بعد حربٍ دامت نحو شهرٍ ونصف بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم «قره باج»، والمحتل من أرمينيا منذ 30 عامًا، ظهر الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، فجر اليوم، في خطاب متلفز توجه به إلى شعبه مُعلنًا انتصار قواته، والوصول إلى اتفاق سلام مع الرئيس الأرميني الذي أُجبر على تسليم ثلاث محافظات إلى الحكومة الأذربيجانية في إقليم قره باج.

«علييف»، بدا فيه أكثر نشاطًا وحماسًا من ذي قبل، وهو يتحدث عن خصمه المهزوم، الرئيس الأرميني قائلًا: «أجبرناه على التوقيع، وقد قبل بذلك وأراد أن يكون توقيع الاتفاق في مكان مُغلق، بعيداً عن الكاميرات لجبنه وخوفه»، ثم رفع قبضته وضرب بها على الطاولة، صارخًا: «هذه ما جعلته يوقّع، الضرب بالحديد هو ما جعله يوقع». التقرير التالي يشرح لك قصة الحرب كيف بدأت، وما هي بنود السلام التي توصل لها الطرفان، ومن الرابح والخاسر على المستوى الدولي.

1- ما هو أصل الصراع بين أرمينيا وأذربيجان؟

في رقعة مُتنازع عليها بين أذربيجان وأرمينيا تُسمّى «ناغورني قرة باج»، وتعني باللغة الروسية مرتفعات الحديقة السوداء، يشهد الإقليم الذي يمرُّ منه خطوط أنابيب الغاز نحو أوروبا، نزاعًا بدأ منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وظلت حاضرة بدون حل جذري منذ ما يقرب من 30 عامًا.

صورة تبين إقليم قرة باج المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان. المصدر: الجارديان

الإقليم يقعُ جغرافيًا داخل أراضي أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية المسلمة، وتبلغ مساحته 4800 كم مربع، لكنه من الناحية الديمغرافية تسكنه أغلبية أرمينية مسيحية بنسبة 95%، وتعداده 150 ألف نسمة، ويحظى بدعمٍ مباشرٍ من أرمينيا.

تعود بداية المشكلة فعليًا، إلى عشرينات القرن الماضي، حين قرر جوزيف ستالين إنشاء منطقة حكم ذاتي أرمنية في قره باج، داخل حدود جمهورية أذربيجان السوفيتية، ومنحه حكمًا ذاتيًا، وبعد وفاة ستالين، حاولت أرمينيا ضم الإقليم إليها، لكنها فشلت، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أعلنت كلتا الدولتين فك الارتباط بالإمبراطورية المهزومة، كما أعلن سكان إقليم قره باج الانفصال أيضًا عن أذربيجان.

دولي

منذ شهرين
5 أسئلة تشرح لك ما الذي يحدث في أرمينيا وأذربيجان

تسبب الانفصال في حرب بين البلدين عقب سيطرة أرمينيا على الإقليم المتنازع عليه، واحتلت 20% من الأراضي الأذربيجانية المحيطة بالإقليم، لتندلع حربٌ عام 1992 والتي راح ضحيتها 30 ألف قتيل، وبعد عامين توصل الطرفان لاتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الاشتباكات وقعت ثانية عام 2016، وذلك بعدما قدمت روسيا أسلحةً لأرمينيا استخدمتها ضد أذربيجان التي نجحت في استعادة بعض المناطق المحتلة.

 2- كيف اندلع الصراع الأخير؟

في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي، بدأت أكبر موجات القصف المدفعي والصاروخي بين أرمينيا وأذربيجان منذ التسعينات، حيث اتهمت جيوش البلدين كل طرف بالتصعيد، وبينما صادق البرلمان الأذري على إعلان حالة الحرب وفرض الأحكام العرفية في مناطق الاشتباكات، أعلنت أرمينيا حالة الحرب.

(مقطع من الحرب بين أذربيجان وأرمينيا)

بعد ثلاثة أيامٍ من الهجوم، ووقوع خسائر بين الطرفين، رفض الرئيس الأذربيجاني العودة لطاولة المفاوضات، قائلًا: «المفاوضات بشأن قره باج لم تكن مجدية»، ليعلن بعدها أنّ أن بلاده لن توقف عملياتها العسكرية في منطقة قره باج المتنازع عليها مع أرمينيا ما لم تتم استعادة وحدة أراضيها، لكنه عاد واشترط لوقف الحرب انسحاب القوات الأرمنية من الإقليم.

مع وصول الصراع إلى نقطة الذروة أعلن وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أن بلاده مستعدة لتقديم دعم عسكري لأذربيجان في حربها ضد أرمينيا، وهو ما أعقبه تصريح من مستشار الرئيس التركي، أكد أمس أن بلاده لا ترى في الوقت الحالي أي ضرورة ملحة لإرسال قواتها إلى الجبهات المشتعلة.

وعلى غير المتوقع أعلنت روسيا أنه بالرغم من وجود اتفاقية للتعاون العسكري بين روسيا وأرمينيا، فإن موسكو لا تستطيع التدخل عسكريا لدعم حليفتها أرمينيا في حربها مع أذربيجان، وهو التصريح الذي خذل الرئيس الأرميني الذي بات مُجبرا على القتال حتى النفس الأخير.

وعلى مدار أيام الحرب، كان الجيش الأذربيجاني قد استطاع تدمير عدة منظومات جوية وأنظمة صاروخية ودبابات ومدافع ومعدات ثقيلة للجيش الأرميني، وتوغلها عسكريا داخل عدة بلدات، فيما اضطرت القوات الأرمينية إلى الانسحاب من بعض المناطق إثر تعرضها لخسائر كبيرة في الأرواح، مع استمرار العمليات على امتداد خط الجبهة، وامتداد القصف إلى عاصمة الإقليم، ليظهر بعدها خطاب النصر للرئيس الأذربيجاني الذي اختصر ساعات مما دار في الغرف المُغلقة.

3-الأرض مقابل السلام.. ما هي أبرز بنود الاتفاق؟

مقابل خطاب النصر الذي أذاعه الرئيس الأذربيجاني، ظهر الرئيس الأرميني في خطاب الهزيمة أمام شعبه، مبررًا توقيعه على الاتفاق قائلًا: «وقعت اتفاقًا مؤلما بشكل لا يصدق بالنسبة لي ولكل من شعبنا، لم يكن لدي خيار إلا التوقيع عليه، والقرار الذي اتخذته يستند لتحليل عميق وتقييم أشخاص على علم بالواقع العسكري على الأرض».

Embed from Getty Images

وكانت روسيا قد نجحت بجمع طرفي الصراع، وتوقيع اتفاق سلام تنتهي بموجبه الحرب التي امتدت ستة أسابيع، ويشمل عدة نقاط رئيسية أبرزها:

1- تبقى القوات الأذربيجانية والأرمنية متمركزة في مواقع السيطرة الحالية، مع وقف كامل لإطلاق النار.

2- تستعيد أذربيجان منطقة أغدام والأراضي التي يسيطر عليها الطرف الأرمني في منطقة قرة باج في موعد أقصاه نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري.

3- تنتشر وحدة لحفظ السلام تابعة لروسيا في قرة باج لمدة خمس سنوات، قابلة للتمديد، على طول خط التماس في إقليم «ناجورني قرة باغ».

4- يتم تبادل الأسرى وغيرهم من المعتقلين وجثث القتلى.

5- يعود النازحون داخليا واللاجئون إلى إقليم ناجورنو قره باخ والمناطق المجاورة الخاضعة لسيطرة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

6- تلتزم أرمينيا بإعادة منطقة كيلبجار إلى أذربيجان بحلول 15 نوفمبر (تشرين الثاني)، ومنطقة لاتشين بحلول 1 ديسمبر 2020، وهي المناطق التي كانت تحتلها سابقًا.

4- على عكس تركيا.. لماذا لم تستجب روسيا لنجدة حليفها؟

طبقًا لاتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين أرمينيا وموسكو، فروسيا كان من المفترض أن تتدخل عسكريا لوقف الحرب هجمات الجيش الأذربيجاني، لكنّ الفرضية الروسية تستند إلى أنّ: «الوضع الحالي للحرب الدائرة على أراضي إقليم ناجورني قره باج، لا يعد أرضًا أرمينية»، إضافة إلى أنّ موسكو صرحت أكثر من مرة بأنها لا تمتلك معلومات على تدخل تركيا عسكريًا، بالرغم من أنّ التحول في الحرب لصالح أذربيجان جاء بعد التصريحات التركية لدعمها.

Embed from Getty Images

بالنسبة لروسيا التي تمتلك بالفعل قاعدة عسكرية تابعة لها في أرمينيا، فهي وإن كانت تنحاز سياسيًا إلى النظام الأرميني، إلا أنها في الوقت نفسه لا تريد أن تخسر مصالحها الاقتصادية في أذربيجان، إلى جانب خوفها من خسارة صفقات السلاح، كما أنّ دعم طرف على حساب آخر في تلك البقعة تحديدًا، يعتبر موطأ قدم بامتياز لصالح الولايات المتحدة التي سبق واخترقت دول مثل أوزبكستان، وقيرجستان، وهو ما تعتبره روسيا خطرًا محتملًا على أمنها القومي.

روسيا أيضًا لم تكن ترغب على ما يبدو في حدوث صدام عسكري مسلح ضد تركيا، وكلا البلدين يعتمد إستراتيجية الحوار خلال التقاطعات التي تجمعهما في سوريا وليبيا، وسبق للدولتين أن تجنبتا حدوث صدام عسكري في مدينة «سرت» الليبية ، وقادتا مبادرات للوصول إلى هدنة لوقف إطلاق النار مع طرفي النزاع الليبي.

 5- كيف تستفيد تركيا من انتصار أذربيجان؟

تتجلى أهمية أذربيجان تحديدًا لدى أردوغان، في اختيارها لتكون هي أول عاصمة يزورها بعد فوزه بانتخابات الرئاسة التركية في أغسطس (آب) عام 2014، وتتخذ كلتا الدولتان مواقف داعمة لبعضهما في كافة المجالات وعلى رأسها الدعم السياسي، ومؤخرًا أعلنت أذربيجان دعمها الصريح لأنشطة تركيا في البحر المتوسط.

وبخلاف أنّ أذربيجان دولة ذات غالبية عرقية تركية، وتتجاور مع تركيا في الشمال الشرقي، فإن أهمية تلك الدولة حاليًا لدى تركيا تكمن في مشروع «ممر الغاز الجنوبي»، الذي يهدف لنقل 16 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الأذربيجاني إلى الاتحاد الأوروبي عبر تركيا، في ظل مساع تركية لتحقيق طموح أردوغان القديم المتمثل في أن تصبح تركيا هي بورصة لموارد الطاقة من النفط، والغاز، والكهرباء.

مشروع ممر الغاز الجنوبي يعبر منطقة قرة باج المتنازع عليها، وفي ظل انخفاض مبيعات روسيا من الغاز بسبب المنافسة على المبيعات إضافة إلى الركود الاقتصادي العالمي بسبب جائحة كورونا، خشيت تركيا من أن تتخذ روسيا موقفًا عدائيًا ضد الخط المنافس لها.

دولي

منذ 3 شهور
الوجه الآخر لصراع المتوسط.. من يربح مشروع خط أنابيب بيع الغاز إلى أوروبا؟

لذا فاتفاق السلام يخدم بالأساس المصالح الاقتصادية التركية في الإقليم، إلى جانب أنه يفتح جبهة ثالثة بين روسيا وتركيا في الإقليم المتنازع عليه، لوضع حل لمشكلة إقليم قرة باج، صاحب السلطة غير المعترف بها دوليًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد