الجهات».

وصلت إلى 5 محاولات.. من يقف وراء الانقلابات العسكرية المتكررة في السودان؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد