3,617

في السادس من ديسمبر (كانون الأول) 2017، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتراف الولايات المتّحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، ويبدو أن الرجل نفذ وعده الرئاسي في وقت مثالي، اختاره بعناية، ليُخفف بشكل كبير من وطأة ردود الأفعال المحتملة من الدول العربية، والدّول ذات الأغلبية المسلمة الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط، التي انشغلت أكثر بمحاربة الإرهاب عن مواجهة إسرائيل، فلم يتعدّ تفاعلها مع القرار إجمالًا عبارات الاستنكار والشجب له دون اتخاذ مواقف حاسمة ترقى إلى مستوى الحدث، أو حتى تأثير فعلي على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية القائمة بين دول مصر والسعودية، وتركيا وإيران من جهة، وبين أمريكا وإسرائيل من جهة أخرى.

من ناحية تعيش مصر عصرًا ذهبيًا مع إسرائيل في عهد الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، ومن ناحية أخرى فالسعودية تنسق مع إسرائيل سرًا وتشتكي من إيران، وإيران أكثر انشغالًا بإدارة صراعاتها المذهبية في الأراضي العربية. كما خفّفت تركيا توتر علاقتها مع واشنطن، وطبّعت مع إسرائيل، وترامب قد أنهى مؤخرًا «صفقات كبرى» في منطقة الخليج، تعدت قيمتها 420 مليار دولار. كل هذه عوامل ساعدت في تقليص ردة الفعل في المنطقة على قرار بحجم اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.

1- عصر ذهبي بين مصر وإسرائيل في عهد السيسي

في الثالث من يوليو (تموز) 2013،  أعلن السيسي الذي كان وزيرًا للدفاع في مصر، في بيان للقوات المسلحة، عزله للرئيس محمد مرسي، ومنذ الأيام الأولى لذلك البيان بدا الاحتفاء الإسرائيلي كبيرًا مؤكدين ضرورة دعم السيسي، أبزر هؤلاء المحتفين كان إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، الذي أكد مرارًا وتكرارًا دعم إسرائيل للسيسي، داعيًا العالم لتأييده، كما دعا الإسرائيليين لإخفاء دعمهم له حتى لا يُحرجه أمام قاعدته الشعبيّة، عندما قال في لقاء صحافي، في التاسع من أغسطس (آب) 2013: «نحن لا نعتبر أنفسنا من اللاعبين، أعتقد أن العالم بأسره يجب أن يدعم السيسي، ربما إذا دعمناه نحن فسوف نحرجه ولن يساعده ذلك، ولكن السيسي والقيادات الليبرالية مثل البرادعي يستحقون دعم العالم الحر».

وعاد باراك مرة أخرى، في مايو (أيار ) 2014، قبيل الانتخابات الرئاسية المصريّة في 2014، ليدعو أمريكا لدعم السيسي وعدم انتقاده علانية حتى يصبح رئيسًا للجمهورية، مُضيفًا: «يتعين على الولايات المتحدة في بعض الأحيان التنازُل عن قيم الدفاع عن الحرية والديمقراطية بهدف حماية مصالحها»، ولفت في نفس الكلمة التي ألقاها في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أنه «شعر بالفرح» بعد تدخل الجيش لاعتقال الرئيس المعزول مرسي، وإخراج الرئيس المخلوع حسني مبارك من السجن.

وفي سبتمبر (أيلول) 2015، أعادت إسرائيل افتتاحها لسفارتها بالقاهرة، بعد إغلاقها لمدة أربع سنوات، إثر اقتحام المتظاهرين لها في سبتمبر 2011، عقب قتل قوات الاحتلال الإسرائيلية خمسة جنود مصريين، ليرفرف العلم الإسرائيلي في مصر مجددًا.

ودخلت العلاقات المصرية الإسرائيلية في عهد الرئيس السيسي، ما يُمكن تسميته بـ«شهر عسل»، على حد وصف صحيفة تايمز أوف إسرائيل، تضمنت زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري للقدس المحتلة، في واقعة غير مسبوقة منذ ثورة 25 يناير (كانون الأول) 2011، ذلك بالإضافة إلى حضور شكري عزاء الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز قائد مذبحة قانا، في واقعة أثارت الجدل والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي.

وشهدت تلك العلاقة بين البلدين  تنسيقات متبادلة في ملفات مختلفة، تضمنت تعاونًا إسرائيليًا مع مصر في المجال العسكري بدلًا من المواجهة المتبادلة، ويشيد بين الحين والآخر عدد من المسؤولين الإسرائيليين السابقين والحاليين بالإضافة إلى الصحف الإسرائيلية بتلك العلاقة.

اقرأ أيضًا: كيف أصبحت القاهرة الصديق الحميم لتل أبيب؟

«الأمر لا يتعلقُ بعلاقة عاطفية وإنما بتقاسم قيم مشتركة».

في يوليو 2016، قال السفير الإسرائيلي في القاهرة حاييم كورين، بوضوح: «إنّ هذه واحدة من أفضل الفترات من حيث التعاون بين الحكومتين» قاصدًا حكومتيْ مصر وإسرائيل، في تعبير مشابه لما ذكره يائير جولان نائب قائد الجيش الإسرائيلي، عندما قال: إن العلاقات الإسرائيلية المصرية «لم تكن أفضل حالًا مما هي عليه اليوم»، مضيفًا في تصريحات لصحيفة هآرتس الإسرائيلية، «إن الأمر لا يتعلقُ بعلاقة عاطفية، وإنما بتقاسم قيم مشتركة». أكّد السفير الإسرائيلي أيضًا حالة التعاون الجيدة بين الجيشين و«التفاهمات حول سيناء».

Embed from Getty Images
وزير الخارجية المصري سامح شكري يلتقي بنتنياهو في القدس المحتلة.

وفي التفاصيل، كشف مسؤول إسرائيلي سابق تنفيذ سلاح الجو الإسرائيلي غارات جوية من طائرات بدون طيار في شبه جزيرة سيناء، خلال السنوات الأخيرة، بعد علم النظام المصري وموافقته عليها، وقال المسؤول الإسرائيلي السابق تلك التصريحات لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في 11 يوليو 2016؛ الصحيفة ذاتها أكدت في تقريرها أنه منذ تسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في مصر عام 2013: «دخل البَلَدَان شيئًا يشبه العصر الذهبي في العلاقة بينهما»، واصفةً العلاقات الاستخباراتية بينهما بـ«الوثيقة».

وذكرت الصحيفة الإسرائيلية: «إن إسرائيل قد سمحت لمصر بتحريك أسلحة ثقيلة من دبابات ومدفعيات ومروحيات هجومية إلى داخل سيناء لمحاربة المتطرفين»، مع غض الطرف عن بعض البنود في معاهدة السلام (كامب ديفيد) التي وقعت بين البلدين عام 1979، على حد تعبير الصحيفة الإسرائيلية.

وهو ما أكدته أيضًا صحيفة «إسرائيل إنترناشيونال نيوز» في تقرير لها يعود إلى أبريل (نيسان) 2016، لفتت فيه إلى أن إسرائيل خففت في السنوات الأخيرة من تمسكها بشروط معاهدة السلام، فيما يخص تعداد القوات المصرية المسموح به في المعاهدة؛ من خلال السماح لمصر بإرسال قوات لها في شبه جزيرة سيناء لـ«محاربة التمرد الإرهابي المستمر هناك».

واستشهدت الصحيفة بأن إسرائيل «سمحت لمصر» بإرسال المزيد من قواتها إلى سيناء لمواجهة الاضطرابات التي تبعت الإطاحة بالرئيس المعزول مرسي، كما لفتت الصحيفة إلى أن طائرات سلاح الجو المصري، مرت في ديسمبر (كانون الأول) 2015، عبر الأجواء الإسرائيلية جزءًا من حملة عسكرية مصرية ضد جماعة «ولاية سيناء».

اقرأ أيضًا: «بتنسيق مصري».. تاريخ المواجهات العسكرية بين إسرائيل و«ولاية سيناء»

وفي الوقت الذي تفاجأ فيه الشعب المصري بإبرام السيسي في أبريل 2016 اتفاقية ترسيم حدود، تتضمن تنازلًا عن ملكية مصر لجزيرتي تيران وصنافير للسعودية: أفادت صحف إسرائيلية بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اطلع على الاتفاقية قبل إبرامها بأسبوعين.

ويبدو أن التنسيق المصري-الإسرائيلي لم يتوقف عند هذا الحد، فمع الرفض المصري المعلن لقرار ترامب؛ جاء القرار «بالتنسيق المسبق مع المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، قرار كهذا لم يكن سيُتخذ دون إجراء كافة الاحتياطات اللازمة، منطقة الشرق الأوسط تشهد الآن تغييرات جذرية سيدفع ثمنها الفلسطينيون؛ إذ يعد التصدي لدولة إيران العدوانية، هو الأهم في تلك الفترة لحلف الدول السنية المعتدلة، ولم تعد القضية الفلسطينية مطروحة على الساحة»، بحسب ما علق به محرر الشؤون العربية بالقناة العاشرة الإسرائيلية. ومع الرفض الرسمي المعلن لمصر، فإن الحكومة المصرية اعتقلت عددًا من المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع دعمًا لعربية القدس عقب قرار ترامب، قبل أن تفرج عن بعضهم وتبقي آخرين قيد الاحتجاز.

السعودية تدردش «Inbox» مع إسرائيل وتشتكي من إيران

في الوقت الذي اندلعت فيه تظاهرات تحتج على قرار ترامب، والمؤيدة لعربية القدس في مصر وعدد من الدول العربية وذات الأغلبية الإسلامية، لم تعتقل السعودية مثلما فعلت مصر محتجين على القرار، لأن مظاهرات شعبية مؤيدة للقدس في السعودية لم تحدث بالأساس، وهو رد فعل يمكن تفسيره بالإجراءات الصارمة التي تتخذها المملكة ضد المتظاهرين، من ضمنها سجن استمر أكثر من ثماني سنوات لسعودي تظاهر سلفًا ضد الغارات الإسرائيلية على غزة.

وسبق قرار ترامب أجواء تمهيدية لعلاقات سعودية إسرائيلية، من شأنها أن تُضعف ردة الفعل السعودية تجاهه، تلك الأجواء التمهيدية التي ظهرت على السطح بشكل أكبر بعد إبرام اتفاقية تيران وصنافير، تلك الاتفاقية التي خلقت «وضعية جديدة في البحر الأحمر، هي أكثر أريحية لإسرائيل. لأن مضيق تيران – الذي تعبر منه السفن الإسرائيلية باتجاه ميناء إيلات – كان خاضعًا للسيادة المصرية بالكامل. أما الآن فقد تحول إلى ممر دولي»، بحسب ما قال المحلل السياسي الإسرائيلي إيلي نيسان.

في حين أفادت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، بأن الاتفاقية التي تضمنت موافقة تل أبيب عليها «تشير على الأرجح إلى استمرار الاتصالات السرية والمصالح المشتركة ما بين السعودية وإسرائيل»، ويبدو أن تلك التصريحات لا تنفصل عن احتفاء إسرائيل ونتنياهو بعلاقات سرية مع دول عربية ليس بينها وبين تل أبيب ميثاق سلام، في احتفال لوزارة الخارجية الإسرائيلية في سبتمبر 2017، وهي علاقات وصفها نتنياهو بـ«غير المسبوقة تاريخيًا».

اقرأ أيضًا: العشق الممنوع.. هل يكسر ابن سلمان «التابوه» ويقيم علاقات «علنية» مع إسرائيل؟

وقد حاول ترامب نفسه تعزيز ذلك التقارب السعودي الإسرائيلي؛ فبعدما أنهى زيارته إلى الرياض، توجه بطائرته الخاصة إلى تل أبيب، في أول رحلة رسمية جوية معلنة بين البلدين، مُصرحًا: «عدت للتو من السعودية، مشاعر القادة السعوديّين نحو إسرائيل إيجابيّة جدًا».

ومما يُعزز التقارب السعودي الإسرائيلي، هو عداؤهما المشترك لإيران ومواجهة نفوذها الإقليمي في المنطقة، وهو عداء جعل يوفال شتاينش، وزير الطاقة الإسرائيلية يؤكّد في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، قبل أسبوعين من قرار ترامب، يعلن وجود تعاون واتصالات بين إسرائيل والسعودية لمواجهة «خطر إيران المتصاعد»، لافتًا إلى أن السعودية «حريصة أن يبقى ذلك التعاون سريًا».

وهو عداء دفع المملكة أيضًا لتأسيس تحالف عسكري إسلامي، يتكون من 41 دولة عربية وذات أغلبية مسلمة (ليس من بينها إيران): ليس لمواجهة ضد إسرائيل؛ وإنما لـ«محاربة الإرهاب وتنسيق الجهود ضد المتطرفين في العراق، وسوريا، وليبيا، ومصر، وأفغانستان، بحسب الأهداف التي أعلنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ولم تشمل أهدافه تنسيقًا لمحاربة قرارات تبدو «متطرفة» ضد مقدسات إسلامية بحجم مدينة القدس التي أعلنها ترامب عاصمة لإسرائيل.

Embed from Getty Images
ولي عهد السعودية محمد بن سلمان مع عدد من ممثلي التحالف الإسلامي.

ويظهر من أهداف التحالف وتوجهات المملكة أنه موجه أكثر ضد المد الشيعي و(الإرهاب)، كما تُدفع الدول العربية أيضًا بهذا الاتّجاه بعيدًا عن إسرائيل. وقد التفتت صحف إسرائيلية لذلك، وحاولت طمأنة الإسرائيليين من ردة الفعل العربية، ومالت في مجمل تعليقاتها إلى عبارة «لا تخافوا العرب منشغلون بإيران الآن»، وخصّت المملكة تحديدًا بذلك.

اقرأ أيضًا: «لا تخافوا العرب منشغلون بإيران الآن».. كيف قرأت الصحافة الإسرائيلية قرار ترامب؟

3- ترامب أنهى صفقات بأكثر من 420 مليار دولار مع الخليج

قبل اتخاذ ترامب قراره بإعلان القدس عاصمة إسرائيل، كان الرجل قد أنهى صفقات اقتصادية وعسكرية، ضخمة و«تاريخية» مع عدد من الدول الخليجية؛ على رأسها السعودية، وقد بلغت نحو 420.3 مليارًا، وهي صفقات كانت تجد صعوبة في إبرامها بعد القرار الأمريكي بشأن القدس من طرف حكّام بعض الدول، خوفًا على الأقل من الرفض الشعبي لها. ولكن ترامب رفع الحرج عن الحكام، وأبرم الصفقات، ومضى في تنفيذ وعده الانتخابي الذي لم يلتفت إليه حكام تلك الدول عند إبرام تلك الصفقات، أو ربما فضلوا تجاهل ذلك الوعد الانتخابي الذي أعلنه ترامب منذ أن كان مرشحًا للرئاسة الأمريكية.

في مايو (أيار) 2017، أجرى ترامب زيارة للسعودية، أبرم خلالها صفقات طويلة المدى تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 400 مليار دولار، بينهم صفقة أسلحة بلغت 110 مليارات دولار، قد تكون هي الأغلى في تاريخ المملكة. وعقب تلك الزيارة بنحو أسبوعين، وقعت تغيرات كبيرة ودراماتيكية في المنطقة بإعلان السعودية، والإمارات والبحرين ومصر، في الخامس من يونيو (حزيران) 2017 مقاطعتهم «المفاجئة» لقطر؛ مما أدى لـ«أزمة خليجية» لا تزال قائمة حتى الآن.

وخلال تلك الأزمة، وصف ترامب قطر بـ«راع على مستوى عالٍ للإرهاب»، ولكن ذلك لم يمنع واشنطن من إبرام صفقة عسكرية باهظة مع الدوحة، في 14 يونيو 2017، بلغت قيمتها 12 مليار دولار وتضمنت شراء 36 طائرة أمريكية من طراز إف 15 وهي ثاني أغلى صفقة عسكرية تبرمها قطر في عام 2017.

الكويت بدورها، أبرمت هي الأخرى صفقة لشراء طائرات عسكرية مع أمريكا بلغت قيمتها 5 مليارات دولار، وأعلن ترامب عن الصفقة خلال مؤتمر صحافي جمعه بأمير الكويت، صباح الأحمد في 7 سبتمبر 2017، قال فيه إن الصفقة: «ستساهم في تعزيز الأمن المشترك بين البلدين، وستأتي بالمنفعة على الأيدي العاملة في أمريكا».

Embed from Getty Images
مقاتلات «إف- 16» الأمريكية.

ومن جانبها، لم يفت البحرين أن تعقد صفقة سلاح « تاريخية» مع أمريكا بعد أربعة أشهر من اندلاع الأزمة الخليجية، ففي 17 أكتوبر 2017، أعلنت مملكة البحرين توقيع صفقة شراء طائرات عسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية، في صفقة «هي الأكبر في تاريخ سلاح الجو الملكي البحريني من ناحية عدد الطائرات والقيمة»، بحسب الشيخ حمد بن عبد الله آل خليفة، قائد سلاح الجو الملكي البحريني. وبلغت قيمة الصفقة 3.8 مليارات دولار، وبموجب الصفقة، تشتري البحرين 16 طائرة من طراز «إف- 16» بالإضافة إلى عقود توريد لقطع غيار الطائرة بمستلزمات صيانتها.

وعقب قرار ترامب، زار أمس الأحد، وفد بحريني من جمعية «هذه هي البحرين» إسرائيل زيارة علنية ؛« تحقيقًا لرسالة ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة حول التسامح والتعايش والحوار بين الديانات المختلفة». بحسب المشاركين في الوفد، في زيارة استفزت مغردين عربًا، وجاءت وسط احتجاجات شعبية عربية ضد قرار ترامب.

4- إيران منشغلة بإدارة الصراعات الشيعية في الدول العربية

مع أن إيران من أكبر الأعداء المعلنين لأمريكا وإسرائيل، وتتخذ أجنحتها العسكرية الشيعية التي تديرها عبارات «الموت لأمريكا والموت لإسرائيل» شعارًا لها، إلا أن طهران مع انتقادها لقرار ترامب منشغلة أكثر الآن على أرض الواقع بالصراعات الشيعية التي تديرها في المنطقة العربية، من خلال الجماعات المسلحة التي تعمل تحت قيادة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، وتحظى بدعم عسكري وسياسي من إيران.

حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني، منشغلان بتمكين نظام بشار الأسد في سوريا، والحشد الشعبي العراقي المدعوم إيرانيًا منشغل بالصراع في العراق، فيما يتشبث الحوثيون في تمردهم ضد حكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، فأصبحت اليمن بالتحديد أقرب لحرب «بالوكالة» بين إيران والسعودية، التي تقود تحالفًا عربيًا ضد الحوثيين هناك.

Embed from Getty Images
الرئيس الإيراني حسن روحاني.

ومع أن الحرس الثوري الإيراني لديه فيلق يحمل اسم «القدس» يضم تشكيلات عسكرية ترتبط مهامها – بشكل أساسي – بالعمليات العسكرية والاستخباراتية خارج الحدود الإيرانية منذ الثمانينيات، إلا أن عملياته العسكرية لم توجه ضد الإسرائيليين في فلسطين والأراضي المحتلة قطّ، وبعد عام 2011 تركزت مهام الفيلق بشكل أساسي في سوريا والعراق.

ويقود الفيلقَ الفريق قاسم سليماني منذ عام 1998، وبدأت تحركات فيلق القدس في الدول العربية تتخذ منحى مذهبيًا شيعيًا موجهًا ضد السنة، بشكل واضح للعيان، بعيدًا كل البعد عن قضية فلسطين والقدس.
وعقب إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، لم يصدر عن سليماني أي رد فعل أو تصريح؛ ليبدو أنه منشغل أكثر بإدارة الصراعات في سوريا والعراق.

اقرأ أيضًا: من بينها «فيلق القدس» و«فرع فلسطين».. كيانات حملت اسم قضية فلسطين ولا تدافع عنها

5- تركيا خففت مؤخرًا توترها مع واشنطن وطبّعت مع إسرائيل

«خطوة تضر بالعلاقات الأمريكية التركية بشدة».

لم يكن هذا هو التعليق الرسمي التركي على خطوة ترامب الأخيرة بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وإنما قال ذلك رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، عقب رفع الوحدات الكُردية في الرقة المدعومة من أمريكا، صورة عبد الله أوجلان، الزعيم الكردي بحزب العمل الكردستاني، المسجون في تركيا منذ عام 1999 بعد الحكم بالسجن مدى الحياة لاتهامه بالخيانة.

وتُعد وحدات حماية الشعب الكردية، التي تشكل العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أحد أبرز أسباب الخلاف في التوتر بين واشنطن وأنقرة؛ إذ تعتبرها واشنطن صديقها المفضل في الداخل السوري وتدعمها عسكريًا، فيما لا تفرِّق أنقرة كثيرًا بين تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والوحدات الكردية، وتصنِّف كليهما منظمات إرهابية.

وتعتبر تركيا الوحدات الكردية المُسيطرة على قسد امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، المصنَّف إرهابيًا في تركيا وأمريكا والاتحاد الأوروبي، الذي تحاربه أنقرة جنوبي تركيا بالقرب من الحدود السورية التركية. ووقعت اشتباكات مباشرة بالفعل بين الوحدات الكردية السورية والقوات المسلحة التركية أدت لقتلى من الطرفين، ولا يزال القلق التركي من الأكراد سواء في تركيا، ومن تصاعد نفوذهم في سوريا والعراق يمثل أولوية كُبرى للدولة التركية.

Embed from Getty Images
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ولكن ترامب عمد إلى طمأنة تركيا من هذا القلق الذي يؤرقها في سوريا، قبل أسبوعين من قراره اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، من خلال مكالمة هاتفية بين ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، عقب تحرير الرقة وتقلص نفوذ تنظيم الدولة في سوريا، قال عنها وزير الخارجية التركي  مولود جاويش أوغلو: «إن الرئيس ترامب أعطى توجيهاته (لقادته العسكريين) بصورة واضحة للغاية بأنّ وحدات حماية الشعب لن تزوَّد بالسلاح بعد الآن» لافتًا إلى أن ترامب بعث بـ«تطميناته» تلك، بعدما جدد أردوغان مخاوفه من استمرار توريد السلاح والعربات المدرعة للوحدات الكردية في سوريا.

اقرأ أيضًا: «خيانة للأكراد؟».. القصة الكاملة لتوجهات أمريكا بوقف دعمها لـ«قسد»

وأعقب تلك الخطوة سحب أمريكا، في 30 نوفمبر 2017،  400 مجند كانوا يقدمون الدعم للوحدات الكردية في سوريا، لتأتي تلك الخطوات المتعاقبة لتهدِّئ كثيرًا من توتر العلاقات بين تركيا وأمريكا، وتخفف من ردة الفعل المحتملة على تركيا تجاه قرار ترامب بشأن القدس.

ومما يُخفف ردة الفعل التركية أيضًا إعلان تركيا تطبيع علاقتها مع إسرائيل في نهاية يونيو (حزيران ) 2016، بعد ستّ  سنوات من القطيعة، عقب مهاجمة إسرائيل لسفينة «مافي مرمرة» التركية التي كانت مُتجهة إلى قطاع غزة لفك حصاره الطويل، من خلال تزويده بمساعدات إنسانية، قبل أن تعترض يوم 31 مايو (أيار) 2010، البحرية الإسرائيلية السفينة في المياه الدولية، ثم يعتليها عدد من جنود القوات الخاصة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، ليقتلوا 10 أشخاص، بينهم تسعة أتراك. مما أدى لقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين تمامًا، قبل أن يعود البلدان إلى تطبيع علاقتهما ببنود تمكن تركيا أكثر من تقديم دعم إنساني وخدمي لقطاع غزة وفلسطين. وقد لاقى ذلك التطبيع ترحيبًا فلسطينيًا رسميًّا حينها.

اقرأ أيضًا: بعد روسيا وإٍسرائيل.. هل تصل موجة التطبيع التركية إلى مصر؟

ولكن يبدو أن ذلك التطبيع قد يخفف أيضًا من ردة الفعل التركية تجاه قرار ترامب، فلدى تركيا ما تخسره إذا ما صعّدت ضد إسرائيل الآن، أكثر مما كان عليه الوضع أثناء انقطاع العلاقات بينهما. ومع ذلك، صعّدت تركيا «لفظيًا» ضد أمريكا وإسرائيل، وهو تصعيد لم يرتق لاستخدام وسائل ضغط أكبر: كاستدعاء سفير وقطع علاقات دبلوماسية، أو تخفيف علاقات اقتصادية، أو حتى بإعلان الخطوة الأمريكيّة «إضرارًا بشدة للعلاقات التركية-الأمريكيّة» مثلما فعلت عند رفع صورة أوجلان.
ولكن الموقف التركيّ إجمالًا كان أقوى نسبيًا من الدول العربية، لدرجة أزعجت نتنياهو وجعلته يرد على تصريحات أردوغان دون رد موجه تحديدًا ضد تصريحات إحدى الحكومات العربية.

فقد قال أردوغان، في اليوم السابق لإعلان ترامب، إن مسألة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل قد تؤدي لـ«قطع علاقات أنقرة الدبلوماسية مع إسرائيل»، وهي كلمات لم يُعِد أردوغان استخدامها عقب الإعلان الرسمي من ترامب، الذي اعتبره أردوغان «باطلًا ومرفوضًا ومنعدم الأثر»، واصفًا إسرائيل الأحد الماضي بـ«دولة احتلال تلجأ إلى الترهيب»، وقال :«القدس نور عيوننا، ولا يمكننا تركها تحت رحمة دولة تقتل الأطفال» معتبرًا إسرائيل: «دولة إرهابية»، ولفت إلى استضافة بلاده قمة مجلس التعاون الإسلامي الأربعاء المقبل سيُحدد خلالها «خارطة طريق ستظهر للعالم أنّ تطبيق قرار ترامب بشأن القدس، لن يكون سهلًا على الإطلاق».

وهي كلمات أزعجت نتنياهو الذي قال الأحد الماضي إنه: «لن يتلقى محاضرات من أردوغان، الذي يقصف قرى الأكراد ويدعم إيران والإرهابيين في غزة». ليرد إبراهيم كالن المتحدث باسم الرئاسة التركية: «على المسؤولين الإسرائيليين أن ينهوا احتلال الأراضي الفلسطينية بدل مهاجمة تركيا ورئيسها… على إسرائيل التي تتجاهل القانون الدولي وتحتل أراضي الشعب الفلسطيني وتنتهك قرارات الأمم المتحدة بشكل ممنهج؛ ينبغي أن تُحاسب على أفعالها أولًا» وهو تصعيد متبادل في التصريحات قد يوتّر العلاقات بين البلدين، ويؤثر على طبيعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين، ولم يخلُ حديث أردوغان أيضًا من مهاجمة أمريكا، الذي اعتبرها :«شريكة في دماء من قتلوا أثناء المظاهرات التي شهدتها الأراضي المحتلة، بسبب قرارها بشأن القدس».