بدا وكأنَّ واشنطن، أهم عواصم العالم، ستنهار الليلة الماضية مع اقتحام الكونجرس وامتلائه بحشود غاضبة ملونة بالأبيض والأحمر تجتمع حول الكونجرس، وتهتف «النصر لترامب!»، و«أوقفوا هذه السرقة!».

مشهدٌ سريالي أن ترى الكونجرس الأمريكي الذي يشرع ويسيطر ويؤثِّر في مصائر شعوب ودول العالم، لا يستطيع تأمين نفسه من حشود دخلت قاعات الكونجرس واتخذتها مرتعًا وملعبًا، وتجولت في أروقتها لالتقاط صور «سيلفي»، ورفع أعلام وشعارات لها رمزية تاريخية، وتعكس واقع الانقسام والعداوة داخل المجتمع الأمريكي.

نشرت بالأمس الكثير من الصور واللقطات لهذه الحشود، واخترنا لكم خمس صور لها دلالات ومعانٍ مبطنة، نكشفها لكم في هذا التقرير.

باختصار: ما الذي حدث ليلة أمس ولماذا؟

بعد خسارة دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية أمام خصمه الديمقراطي، جو بايدن، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، بدأ ترامب حملةً مضادة لقلب الحقائق وإبطال نتائج الانتخابات، مغذيًا ومشعلًا غضب قواعده الشعبية، وروَّج لنظريات مؤامرة باستخدام حساباته على منصات التواصل الاجتماعي وفي خطاباته، خلاصتها: هذه الانتخابات مسروقة والنتائج مزورة.

تُصدق شريحةٌ واسعة من القاعدة الشعبية لترامب ما يقوله، ويصوِّر ترامب المشهد بأن «الآخرين» من حوله يتآمرون عليه ويحاولون إسقاط رئيسهم المفضل والمُنتخب الذي يحاول حماية مصالحهم، والآخرون هُنا بشكل أساسي هم الإعلام، والحزب الديمقراطي، ومؤسسات الدولة الأمريكية.

Embed from Getty Images

دونالد ترامب ومستشاره السابق ستيف ببانون.

شهد يوم أمس إعلان نتائج الانتخابات على آخر مقعدين في مجلس الشيوخ الأمريكي، واستطاع الحزب الديمقراطي الفوزَ بالمقعدين، ما سيضمن له الأغلبية في مجلس الشيوخ مع سيطرته على مجلس النواب وعلى البيت الأبيض؛ كابوس لكل الجمهوريين.

وبعدما برزت معارضة داخلية في فريق ترامب تُخالفه في الحملة التي ينفِّذها، خاصةً من نائبه، مايك بنس، ووزير الخارجية، مايك بومبيو، لم يبق لترامب آنذاك سوى الشارع وقاعدته الانتخابية، فبدأ بتوجيههم للضغط على نائبه بنس، الذي يقوم أيضًا بمنصب رئيس مجلس الشيوخ، وهو الذي كان سيشرف على عملية تصديق نتائج المجمع الانتخابي، وانتشر في «تويتر» وسم ورقة بنس (#Pencecard)، للضغط عليه لتعطيل عملية التصديق.

ولكنَّ بنس عارض المقترح علنًا، وصرح بأنَّه لا حق دستوري له ليقلب النتائج، وإنَّما هي عملية تصديقٍ شكليَّة لا أكثر من ذلك.

وبعدما وجد نفسه وحيدًا، لجأ ترامب لنبض الشارع، لا الشارع الأمريكي بأجمعه، ولكن الشارع الأبيض، ووجه أنصاره للذهاب إلى الكابيتول هيل، لتعطيل عملية التصديق، وحصل ما حصل؛ اقتحموا الكونجرس.

1- علم الكونفدرالية يُرفع في الكونجرس

أحد أنصار ترامب رافعًا العلم الكونفدرالي أمام لوحة لجون كالهون. مصدر الصورة: تويتر.

انتشرت بالأمس صورة لواحد من أنصار ترامب حاملًا علم «الولايات الكونفدرالية» في أروقة الكونجرس، والتقط الصورة أمام لوحة للسياسي الأمريكي جون كالهون، من أبرز الوجوه التي دافعت عن العبودية وعن حق الولايات الجنوبية في الرق والاستعباد، وكان كالهون يصف العبودية بأنَّها شيء «إيجابي». فما الذي يعنيه العلم؟

يعود بنا العلم إلى فترة الحرب الأهلية الأمريكية في منتصف القرن التاسع عشر، عندما أعلنت بعض الولايات الجنوبية نيتها بالانفصال عن الاتحاد الأمريكي وعن العاصمة واشنطن، واجتمعت 11 ولاية أمريكية على هذا المطلب بعد انتخاب الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن وتسلمه للرئاسة في 1861، وأصبح علم الكونفدرالية علمَ الولايات المحاربة للولايات المتحدة.

للحرب الأهلية أسباب عدة، وأهمها بلا شك مطالب تحرير العبيد، والحركة المناهضة للعبودية، التي اصطدمت بجمود الولايات الجنوبية الكونفدرالية المؤيدة للعبودية، خاصةً وأنَّ اقتصادات هذه الولايات اعتمدت كثيرًا على صناعة القطن والزراعة، وتحتاج لقوة عاملة كبيرة من العبيد.

وعزَّز الانقسام والدخول في الحرب الأهلية التباعد الثقافي والاقتصادي بين الولايات الشمالية والجنوبية، وخلال عام 1861، أعلنت سبع ولايات الانفصال رسميًّا؛ منها تكساس، وفلوريدا، وجورجيا التي خسر فيها المرشحون الجمهوريون ليلة أمس.

ولم تستطع الولايات الكونفدرالية تحمل الحرب طويلًا، فقد أضرت الحرب باقتصادها وخسرت عسكريًّا على عدة جبهات، وفي 13 مايو (أيار) 1865، انتهت الحرب الأهلية ودُفن معها بالسلاح مشروعات الانفصال والكونفيدرالية.

وعاد علم الكونفدرالية للظهور في الشوارع الأمريكية في فترة حركة الحقوق المدنية، التي قادها الزعيم الأفريقي الأمريكي، مارتن لوثر كينج، بوصف العلم ممثلًا لعقيدة «القومية البيضاء» و«التفوق العرقي الأبيض». وبالتالي أصبح رمزًا لرفض التكامل العرقي في الولايات البيضاء، وسبق أن دافع الرئيس دونالد ترامب عن حرية مناصريه برفع علم الكونفدرالية.

ولم يُرفع علم الكونفدرالية في مبنى الكونجرس في فترة الحرب الأهلية أبدًا، وكأن حادثة الأمس كانت تحمل تاريخًا جديدًا.

2- نانسي بيلوسي.. أنصار ترامب يستهدفون معذبته

أحد أنصار ترامب يرفع قدمه على مكتب نانسي بيلوسي. مصدر الصورة: تويتر

بالنسبة لأنصار ترامب، فإن نانسي بيلوسي، زعيمة مجلس النواب الديمقراطية، هي أشد خصومهم؛ إذ قادت نانسي حملة عزل الرئيس ترامب من منصبه، التي وافق عليها مجلس النواب وعطَّلها مجلس الشيوخ.

وفي خطاب حالة الاتحاد لعام 2019، بعد كلمة الرئيس ترامب عن أهمية إنهاء سياسة الاحتقان والانقسام، قامت بيلوسي بزيها الأبيض الناصع وصفقت بطريقة ملفتة وساخرة على كلام ترامب، وبعد انتهاء خطابه خطفت حركة بيلوسي الأضواء من ترامب، وأصبح تصرفها حديث الساعة.

وفي خطاب 2020 برزت نانسي مجددًا برفض ترامب لمصافحتها، وبانتهاء خطابه قامت بيلوسي بتمزيق بعض الأوراق للتقليل من كلام ترامب.

وبعد اقتحام حشود مؤيدي ترامب الكونجرس، تسلل بعض مناصريه إلى مكتب نانسي بيلوسي، أحدهم التقط صورًا لنفسه بعدما جلس ووضع قدمه فوق مكتبها، تاركًا لها ورقةً مكتوبًا عليها:«لن نتراجع».

3- «اقتلوا الإعلام» في اقتحام الكونجرس

أنصار ترامب يكتبون على بوابة الكابيتول الهيل: اقتلوا الإعلام. مصدر الصورة: تويتر

تُظهر هذه الصورة مجموعة من أنصار ترامب يخرجون من الكونجرس، وكُتب على الباب: «اقتلوا الإعلام». وضع ترامب الإعلام الأمريكي على قائمة أعدائه من البداية منذ حملة ترشحه للرئاسة في 2016، وهاجم بتغريداته وخطاباته الإعلام الأمريكي واتهمه بأنه «كاذب» وينشر المعلومات المضللة والخاطئة، ويستقصده ويستهدفه.

واشتهر ترامب بمواقفه الصدامية مع الصحافة الأمريكية، فإذا تلقى سؤالًا لا يعجبه من صحافي عادةً ما يصفه بالسؤال «الغبي»، أو «السيئ» أو «المتصيد». ومن أشهر مواقفه الهجومية، ردُّه على صحافي «سي إن إن» عندما أصر الصحافي على سؤاله عن التحقيقات المتعلقة بقضية تعاون ترامب مع روسيا، فوصف ترامب الصحافي بأنه شخص «وقح وكارثي»، وأنَّه «لا يجب أن يعمل في سي إن إن»، وطلبَ منه الجلوس ومن مساعديه أن يسحبوا الميكروفون من يده.

وخلال الأعوام الماضية، غذى ترامب أنصاره على كره الإعلام وكانت النتيجة بالأمس في عبارة: «اقتلوا الإعلام» على أحد أبواب الكونجرس.

4- روح نتنياهو بين الحشود.. وعلم إسرائيل مرفوع

أنصار ترامب يرفعون علم إسرائيل أثناء احتجاجاتهم. مصدر الصورة: تويتر

حمل بعض مناصري ترامب ليلة أمس أعلام إسرائيل في حشدها أمام الكونجرس الأمريكي، وقد ارتبطت إسرائيل واليمين المتطرف الإسرائيلي ارتباطًا وثيقًا بترامب وقواعده الشعبية، بعدما قدَّمت بعض ماكينات اللوبي الإسرائيلي دعمها الكبير له عام 2016.

وقدَّم ترامب خلال فترة رئاسته خدمات كبيرة وغير مسبوقة لإسرائيل؛ إذ صدَّق على قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس المعلَّق منذ سنوات طويلة، وضغط ونسَّق هو وصهره، جاريد كوشنر، لصفقة القرن، وسمح لنتنياهو بتجاوز الخطوط الدولية الحمراء في الأراضي الفلسطينية، وسمح له ببناء المستوطنات غير الشرعية لإسرائيل في الضفة الغربية، وتدخَّل صهره كوشنر في هندسة اتفاقيات التطبيع مع الدول العربية وتنفيذها.

وكان صعود ترامب في الولايات المتحدة وتمكين بنيامين نتنياهو بإسرائيل تتويجًا لتحالف الحركة الإنجيلية الأمريكية مع اليمين الإسرائيلي والحركة الصهيونية، الذي بدأ فعليًّا بعد أحداث النكسة عام 1967، لتمكين الإنجيليين في المجتمع الأمريكي، بالرغم من عقيدتهم الكارهة لليهود.

5- بوتين يضع «رجلًا على رجل» في الكرملين.. صورة تذكِّر بجدار برلين

صعود أنصار ترامب جدار مبنى الكونجرس الأمريكي.

مشهد تسلُّق أنصار ترامب جدار الكونجرس لاقتحامه ذكَّر المتابعين بمشاهد سقوط جدار برلين عام 1989، السقوط الذي عبَّر عن نهاية الحرب الباردة وتهاوي النفوذ السوفيتي.

غرَّد بين رودس، مساعد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وعلَّق على أحداث الأمس قائلًا: «هذا هو اليوم الذي انتظره فلاديمير بوتين منذ مغادرته شرق ألمانيا عندما كان ضابطًا في كي جي بي (الاستخبارات السوفيتية) بعد انتهاء الحرب الباردة».

وبالرغم من أنَّ التغريدة في هذه اللحظة تبدو تأملًا تاريخيًّا لا صلة له بالواقع، فإنَّ روسيا بوتين كان لها يد دعم مع ترامب عام 2016، واليوم تشهد واشنطن فوضى غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة قبيل خروج ترامب من البيت الأبيض.

وأكدت التقارير الاستخباراتية الأمريكية خلال الأعوام الماضية وجود تدخل روسي في انتخابات عام 2016 انتهى في صالح ترامب، بتنفيذ حملات إعلامية على منصات التواصل الاجتماعي استهدفت خصوم ترامب، وخاصةً المرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون.

وأشارت تقارير لتورطِ روسيا باختراق وكالات أمريكية وتسريب إيميلات هيلاري كلينتون، التي كانت الوجبة الرئيسية لترامب في حملاته الهجومية ضد هيلاري.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد