شهدت الجزائر خلال تاريخها الحديث أثناء الثورة، ثم بعد الاستقلال، عمليات اغتيال سياسيّة يكتنفها الغموض، ولم تتكشّف الكثير من ملابساتها لحدّ الآن، راح ضحيّتها سياسيّون مؤثّرون داخل المشهد الجزائري. إذ ظلّ سلاح الاغتيال مستعملًا في أغلب المراحل السياسيّة التي شهدتها البلاد خلال الثورة التحريريّة، ثم بعد الاستقلال.

في التقرير التالي نتطرّق إلى خمس من أكثر عمليّات الاغتيال تأثيرًا في تاريخ الجزائر الحديث، إذ يؤرّخ كل اغتيال إلى مرحلة سياسيّة مهمّة مرّت بها البلاد والظروف السائدة فيها، وتأخذنا في رحلة لأبرز الأحداث السياسيّة المؤثّرة التي مرّت عليها الجزائر منذ أيّام الثورة إلى سنوات الاستقلال الأولى وحتّى «العشرية السوداء».

«سجن العقرب الجزائري».. سجن الحراش من مُعتَقلٍ للثوار إلى نُزل رجال النظام

 

1- اغتيال عبان رمضان.. الخطيئة الأصلية

لعلّ عمليّة اغتيال عبان رمضان هي إحدى أكثر الجرائم إثارة للجدل في التاريخ الجزائري الحديث، فإلى جانب ثِقل الشخصيّة، كونه كان في مرحلة ما من الثورة التحريرية (1954-1962) رجُلها الأوّل، وكون العمليّة مثّلت سابقة في تصفية الخصوم السياسيين داخل الثورة، فإن النقاش حول الاغتيال لا يزال محتدمًا إلى اليوم، بل إنّ هنالك جناحًا داخل المجاهدين القدماء لا يزال يدافع عن العمليّة، ويعتبر أنّها كانت ضروريّة لـ«حماية الثورة».

كان عبان رمضان قبل الثورة يناضل في «حزب الشعب» الذي انشقّ بعض أعضائه من أجل تفجير الثورة. لم يكن عبان من بين القيادة التي حضّرت للثورة، لأنه كان آنذاك مسجونًا بسبب نشاطه السياسي، لكن صعوده السياسي داخل «جبهة التحرير» سيكون سريعًا وخاطفًا، تمامًا مثل رحيله. وترجع وقائع التحاق عبان بالثورة إلى سنة 1955 فبعد اتصال كريم بلقاسم به أصبح طريق عبان رمضان شبه ممهد ليصبح «زعيم الثورة الأوحد» حسب تصوّره، خصوصًا بعد اعتقال الوفد الخارجي، ووفاة كل من ديدوش مراد وبن بولعيد، أعضاء مجموعة الخمسة الذين فجّروا الثورة.

عبان رمضان

مشروع عبان رمضان الأكبر في الثورة كان «مؤتمر الصومام»، الذي لا يزال الجدل قائمًا بشأنه لحدّ الآن، بين من يرى أنّه أعطى الثورة الجزائرية الجانب التنظيمي والهياكل السياسية والعسكرية التي كانت تفتقد إليها بشدّة عندما اندلعت قبلها بسنتين، وبين من ينتقده هو وصاحبه باعتباره «غير شرعي»، بسبب عدم مشاركة جميع الولايات التاريخيّة فيه، أو بسبب التوجّه الأيديولوجي الحداثي لمُهندسه عبان رمضان؛ إذ يرون أن هذا التوجّه قد ألقى بظلّه على مُخرجات المؤتمر.

بعد المؤتمر بدأت الخلافات تنشأ بين الجناح السياسي ممثّلًا في عبان رمضان، والجناح العسكري داخل الثورة بقيادة «الباءات الثلاث»؛ كريم بلقاسم، بن طوبال، بوالصوف. وقد وصلت هذه الخلافات إلى درجة الصراع اليومي الذي كان يتدخّل لحلّه بعض المناضلين مثل فرحات عبّاس. إلى أن اتخذ الباءات الثلاثة قرارًا بوقف هذا الصراع تمامًا، عن طريق تصفية عبان، التي تمّت في المغرب سنة 1957، ليخرج العنوان الرئيس لـ«جريدة المجاهد» التابعة لجبهة التحرير معلنًا: «عبان رمضان يسقط في ساحة الشرف».

جريدة «المجاهد» قالت إن عبان رمضان «سقط في ميدان الشرف»

حتى يومنا هذا لا تزال وقائع الاغتيال يكتنفها الكثير من الغموض، كما أنّ سيرة عبان رمضان قد شهدت تعتيمًا كبيرًا عليها من طرف النظام، سواء في الصحافة أو في البرامج التعليميّة وغيرها، رغم لعِبه في مرحلة الثورة أحد أهم الأدوار السياسيّة من خلال هندسته لـ«مؤتمر الصومام»، والذي كان لحظة فارقة في تاريخ الثورة الجزائريّة.

2- اغتيال بلقاسم كريم.. الثورة تأكل أبناءها

مسلسل الاغتيالات داخل معسكر الثورة وبين من حملوا السلاح يومًا جنبًا إلى جنب ضد الاحتلال الفرنسيّ لم يتوقّف بعد نيل الاستقلال، ولم يسلم الطرف الذي استخدم سلاح الاغتيالات أثناء الثورة من نارها فيما بعد. في 18 أكتوبر (تشرين الأوّل) سنة 1970، أي بعد ثماني سنوات كاملة بعد الاستقلال، وُجد كريم بلقاسم، أحد أعضاء «مجموعة الخمسة» التاريخية التي فجّرت ثورة الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 1954 مخنوقًا في غرفة أحد الفنادق بمدينة فرانكفورت الألمانيّة.

Embed from Getty Images

كريم بلقاسم رفقة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ

كريم بلقاسم كان أحد أبرز المناضلين في «الحركة الوطنيّة الجزائرية»؛ إذ التحق بالعمل المسلّح حتى قبل الثورة منذ سنة 1948، واستقرّ في الجبال هاربًا من ملاحقات القوّات الفرنسية. ثم عُيّن مع اندلاع الثورة قائدًا لها في الولاية التاريخيّة الثالثة (منطقة القبائل)، وشغل العديد من المناصب داخل «جبهة التحرير» خلال الثورة، بالإضافة إلى مشاركته في «مفاوضات إيفيان» التي مهّدت لاستقلال الجزائر، وكان أيضًا أحد مهندسي «مؤتمر الصومام» إلى جانب عبان رمضان، قبل أن يحتدم الصراع بين الطرفين فيما بعد، وينتهي نهاية دمويّة باغتيال عبان رمضان.

 مع اقتراب لحظة الاستقلال، كانت الصراعات حول السلطة تحتدم بشدّة داخل معسكر الثورة بين طرفين أساسيّين: جيش الحدود بقيادة بومدين، والحكومة المؤقّتة. وبعد انتصار جناح جيش الحدود بقيادة كل من بومدين وبن بلّة على جناح الحكومة المؤقّتة، ترك كريم بلقاسم الحياة السياسية مستقرًّا في فرنسا، ومن هناك حاول النشاط السياسي من خلال تأسيسه لحركة تسمّى «الحركة الديمقراطية للثورة» سنة 1967 تهدف إلى إسقاط النظام في الجزائر.

الأمر الذي جعل النظام يردّ على هذه الخطوة بإصدار حكم الإعدام غيابيًّا، ليُعثر عليه في أكتوبر 1970 ميّتًا في إحدى غرف فندق بمدينة فرانكفورت الألمانيّة، وتتجّه الكثير من أصابع الاتهام إلى النظام الجزائري. ولعل اغتيال كريم بلقاسم يعطي نظرة حول المراقبة التي تعامل بها نظام الجزائري في مرحلة ما بعد الاستقلال مع معارضيه، حتى ولو كانوا من قيادات الثورة التي أعطت الاستقلال للجزائر.

3- علي مسيلي.. تصفية مُهندس التوافق التاريخي

في إحدى المسيرات الطلاّبية المنعقدة كلّ ثلاثاء منذ انطلاق الحراك الشعبي في الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، التقطت الكاميرات إحدى الطالبات وهي تحمل كتابًا ذا غلاف أسود شاهرة إيّاه في وجه رجال الشرطة، وبينما قد يؤوِّل البعض هذه الحركة باعتبارها ترمز لمقاومة السلطة من خلال العِلم أو القراءة، إلا أنّ موضوع الكتاب يوحي برسالة أعمق من ذلك. عنوان الكتاب الذي حملته الطالبة هو «قضيّة مسيلي»، لمؤلّفه المناضل في «جبهة التحرير»، ثم «جبهة القوى الاشتراكية» حسين آيت أحمد، ويحكي فيه قصّة اغتيال المناضل في «حزب جبهة القوى الاشتراكيّة»، علي مسيلي.

اغتيال مسيلي

طالبة جزائرية ترفع كتاب «قضيّة مسيلي» خلال إحدى التظاهرات

ويرى مراقبون أن عملية الاغتيال تكشف عن حجم التحالف بين شبكات المصالح والاستخبارات بين الجزائر وفرنسا، والتي راح ضحيّتها علي مسيلي الذي كان يسبّب الإزعاج للطرفيْن. اغتيل علي مسيلي في العاصمة الفرنسية باريس في السابع من أبريل (نيسان) 1987، ولكن اغتياله لم يُحدث أيّ سكون في الوضعية السياسية داخل البلاد.

فبعد شهور قليلة من الاغتيال، كانت البلاد على موعد مع أحداث أكتوبر 1988، والتي أحدثت هزّة شديدة داخل النظام الجزائري الذي سارع لإجراء إصلاحات سياسية وفتح المجال لحريّة الإعلام والأحزاب والجمعيّات، ليبدأ فصل جديد من فصول تاريخ الجزائر المستقلّة، المثخن بالجراح والدماء.

4- بوضياف.. أن تقتُل رئيسًا أمام الكاميرات

عندما عاد محمّد بوضياف إلى أرض الوطن بعد أكثر من 30 سنة من الغياب، أخذ نفسًا عميقًا من هواء البلاد التي كان على رأس ثورتها ذات فاتح من نوفمبر 1954. الثورة التي جلبت الاستقلال وطردت الاحتلال الفرنسي، لكنها أيضًا الثورة التي أكلت أبناءها والتي أتت بنظام عسكري حكم بيد من حديد بقيادة بن بلّة، ثم بومدين، ثم الشاذلي بن جديد، إلى غاية انفجار الأوضاع في الخامس من أكتوبر 1988.

وذلك عندما اضطرّ الرئيس الشاذلي بن جديد لإجراء إصلاحات عميقة مثل إلغاء نظام الحزب الواحد، وفتح المجال للأحزاب والجمعيات، وحريّة الصحافة، وإجراء أول انتخابات حرّة فاز فيها الاسلاميّون باكتساح، ليقرّر الجيش إيقاف الانتخابات، ويستقيل بن جديد تاركًا شغورًا كارثيًّا على رأس السلطة، سعى الجيش لملئه بشخصيّة تاريخيّة تحظى بالشرعية الثورية، وكان بوضياف هو الرجل المناسب.

اغتيال بوضياف

الرئيس بوضياف وخلفه وزير الدفاع السابق خالد نزّار

 ورغم رفضه المطلق في البداية، إلاّ أن الوسطاء كانوا قد لعبوا على وتر الوطنيّة، وأن نداء الوطن يناديه من جديد في هذا السنّ المتقدّم، وهي الحيلة التي كان من المؤكّد أن يقع في شراكها مناضل أمضى سنوات شبابه كلّها في الحركة الوطنية، ثمّ الثورة التحريريّة.

عاد محمد بوضياف إلى أرض الوطن رئيسًا لـ«المجلس الأعلى للدولة» وسط ظروف سياسيّة مشتعلة بعد إلغاء الجيش لنتائج الانتخابات والزجّ بأعضاء حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في السجون والمحتشدات، وهو ما شكّل بداية المواجهات العنيفة بين الإسلاميين والعسكر، أو ما يُعرف بالعشرية السوداء.

لكن ومع بداية هذه المواجهة، كانت هنالك مواجهة لا تقلّ أهميّة تحدث داخل دواليب السلطة نفسها، إذ إنّ الرئيس الجديد الذي أتى به العسكر من أجل إضفاء الشرعيّة على الإجراءات التي تمّ اتخاذها ضد الإسلاميين بدأ في التحرّك خارج الإطار المخطّط له، واكتساب استقلاليّة داخل السلطة وشعبيّة في الشارع، وبدأ في الحديث عن تطهير الدولة ومحاربة الفساد، لتكثر التأويلات والتكهّنات فيما بعد عن السبب الرئيس لاغتيال الرئيس.

وبينما كان يخطب في إحدى القاعات بمدينة عنّابة شرق البلاد بعد ستّة شهور فقط من عودته إلى الجزائر قادمًا من المغرب واعتلائه سدّة الحكم، وأمام أنظار كاميرات العالم الحاضرة حينها لنقل خطابه، انطلق صوت الرصاص مدوّيًا من خلف الستار الأحمر، مخترقًا جسده العجوز ليرديه قتيلًا فورًا.

وقد اتُّهم حينها رسميًّا أحد أفراد حراسة الرئيس المقرّبين، ويدعى مبارك بومعرافي بارتكاب الجريمة، كما نشرت عائلة بوضياف رسالة منسوبة إلى بومعرافي أرسلها إليهم يعترف فيها بجريمته ويعزّي فيها العائلة، ويبرّر الجريمة بأسباب دينيّة توحي بانتمائه إلى التيار الإسلامي. ولا تزال عائلة بوضياف، ممثّلة في ابنه ناصر بوضياف يطالبون بالكشف عن حقيقة مقتل «الرئيس»؛ إذ اتّهم ناصر بوضياف رسميًّا القيادة الأمنية والعسكريّة، ممثّلة في كلّ من وزير الدفاع السابق خالد نزّار ورئيس جهاز المخابرات الجنرال توفيق، والتي كانت تحكم البلاد حينها، بتصفية والده.

5- حشاني.. اغتيال صوت العقل

لعلّ الجزائر في سنة 1999 كانت تودّع سنوات التسعينات الكئيبة التي اتّسمت بعنف ودماء ووحشيّة شديدة، مُستقبلة ألفيّة جديدة برئيس جديد (بوتفليقة) تأمل أن يكون هو المخلّص من الدوّامة الدموية التي غرقت فيها منذ إيقاف المسار الانتخابي في يناير (كانون الثاني) 1992، لكن سنة 1999 لم تنتهِ قبل أن يتأزّم المشهد السياسي أكثر فأكثر، وذلك إثر الاغتيال الذي طال أبرز وجه لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» موجود خارج السجن، والذي يوصف بأنّه أكثرهم عقلانيّة واعتدالًا.

Embed from Getty Images

اتّجه عبدالقادر حشّاني، الرجل الثالث في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» ورأسها الفعلي بعد سجن كلّ من عباسي مدني وعلي بن حاج، في صبيحة أحد الأيّام إلى عيادة الأسنان في حي باب الواد بالجزائر العاصمة، وبينما هو ينتظر دوره في قاعة الانتظار، اخترقت رصاصتان رأسه، وأردتاه قتيلًا في 22 نوفمبر 1999.

وقد أحدثت عملية الاغتيال حينها جدلًا كبيرًا حول أسباب الجريمة والواقفين وراءها، خصوصًا وأنّ الضحيّة كان محسوبًا على الجناح المعتدل من «جبهة الإنقاذ» بشهادة كثيرين، مثل أحمد طالب الإبراهيمي وآيت أحمد ومهري، وهو ما عنى أن إبعاده عن المشهد هديّة مجّانيّة للأصوات الأكثر تطرّفًا داخل التيار الإسلامي في مرحلة حسّاسة كانت الجزائر تبدأ فيها مرحلة جديدة بقيادة سياسيّة جديدة ممثّلة في الرئيس بوتفليقة.

ويبدو التوجّه السياسي لحشّاني متفرّدًا داخل «جبهة الإنقاذ»، ففي ظلّ الاستقطاب والصداميّة الشديدة بين مختلف التيارات السياسيّة خلال بداية التسعينات بعد فتح العمل الحزبي، كان حشّاني يعمل على تغليب منطق التقارب مع الحركات السياسيّة الأخرى.

فقد أجرى حشّاني العديد من الحوارات ومحاولات التوافق والتنسيق مع الشخصيات السياسيّة الوطنيّة من التيارات الأخرى مثل آيت أحمد من «جبهة القوى الاشتراكية» ومهري «جبهة التحرير»، وحتى طالب الإبراهيمي الذي اتّفق مع حشّاني حول مخارج محتملة للأزمة السياسيّة وتقديم تنازلات من طرف الجبهة الإسلامية، من أجل إعطاء ضمانات سياسيّة وإنجاح الانتقال الديمقراطي، حسب طالب الإبراهيمي في برنامج «شاهد على العصر».

الكثير من الغموض لا يزال يكتنف عملية اغتيال حشّاني والأسباب الرئيسة لها، بين من يرى أنّه كان يزعج النظام السياسي الذي أراد تصوير «الجبهة الإسلاميّة» باعتبارها جماعة إرهابيّة، وبين من يرى أن الدافع قد يكون هو شهادته على «المجزرة» التي وقعت داخل سجن سركاجي بالعاصمة، والمتورّطين فيها.

وبعد وصول نبأ الاغتيال إلى رئيس «حزب جبهة القوى الاشتراكيّة» آيت أحمد، كتب بيانًا شديد اللهجة ضد الحادثة وقال في آخره: «قد هدمتم باغتياله جسرًا لبناء جزائر الغد جزائر التوافق والحرية و الديمقراطية».

وقد اتُّهم رسميًّا فؤاد بولمية (28 عامًا) بارتكاب العملية وحيازة سلاح الجريمة وأوراق ثبوتية تعود لحشّاني، وأشارت الصحافة حينها إلى انتمائه سابقًا إلى إحدى الجماعات المسلّحة (الجماعة الإسلاميّة المسلّحة) التي كُشف فيما بعد أنها كانت مخترقة من طرف الأجهزة الأمنية الرسميّة إلى حدّ كبير، وقد طالبت عائلة حشّاني بإعادة المحاكمة، واعتبروا بولمية بريئًا من الجريمة تمامًا.

كيف يفسر الاقتصاد صعود عملة الجزائر رغم التوترات السياسية؟

المصادر

تحميل المزيد