«إكرام الميت دفنه». رغم بساطة هذه الجملة التي نألف سماعها، فإن هذا الدفن قد يكون مصحوبًا أو متبوعًا – عند بعض الشعوب – بعدد من الطقوس التي قد يستهجنها من لا ينتمون لهذه الثقافة، ونستعرض في السطور القليلة التالية عددًا من أغرب الطقوس الجنائزية التي ما زالت تُمارس بعد دفن الموتى، وكذلك طقوس العزاء والحزن الغريبة والمختلفة.

1- قبيلة لاكوتا: إعداد الطعام للموتى!

في الجزء الشمالي من الولايات المتحدة الأمريكية في ولاية داكوتا الجنوبية، يعيش أفراد قبيلة لاكوتا التابعة للسكان الأصليين، محافظين على بعض عاداتهم الثقافية ومعتقداتهم القديمة بما في ذلك الممارسات الجنائزية. وفي حين يرى اللاكوتيين العالم مكانًا رائعًا والحياة هدية عظيمة؛ فإن أفراد القبيلة ينظرون إلى الموت على أنه أمر حتمي لا مفر منه، كما يعتقدون أن الموتى ينتقلون إلى عالم الأرواح الخالي من الألم والمعاناة، فالموت بالنسبة لهم ليس نهاية، لكنه استمرار للعيش في عالم آخر، وهو عالم الأرواح «واكان تانكا».

أحد موتى قبيلة لاكوتا، موضوع على سقالة، للتحلل في العراء – مصدر الصورة: أي إم سي توك

تختلف أساليب دفن الموتى في قبيلة لاكوتا حسب موقعها ومواردها، فهناك من يدفنون موتاهم تحت الأرض بالطريقة التقليدية، وهناك من يتركون الموتى يتحللون في العراء، وآخرون يدفنون أحباءهم الراحلين تحت الصخور والأشجار.

ولمساعدة الموتى في رحلتهم إلى عالم الروح، يدفن اللاكوتا متعلقات الميت معه كالأسلحة والأدوية، كما يضع المعزون بعض الأطعمة على سقالة الميت. قد تدوم فترة الحداد على الميت لمدة عام، وللتعبير عن حزنهم قد يقصون شعرهم، كما قد تقطع الأنثى جزءًا من إصبعها الصغير. وفي حالة موت الأطفال الصغار، يجرح شعب اللاكوتا أرجلهم وأذرعهم تعبيرًا عن شدة الحزن.

2- مدغشقر: الـ«فاماديهانا» أو الرقص مع عظام الموتى كل 6 سنوات

في مدغشقر، يحتفل الشعب بالروابط العائلية عبر إحياء طقوس جنائزية فريدة تعرف بـ«الفاماديهانا» أو تقليب عظام الأجداد. يقام الاحتفال كل ست سنوات تقريبًا، وفيه تفتح الأسرة مقابرها، وتخرج رفات أقربائهم المتوفين لإعادة لفِّهم بقطع جديدة من القماش، وبعدها يرقصون مع الجثث حول القبور على أنغام الطبول والأبواق والمزامير. قبل إعادة الجثث إلى القبور، يمكن للحاضرين أن يضعوا بعض الأشياء المحببة للميت مع الكفن الجديد، وعادة ما يضعون الكحوليات والسجائر مع الرجال، والعطور وأحمر الشفاه مع النساء.

يأتي هذه الاحتفال نتيجة لاعتقاد شعب مدغشقر أنه طالما الجثث لم تتحلل تمامًا، فإن الروح لم تتركها بشكل دائم، وأنها تظل قادرة على التواصل مع الأحياء، لذا يحاول الأقارب إظهار الحب للمتوفين عبر إقامة الاحتفال، ولجعل أفراد الأسرة الجدد يتواصلون مع أسلافهم الموتى، ويشاركونهم الذكريات.

وهذا الطقس يبدأ بتحديد أحد المنجمين الوقت المحدد لفتح مقابر العائلة، ويكون بين يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، وخلال المراسم، يضحي أقرباء المتوفين بالحيوانات، ويوزعون اللحوم على الضيوف وأفراد الأسرة. كذلك، يقبل أصحاب الاحتفال الأرز والمال من الضيوف، ويسجلون هذه العطايا في دفتر ليعيدوها لهم عند إقامة احتفال الفاماديهانا الخاص بهم.

3- قبيلة داني: قطع أصابع النساء لاسترضاء روح الميت!

ليس حصرًا على الأنثى في قبيلة اللاكوتا أن تقطع جزءًا من إصبعها للتعبير عن الحزن عند موت قريب لها، فالنهج ذاته تسير عليه الأنثى في قبيلة داني في بابوا غينيا الجديدة. عندما يموت أحد الأشخاص في قبيلة داني، تربط الأنثى طرف إصبعها بالخيط لمدة 30 دقيقة حتى يشعر بالخدر، وهنا يتدخل أحد أفراد الأسرة كالأب أو الأخ ويقطع طرف الإصبع.

الأطفال الإناث أيضًا تُقطع أطراف أصابعهن، وتكون الأم هي الطرف المسؤول عن البتر في هذه الحالة، هناك عدد قليل من الرجال الأكبر سنًا في القبيلة يلجؤون أيضًا إلى قطع أطراف أصابعهم.

قطع الأصابع في قبيلة داني

قطع الأصابع في قبيلة داني. مصدر الصورة: facts of Indonesia

يعتقد سكان القبيلة أن ألم بتر طرف الإصبع يسهل من نسيان ألم الفراق والحزن على وفاة أحد الأقارب، كما يحاول السكان بهذا البتر استرضاء روح الميت المضطربة وإبعادها عن المكان. ورغم أن هذه العادة آخذة في الاندثار، فإنه من الشائع رؤية جميع نساء القبيلة الأكبر سنًا بإصبع واحد مبتور على الأقل.

4- قبيلة يانومامي: حساء من رماد الأموات لحماية الأرواح!

لا تزال قبيلة يانومامي الأصلية التي تسكن في قرى حدودية بين فنزويلا والبرازيل في أمريكا الجنوبية تحتفظ ببعض عاداتها التراثية القديمة، وأبرزها طقوس دفن الموتى. إذ تؤمن القبيلة بأن الروح تحتاج للحماية بعد مفارقة الجسد، ويعتقدون أن الحفاظ عليها يتحقق بحرق الجثة وتناول الأقارب لمطحون عظامها.

قبيلة يانومامي يشربون حساء عظام الموتى

قبيلة يانومامي يشربون حساء عظام الموتى. مصدر الصورة: procaffenation

فعند موت أحد الأشخاص، يترك الأهل الجثة في مكان في الغابة لمدة ثلاثة أيام، ثم يقطعونها، ويحرقون لحومها، ويرسمون على وجوههم من رماد الجثة المحترقة، ويستكملون مراسم الحزن بالبكاء والغناء.

أما العظام، فإنهم يجمعونها ويصنعون منها حساء الموز ويدخلون الرماد ضمن مكوناتها، ويطعمون منه الجميع. هذا في حالات الموت الطبيعية، أما في حالة مقتل أحد أفراد القبيلة، فإن النساء فقط هن من تأكلن الرماد، بينما يجتمع الرجال من أجل الثأر والانتقام من الجناة.

5- سكان تيوي: حرق ممتلكات الموتى للسماح لهم بالتناسخ!

في الإقليم الشمالي في قارة أستراليا، يعيش شعب تيوي في جزيرتي ميلفيل وباتورست، وهو من الشعوب الأصلية في أستراليا. في الطقوس الجنائزية الخاصة بهذا الشعب، يدمر شعب تيوي الممتلكات الخاصة للميت لأنهم يعتبرون أن بقاءها مؤلم للغاية.

لا يحدث التدمير مباشرة بعد الوفاة، لكن قد يؤجل على الطقوس الجنائزية النهائية، حيث إن شعب تيوي يؤدي طقوسًا أولية عقب الوفاة، وأخرى نهائية لإتمام انتقال الروح إلى العالم الآخر، ويحدث في هذه المرحلة تدمير المتعلقات الشخصية مما يعمل على تكوين الروح الجديدة للموتى، فهم يؤمنون بتناسخ الأرواح.

يقدس سكان تيوي الممتلكات الشخصية، حتى أن تبادل الملابس يعد علامة مؤكدة على الصداقة والثقة، كما أن أحدهم قد يدفن ممتلكات زوجته الخائنة أو محبوبته السابقة دون أن تموت، وذلك لأنها قد ماتت بالنسبة إليه، وهنا يكون القبر دون جثة.

تاريخ

منذ 11 شهر
من وضع الجثث على الأشجار إلى إطلاقها في الفضاء! تاريخ الدفن ومستقبل المقابر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد