شهدت السينما الفلسطينية تحديات من النكبة إلى الاحتلال، واستمرت هذه التحديات على مدار السنين، مما أتاح لصناع الأفلام فرصًا محدودة لعرض مواهبهم، لكن عزيمة المجتمع السينمائي هو ما جعل الأفلام الفلسطينية تصل إلى العالمية، وذلك عبر مخرجين فلسطينيين، حملوا القضية على عاتقهم.

بدأت السينما الفلسطينية بفيلم عام 1935، عندما صوَّر إبراهيم حسن سرحان فيلمًا وثائقيًّا صامتًا مدته 20 دقيقة عن زيارة الملك ابن سعود، ملك المملكة العربية السعودية، إلى فلسطين، وهو أول فيلم فلسطيني يُنتَج على الإطلاق، وقد افتُتحت سينما لأول مرة في فلسطين عام 1908، وبحلول عام 1948، كان هناك حوالي 40 دار سينما في جميع أنحاء فلسطين، تعرض بشكل رئيسي الأفلام المصرية والأمريكية.

ومنذ عام 1935، كان لا بد من موافقة الانتداب البريطاني على جميع الأفلام، وقد فرض شروطًا صارمة على ما يمكن عرضه ومتى يجري عرضه، لكن بعد النكبة تعطلت سبل الحياة بما فيها السينما إلى الاضطراب والتوقف إلى ما يقرب من عقدين من الزمن؛ إذ اختفت صناعة الأفلام تقريبًا، وأغلقت إسرائيل دور السينما أو سيطرت عليها.

وفي التسعينيات بدأت السينما الفلسطينية في صناعة اسم لنفسها، وبرز مخرجون مثل ميشيل خليفي، ورشيد مشهراوي، وآن ماري جاسر، وهاني أبو أسعد. وكان التمويل صعبًا في هذا الحين، لكن فرصه بدأت تزيد بعد ذلك من المنظمات الأوروبية التي دعمت الأفلام المستقلة غير التجارية.

مخرجين فلسطينيين

المصدر موقع الشمس

والسينما الفلسطينية تعاني اليوم  من أزمة بسبب الإنتاج، فالأفلام التي تتلقى تمويلًا إسرائيليًّا تقدم بصفتها إسرائيلية، حتى لو كان موضوعها وأبطالها فلسطينيين، وتلقِّي بعض أفلام فلسطينيي الداخل تمويلًا إسرائيليًّا أمر مفهوم بالنسبة لكثيرين في سياق ما يفرضه الواقع بمجمله عليهم، لأن فلسطينيي الداخل يدفعون ضرائب، ولكنهم في الوقت نفسه محرومون من هويتهم، فهم يحملون جوازات سفر إسرائيلية إجباريًّا.

وعلى الجانب الآخر فإن السينمائيين العرب لا يتعاونون معهم لهذا السبب، وهو أمر مفهوم حتى لا ينخرطوا في التطبيع مع سينما ممولة إسرائيليًّا، وحتى المهرجانات العربية لا يُدعون إليها، لكن هناك مخرجين فلسطينيين عرفوا طريق الإنتاج المشترك، واستطاعوا أن ينشروا القضية من خلال السينما، وينشروا ما يفعله الاحتلال، وقصص اللجوء، والجدار العازل، وحتى صعوبات الحياة اليومية، فاستطاعوا أن يحضروا بقضيتهم المهرجانات العالمية متشحين بالكوفية الفلسطينية.

1- إيليا سليمان..«الوطن بشيكل وكل العرب ببلاش»

نعرفه بجمله الساخرة من أفلامه «الوطن بشيكل.. وكل العرب ببلاش»، و«جارنا.. عندي نظرية»، إنه إيليا سليمان ابن الناصرة، الذي غادرها إلى نيويورك، ثم إلى باريس، لكن الناصرة لم تغادره؛ إذ يقول إنه شرب الكوميديا من عائلته التي عُرفت بحسها الساخر.

فنون

منذ شهرين
الفن أيضًا يقاوم.. أغاني المقاومة الفلسطينية من أناشيد «حماس» حتى «شب جديد»

بدأ إيليا في صناعة الأفلام في مدينة نيويورك، وفي عام 1990 صنع أول فيلم قصير له مع الفنانة اللبنانية الكندية جايس سلوم، بعنوان «مقدمة لنهاية جدال»، وهو فيلم وثائقي تجريبي، يستخدم لقطات من أفلام غربية، وإسرائيلية، وأفلام وثائقية، ولقطات صُورت في الضفة الغربية، وقطاع غزة، أما فيلمه الثاني القصير فحمل اسم «تكريم بالقتل»، وتدور قصته في ليلة واحدة أثناء حرب الخليج، يحاول أثناءها، وهو في شقته في نيويورك أن يكتب سيناريو، لكن صور الحرب لا تغادر ذهنه.

عاد سليمان إلى فلسطين في عام 1994، ثم أخرج فيلمه الروائي الطويل «سجل اختفاء» عام 1996، ويلعب سليمان دوره في تجسيد عودته إلى فلسطين، ويعرض حياته اليومية في الناصرة، وقد فاز بجائزة أفضل فيلم سينمائي في مهرجان البندقية السينمائي عام 1996، بالإضافة إلى جوائز من مهرجان سياتل السينمائي الدولي ومهرجان القارات الثلاث في العام نفسه.

ومن أشهر أفلام سليمان هو «الزمن الباقي»، الذي صُنع في عام 2009، وهو أشبه بسيرة ذاتية مستوحاة من سيرة والديه، ويوميات والده كمقاتل أثناء مرحلة إنشاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، وقد شارك الفيلم في مهرجان كان عام 2009، وعُرض في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، ومهرجان الشرق الأوسط السينمائي في أبو ظبي، أما آخر أفلام سليمان فهو فيلم «لا بد أنها الجنة» والذي صدر عام 2019، وكعادة سليمان يتميز الفيلم بالفكاهة، والسوداوية، ويظهر سليمان في الفيلم صامتًا، لا ينطق سوى جملة واحدة (أنا من الناصرة)، ويتنقل من فلسطين، إلى باريس، ومنها إلى نيويورك، وبقاع العالم في عينيه يتحول إلى فلسطين، وشهد مهرجان كان السينمائي العرض الأول للفيلم.

2- هاني أبو أسعد.. الفلسطيني المهاجر

هو مخرج من مواليد فلسطين، هاجر إلى هولندا وهو في عمر 19 عامًا، وقد أنتج أفلامًا وثائقية مثل أيام طويلة في غزة لـ«بي بي سي»، وقد كتب أبو أسعد وأخرج أول فيلم له في عام 1992 بعنوان «بيت الورق»، ويحكي الفيلم عن مغامرات فتى فلسطيني عمره 13 عامًا، يحاول أن يبني منزله الخاص، بعد أن دمر الاحتلال منزل عائلته.

فاز الفيلم بالعديد من الجوائز في المهرجانات الدولية. وفي العام الثاني أنتج هاني فيلم «حظر تجول» للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، والذي فاز بعدة جوائز، منها الهرم الذهبي في القاهرة، وأخرج أبو أسعد أيضًا فيلم «الناصرة 2000»، وفيلم «عرس رنا» عام 2002، الذي يحكي قصة فتاة فلسطينية في السابعة عشرة من عمرها تريد الزواج من الرجل الذي تختاره، واختير الفيلم في أسبوع النقاد في عام 2002 في مدينة كان، وفاز بجوائز في مونبلييه، ومراكش، وباستيا، وكولونيا.

أما الفيلم الأشهر لأبي أسعد فهو فيلم «الجنة الآن» الذي صُور في عام 2004، ويحكي عن شابين فلسطينيين على وشك تنفيذ عملية فدائية. وكان العرض الأول للفيلم في مهرجان برلين السينمائي عام 2005، حيث حصل على جائزة الملاك الأزرق لأفضل فيلم أوروبي. وفي عام 2006 نال الفيلم جائزة جولدن جلوب لأفضل فيلم بلغة أجنبية. وفي عام 2013 صنع أبو أسعد فيلم «عمر» عن قصة حب مأساوية بين شاب وفتاة تدور أحداثها في فلسطين المحتلة. وفاز بجائزة لجنة التحكيم في إحدى مسابقات مهرجان كان 2013.

3- مهدي فليفل.. لاجئ في عالم ليس له

مخرج فلسطيني دنماركي، ولد في دبي، ونشأ في مخيم للاجئين في لبنان، وانتقل إلى الدنمارك عام 1988. وتشترك أفلامه في تناول فكرة اللجوء، وكان يقول في فيلمه الأول: «عندما كنت طفلًا كانت زيارة مخيم عين الحلوة بالنسبة لي يمثل سعادة أكثر من ديزني لاند».

يقول مهدي إن أفلامه تتميز بالنوستالجيا التي يحملها المنفى، وهي تمثل حكايته الشخصية أيضًا، وقد حمل الفيلم الأول اسم «عالم ليس لنا»، وصدر في عام 2012، وحصل على 30 جائزة من مهرجانات مختلفة، بينما حصل في عام 2016 على جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي عن فيلمه القصير «رجل يعود».

رُشحت أفلام فليفل لـ95 جائزة فيلم دولي، وفازت بأكثر من 50 جائزة، وشارك في مهرجان ياماجاتا، وهو من أشهر المهرجانات الوثائقية العالمية، أما فيلمه القصير «رجل يغرق» الذي نفذه عام 2017، وشارك في مهرجان كان السينمائي الدولي فهو من أكثر أفلامه حزنًا، فيحكي عن شاب يعيش في المنفى، تضطره ظروفه، وواقعه الأليم أن يبيع جسده للذئاب المفترسة.

4- مي المصري.. وحكايات من سجن النساء

مي المصري هي مخرجة فلسطينية، درست في سان فرانسيسكو، وأخرجت مجموعة من الأفلام حازت 90 جائزة دولية؛ إذ شكلت مع زوجها الراحل، جان شمعون، ثنائية لصناعة أفلام عُرفت بالمقاومة مثل «تحت الأنقاض»، و«زهرة القندول»، و«بيروت- جيل الحرب»، و«أحلام معلقة».

وقد كتبت عن مي فيكتوريا بريتن كتاب «الحبُّ والمقاومة في أفلام مي المصري»، وتقول عنها إنها كرَّست أعمالها لسرد القصص الإنسانية، للنساء والأطفال، والفنانين، والصحافيين، والممثلين، والمزارعين الذين عاشوا حياة الفرح والكرامة في سياق الحروب والسجون ومخيمات اللاجئين.

أخرجت مي عدة أفلام وثائقية مثل «أطفال النار»، (1991) و«أطفال شاتيلا»، (1998)، وفي عام 2015 صنعت الفيلم الروائي «3000 ليلة»، بطولة الفنانة الفلسطينية ميساء عبد الهادي، وهو مبني على قصة حقيقية، وصُنع في سجن حقيقي، ويحكي عن 3 آلاف ليلة شهدتها امرأة فلسطينية، في سجن الاحتلال، ووضعت طفلها في السجن. وبعد 3 آلاف ليلة تخرج لترى ابنها بعد أن أصبح فتى.

صورة من فيلم 3000 ليلة 

5- ميشيل خليفي.. مؤسس السينما الفلسطينية الحديثة

ولد ميشيل خليفي في الناصرة، ثم سافر إلى بلجيكا عام 1970، ودرس الإخراج التلفزيوني، والمسرحي، ويعد خليفي مؤسس السينما الفلسطينية الحديثة، وكان فيلمه «حفل زفاف في الخليل» أول فيلم يُصور داخل فلسطين التاريخية، ويوزع دوليًّا. وحاز جائزة سان سيباستيان عام 1987، وكان فيلمه الوثائقي السابق «الذاكرة الخصبة» (1980) ، أول فيلم فلسطيني يُعرض في مهرجان كان، أما فيلمه الطويل الثاني فحمل اسم «نشيد الأحجار»، وقد أهداه لضحايا الانتفاضة الأولى.

وفي عام 1994 عاد خليفي إلى فلسطين بفيلم حكايات الجواهرجي الثلاثة، ويحكي عن فتى فلسطيني، يفتن بفتاة غجرية وسط الصراع في غزة، وقد سافر هذا الفيلم أيضًا إلى مهرجان كان السينمائي الدولي، ونال عدة جوائز عالمية.

فنون

منذ سنتين
8 أفلام فلسطينية تحكي لك تفاصيل الحياة اليومية في المنافي والداخل المحتل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد