الزمان: الأربعاء التاسع من أبريل (نيسان) عام 2003. المكان: العراق

لم يكن يومًا عاديًا، ليس في العراق فحسب، بل في العالم بأسره؛ يوم إسقاط تمثال الرئيس العراقي السابق صدام حسين، أو سقوط الصنم، كما يحلو للبعض تسميته على يد جندي أمريكي اعتلى التمثال في ساحة الفردوس وسط بغداد، ثم ما لبثت دبابة أمريكية أن أزاحته، لم يُرَدْ بإزاحة التمثال إذلال صدام حسين فحسب، بل إعلانًا عن سقوط بغداد، وإزاحة بلد قوي من خارطة الدول العربية؛ ليبدأ التاريخ تسجيل فصول معاناة جديدة في نظر أغلب المراقبين سيعيشها العراقيون لسنوات عجاف لا يعلم أحد متى تنتهي بعد مرور 14 عامًا على الغزو.

مقدمات الغزو

لم يكن اتهام العراق بحيازة أسلحة الدمار الشامل هو السبب الوحيد الذي دفع بالولايات المتحدة إلى غزو العراق، بل أيضًا ادعاء الإدارة الأمريكية في حينها بأن العراق حليف لتنظيم القاعدة، الذي تبنى هجمات الـ 11 من سبتمبر (أيلول) 2001، بعد أشهر على الغزو كشفت تقارير عديدة عن التحريض على غزو العراق من طرف مسؤولي شركات نفط أمريكية، كان من بينها مجموعة هاليبيرتون النفطية العملاقة التي كان ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش يتولى إدارتها حتى عام 2000.

في الساعة السابعة وعشرين دقيقة بتوقيت واشنطن من يوم الأربعاء التاسع عشر من مارس (آذار) عام 2003، وبعد ساعة ونصف الساعة من انتهاء مهلة الـ 48 ساعة التي حددها الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش للرئيس العراقي صدام حسين؛ للتنحي عن السلطة وترك البلاد، بدأت حرب الخليج الثالثة بضربات صاروخية وجوية استهدفت مقرات الرئاسة العراقية بـ 40 صاروخ كروز من سفن وغواصات أمريكية ليعقبها الهجوم البري الأمريكي البريطاني الذي انتهى باحتلال قوات العم سام لعاصمة الرشيد بغداد في ظهيرة التاسع من أبريل (نيسان) بعد 19 يومًا من الحرب ليكشف الستار عن مرحلة جديدة دخلها العراق مع متغيرات كثيرة.


أهم المتغيرات التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق

  1. إبعاد العراق عن الساحة الإقليمية والدولية

لا يختلف المراقبون على أن كل دول جوار العراق كانت تحسب له ألف حساب سياسيًا وعسكريًا قبل الغزو، لكن الحال تبدل بعده؛ إذ يقول الخبير والدبلوماسي الأمريكي جون برينان «إن المشكلة الدبلوماسية تُستَمَدُّ في النموذج العراقي من كون حكّام بغداد بعد 2003 لا يرون غير الطائفة التي تستمدّ شرعيتها من ايران، التي تدعمهم عسكريًا وماديًا لحمل راية التشيع السياسي، وليس دليلًا أدل على ذلك من المشاكل السياسية المستمرة للعراق مع كل من المملكة العربية السعودية وتركيا على مدى أربعة عشر عامًا دون أي خلاف مع إيران التي لم تخل سنة في تاريخ العراق الحديث من مشكلة سياسية معها قبل الغزو عام 2003؛ ما أفضى إلى تبعية العراق لإيران في كل مفاصل السياسة والدبلوماسية، ففشلت الدبلوماسية العراقية، حتى في مسايرة الركب العربي، أو على الأقل اتباع سياسة عدم الانحياز، ومن ذلك موقف العراق من «عاصفة الحزم» في اليمن، فضلًا عن الموقف من التدخل الإيراني في البحرين.

2.   حل الجيش العراقي وإخراجه من المعادلة العسكرية في المنطقة

لم تمض أيام على تعيين الحاكم المدني للعراق بول بريمر حتى أعلن حل الجيش العراقي وكافة المؤسسات الأمنية من جيش وشرطة وأجهزة مخابرات واستخبارات لتشهد البنية التحتية للجيش انهيارًا كاملًا؛ فدمرت المعسكرات ونهبت كل محتوياتها من أسلحة ومعدات وعتاد؛ ليسدل الستار على تاريخ الجيش العراقي الذي كان له دور فعال في جميع الحروب القومية العربية، ليتحول العراق بعدها من نظام التجنيد الإلزامي إلى نظام التطوع والتجنيد الاختياري الذي كان سببًا من أسباب تردي بنيوية الجيش؛ إذ فقد الجيش العراقي أهم أركانه المتمثلة بالكفاءات العسكرية من ضباط وأركان وطيارين، ولتتضح عواقب ذلك في التمرد أو المقاومة بمختلف مشاربها وتوجهاتها التي أعقبت غزو العراق، إذ كان معظم قادة فصائل المقاومة ضباطًا متمرسين في الجيش العراقي قبل الاحتلال.

لم يقف الأمر عند ذلك الحد، فبعد ثلاثة عشر عامًا تخللها إنفاق الحكومات العراقية المتتالية عشرات مليارات الدولارات على تسليح وتجهيز الجيش العراقي الجديد بعد الغزو جاءت المفاجأة بسيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) على مدينة الموصل ثاني كبريات المدن العراقية سكانًا في الـعاشر من يونيو (حزيران)عام 2014 بعد معارك خفيفة استمرت خمسة أيام فقط، شنها بضعة مئات من مقاتلي التنظيم؛ فهزموا ثلاث فرق عسكرية، واستباحوا بعدها ثلث العراق حتى أحدق الخطر ببغداد قبل أن تتمكن الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي من إعادة هيكلة جزئية للجيش ليتخذ زمام المبادرة مدعومًا بالتحالف الدولي.

3. تفكك العراق مذهبيًا ومجتمعيًا

لم يكد يمض عام واحد على الغزو حتى بدأ أتون الفتنة الطائفية يضرب بقوة في العراق بين السنة والشيعة، والتي وصلت ذروتها بتفجير مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في فبراير (شباط) عام 2006، وهما من الأئمة الاثني عشر المقدسين لدى الشيعة، والتي ما زال حادث تفجير هذين المرقدين غامضًا لغاية الآن، بين من يتهم تنظيم القاعدة به، ومن يتهم إيران الشيعية بالوقوف وراءه لتمزيق العراق ولإطلاق يد المليشيات. ثم ما لبثت هذه الفتنة أن تحولت إلى حرب أهلية في عامي 2006-2007 ليقتل خلالها آلاف العراقيين سنة وشيعة حتى وصل عدد القتلى خلال 14 عامًا إلى ما يقرب من مائتي ألف قتيل حسب آخر إحصائية نشرها موقع Iraq body account ولتدمر خلال هذه الفترة عشرات المساجد والجوامع ولتتخذ غالبية مؤسسات الدولة صبغة طائفية؛ حتى عششت هذه الظاهرة في مختلف الأجهزة الأمنية من جيش وشرطة، ولتستمر هذه الحالة بوتيرة متفاوتة حتى ظهور «تنظيم الدولة الإسلامية» وسيطرته على الموصل منتصف عام 2014.

4. فساد أتى على مقدرات الدولة العراقية ونهب ثرواتها

  1. احتل العراق المرتبة 166 من مجموع 176 في مؤشر الفساد، أي ضمن الدول العشر الأكثر فسادًا في العالم حسب مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.

    إذ وصل الفساد في العراق إلى كل مفاصل الدولة، كما ورد في تقرير نشرته «الجارديان» في فبراير (شباط) عام 2016، عنونته بـ«لا أمل في إصلاح الفساد بالعراق».

    وبحسب أرقام جسيمة قد لا يصدقها البعض، نشر موقع «الجزيرة نت» رسمًا توضيحيًا «إنفوجراف» مبنيًا على مقابلات أجراها الموقع مع مسؤولين عراقيين في مكافحة الفساد، حيث يظهر الرسم أن عمليات تهريب النفط الممنهج، والتي تقودها مافيا الأحزاب بمختلف توجهاتها تقدر بين 300-500 ألف برميل يوميًا بخسارة تفوق سبعة مليارات دولار في السنة، فضلًا عن تبديد 30 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية في تطوير إنتاج الكهرباء، في حين لم تتجاوز قدرة العراق الإنتاجية للكهرباء 13000 ميجاواط لغاية الآن مقابل أكثر من 22000 ميجا هي حاجة البلاد على أقل تقدير.


    مصدر الإنفوجراف: الجزيرة.

    فساد يدق في كل مفاصل الدولة ماليًا وإداريًا، إذ يقدر عدد الموظفين الحكوميين في العراق بثلث عدد السكان مقابل بطالة تصل 16% في حين بلغت نسبة الفقر 30% وفق وزارة التخطيط العراقية.

    5. تراجع الصناعة والزراعة

مفقودة هي عبارة «صنع في العراق« منذ عام 2003، فعلى الرغم من أن الصناعة العراقية كانت تشكل ما نسبته 14% من حجم الدخل القومي، وكانت تعد في حينها الأفضل مقارنة مع دول الجوار، إلا أنها شهدت انتكاسة كبيرة بعد الغزو جراء عمليات السلب والنهب التي تعرضت لها المصانع والمعامل، فضلًا عن تدمير ممنهج للبنية التحتية الصناعية، وعدم تشريع قوانين تراعي المنتج المحلي؛ ما أدى إلى إغراق السوق المحلية ببضائع رديئة ومن شتى بقاع العالم مع غياب شبه تام لدور الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية. كانت الصناعة المحلية تدعم الناتج الوطني بنسبة تصل إلى 16% قبل الغزو حسب مؤيد جمال الدين مدير اتحاد الصناعات العراقية، بينما وصلت في عام 2014 إلى 1.3% مع إغلاق عشرات آلاف المعامل الحكومية والخاصة أبوابها.

العراق أو بلاد الرافدين أو أرض السواد لشدة اخضرار أرضه فيما مضى أضحى اليوم كل شيء فيه مستورد، حتى الفواكه والخضار، حيث وصل الحال بالعراق إلى استيراد أكثر من 58 ألف طن من الفواكه والخضار في شهر واحد، في أبريل (نيسان) من عام 2015 من الأردن التي تعاني أساسًا من شح المياه، وتفتقر لدجلة والفرات اللذين يشقان الأراضي العراقية من الشمال إلى الجنوب.

عوامل عدة أدت إلى تدهور القطاع الزراعي التي تشمل الزراعة والثروة الحيوانية وكان أولها التقصير الحكومي تجاه الزراعة والمزارعين وعدم الاعتماد على الميكنة الحديثة، فضلًا عن الهجرة الكبيرة من الريف إلى المدينة التي أعقبت الغزو وعدم تقنين الاستيراد الذي أضر بالمزارع المحلي.

صحيح أن الغزو الأمريكي للعراق انتهى رسميًا في الـ 18 من ديسمبر (كانون الأول) 2011 وفق اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع العراق، إلا أن ما خلفه هذا الغزو ربما لم ينته بخروج الغازي بحسب العديد من المراقبين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد