إذا أردت الاستمتاع بموسيقى عذبة وكلمات تثير حماسك، ستجد كلا الأمرين في أغاني الثورة هذه، فالأغنيات الخمس، وإن اختلفت جنسية كل واحدة وخلفيتها، إلا أنها بالنهاية تتحدث لغة واحدة، لغة الثورة والمقاومة ورفع البندقية، لغة المناضل ضد المعتدي، والفدائي المعتز بتراب أرض قريته، وحدود دولته، وفي شوقٍ للعودة لديارٍ ألفها، وربما كان ما يجمع الأغنيات الخمس، وغيرها من أغنيات من الماضي البعيد، كفيل بأن تتردد كلماتها وألحانها على ألسنة غير ناطقة بلغاتها.

1- «بيلا تشاو»: يا حلوتي وداعًا.. سأحارب المُحتلّ

يا رفيقة، ادفنيني، أعلى الجبال، تحت ظلِّ زهرةٍ جميلة، وإذا مرّ، مرّ قومٌ، سيقولون: ما أجمل الوردة، تلك وردة المقاوم، الذي استشهد حرًا.

 

أغنية «بيلا تشاو» مترجمة للعربية

ذاع مؤخرًا صيت أغنية «بيلا تشاو»، والتي تعني «يا حلوتي وداعًا» بالإيطالية، بسبب مسلسل «البروفيسور»، لكنها في الأصل أغنية من الفلكلور الشعبي لا يعرف مؤلفها ولا ملحنها، انتشرت على لسان المقاومين لنظام «موسيليني» الفاشي في الجبال القريبة من مدينة «إيمولا» خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، ولكن قبل ذلك ارتبطت الأغنية بتاريخ النساء العاملات في حقول الأرز الإيطالية، يتغنين بها في الصباح الباكر، وسيلة منهن للاحتجاج على استغلال الفلاحات في بداية القرن العشرين، بالأجر الهزيل، وساعات العمل الطويلة في ظروف مناخية قاسية، مع غلظة الحراس، وسوء معاملة ملاك الأراضي.

أراد المقاومون للفاشية والنازية أن يكون لهم أغنية ترفع همتهم وتحمسهم على القتال فاختاروا لحن الأغنية الأصلية وغيروا كلماتها لتناسب مناضل على جبهة القتال، وهناك اعتقاد بأن مؤلف كلماتها كان من أولئك الرجال، فكانت من بين أغاني الثورة والمقاومة في العصور المختلفة، ولا زالت الأغنية حتى اليوم رمزًا لأي نضال ضد المحتل.

https://www.youtube.com/watch?v=spCdFMnQ1Fk

«بيلا تشاو» من مسلسل «La casa de papel»، وكان سبب شهرة الأغنية في العالم العربي

مع هذه القصة ظهرت مؤخرًا قصة أخرى للأغنية، بالتحديد عام 2008، عندما قامت صحيفة «La Repubblica» الإيطالية بنشر تقرير عن تشابه لحن هذه الأغنية مع أغنية من أغاني اليهود الأوروبيين تُدعى «Koilen» والتي ألّفها Mishka Ziganoff عام 1919، وتم اكتشاف ذلك عندما اشترى مهندس إيطالي شريطًا موسيقيًا يتضمّن أغاني لليهوديين الأوروبيين من أحد متاجر الأسطوانات المستعملة في باريس، وفي المعزوفة سيمكنك تمييز المقطع الموسيقي الأول، وهو يكاد يماثل لحن الأغنية الثورية.

موسيقى أغنية Koilen المتشابهة

 

2- نشيد الأنصار.. انتباه أيها الفرنسيون المقاومون

صديقي، هل تسمع طيران الغربان الكئيب فوق سهولنا؟ صديقي، هل تسمع الصرخات المكتومة للبلاد المقيدة بالسلاسل؟ انتباه أيها الأنصار المتحمسون، العمال والفلاحون، هذه هي العلامة، هذه الليلة سيعرف العدو ثمن الدماء والدموع.

الأغنية الأصلية بصوت آنا مارلي، مع ترجمة إلى العربية

كانت هذه الأغنية حقًّا لناجٍ من القصف الألماني، الأديب الفرنسي موريس درون، الذي هرب إلى لندن، بعد قتال الألمان الغزاة حينما كان ضابطًا شابًا في سلاح الفرسان، وكتب الأغنية مع عمه جوزيف كيسيل الذي هرب معه، ولحنتها وغنتها آنا مارلي، بعد أن تأثرت بالكلمات واستمعت لأغنية روسية ألهمتها بموسيقى حماسية، ومن ثم اشتهرت الأغنية باسم آنا مارلي.

جيرمان سابلون تغني للثورة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية

أصبحت الأغنية شائعة في الخمسينات في البلدان الناطقة بالفرنسية، وسريعًا ما أصبحت من أغاني الثورة والمقاومة ضد المحتل النازي. وبثتها هيئة الإذاعة البريطانية « بي بي سي»، وأصبحت لفترة النشيد الرسمي، ثم بقيت في فرنسا ضمن أغاني الثورة والمقاومة التي عاشت في الذاكرة بعد انتهاء الحرب.

3- كاتيوشا: حبيبي مناضل على الحدود الروسية

على حافة النهر بدأت كاتيوشا تغنِّي، عن النسر الرمادي الشامخ في السهول، وعن الذي تحبه كاتيوشا من كل قلبها، وتصون رسائله إليها، وكما يحرس أرض الوطن العزيز، سوف تحرس كاتيوشا حبهما للأبد، فأيّتها الأغنية الساطعة عن الصبيَّة العذراء، طيري مثل طائر، إلى الجندي البعيد عند الحدود، من كاتيوشا أوصلي السلام.

 

 

الأغنية تؤديها فرقة ألكسندروف، واحدة من أفضل جوقات الرجال في العالم، والمعروفة بجوقة الجيش الأحمر

تصعد كاتيوشا على الجرف تغني لحبيبها الذي يخدم بلاده في الجيش، الأغنية التي انتشرت عندما بدأت الحرب الوطنية العظمى في يوليو (تمُّوز) 1941، وغنتها طالبات من مدرسة صناعية سوفييتية في موسكو، ودَّعن الجنود الذين ذهبوا إلى جبهة القتال ضد ألمانيا النازية، فكانت الطالبات سبب شهرة الأغنية التي كتبها ميخائيل إيزاكوفيكسي عام 1938، ولحنها ماتفي بلانتر، وغنتها لأول مرة ليديا روسلانوفا.

الأغنية من فيلم روسي للمغنية إيرينا بيليك

تشتهر الأغنية في بلدان الاتحاد السوفيتي سابقًا، منذ أن رددتها المقاومة أيام الحرب العالمية الثانية، وأطلق الألمان عليها اسم «سيمفونية ستالين»، وتحكي قصة كاتيوشا العذراء الوفية، والتي سميت منصات إطلاق الصواريخ «كاتيوشا» على اسم الأغنية. فكانت أول مدفعية ذاتية الدفع متعددة الفوهات، تركب على شاحنة وتطلق دفعة صواريخ يصل عددها إلى 48 صاروخًا، يبلغ مداها بين 10 و22 كيلومترًا، والتي شكلت خطرًا على الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية.

 

الأغنية مترجمة للعربية

4- في رثاء كوبا للكوماند.. تشي جيفارا

تعلّمنا أن نهواك، من مرتفعات التاريخ، حيث شمس بسالتك، وضعتك على حافة الموت، وهنا ما تزال واضحة، الشفافية الحميمة، لوجودكم العزيز، أيها القائد تشي غيفارا.

الأغنية الأصلية في لحنها وتوزيعها الأولين

ألفها الملحن الكوبي كارلوس بويبلا عام 1965 لرثاء وحفظ مقام قديس مناضلي الحرية في جميع أنحاء العالم، «تشي جيفارا»، بعد اغتياله لمقاومته استنزاف الرأسماليين ثروة الطبقات العاملة، وكانت هذه الأغنية ردًّا على رسالة الوداع التي ألقاها تشي غيفارا حين مغادرته كوبا، من أجل تعزيز الثورة في الكونغو ولاحقًا بوليفيا.

عمدت الأغنية إلى تذكير أهالي «سانتا كلارا» لحظات مهمة من الثورة الكوبية، وذكرت القرية في الأغنية، كي لا يتوقف النضال بعد اغتيال القائد الثوري، وحتى اليوم، إذ أصبحت الأغنية من أشهر أغاني الثورة والمقاومة والنضال، وصدرت عنها إصدارات متعددة لمغنيين يساريين.

الأغنية بنسخة حديثة لناتالي كاردون مع الترجمة للعربية

5- شيد قصورك.. أحد أشهر أغاني الثورة المصرية

وعرفنا مين سبب جراحنا، وعرفنا روحنا والتقينا، عمال وفلاحين وطلبة، دقت ساعتنا وابتدينا، نسلك طريق ما لهش راجع، والنصر قرب من عنينا.

أكثر من 30 عامًا عمل فيها الشيخ إمام برفقة أحمد فؤاد نجم، يلحِّنُ فيها الأول كلمات الثاني، حتى أصبحا ثنائيًّا مناضلًا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وليس ثنائيًّا غنائيًّا فقط، فقد تعرضا للسجن بعد نكسة 1967 بعد سخريتهم من القيادة العسكرية، فكان إمام أول سجين غنائي في التاريخ العربي، ومن ثم استمرت مسيرة إمام حتى وفاته عام 1995، مع إرثٍ ضخم من أغنيات ألهبت الثوار منذ انتفاضة 1977، حتى ثوار 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

الأغنية بأداء فرقة إسكندريلا

سُمعت هذه الأغنية لأول مرة في بداية الثمانينات بمقر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، أي بعد 10 سنوات من كتابتها وتلحينها، عندما أطلق أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام صرختهما ضدّ الاعتقال بقصيدة قاصدين بناء القصور والفيلات على المزارع المنتجة التي يعمل بها الفلاحون، وبالتحديد قصور العسكر المصري بعد ثورة 23 يوليو، حتى أصبحت «ملكية عسكرية» دون تحقيق الحرية والكرامة للمواطن المصري، مع سرقة جهود الفلاحين والعمال وإعطائهم القليل ليبقوا على قيد الحياة في خدمة أصحاب رأس المال والأراضي الزراعية، وأصبحت إحدى أشهر أغاني الثورة في مصر والعالم العربي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد