لا يتعاطف الكثيرون مع شخص يشعر بالملل؛ إذ يفتقر الضجر إلى سحر الكآبة المرتبطة بالحكمة والحساسية، وإلى طابع الضرورة والحاجة مثل التوتر والقلق، حتى صرنا نتردد في الإبلاغ عن تلك الحالة الضبابية، كي لا نبدوا مملين، أو ينصحنا أحدهم بالبحث عن وظيفة تعكس شغفنا، أو مهمة نقتل بها الوقت.

هكذا اعتبرت عالمة النفس، ساندي مان، في كتابها «علم الملل»، أن الضجر هو توتر العصر الحديث، فيتردد الناس في الاعتراف بشعورهم به، تمامًا كما كانوا يترددون قديمًا في الاعتراف بالتوتر والاكتئاب، ولكن بعد قرون من التقليل من شأنه، وربطه بالكسل واللامبالاة، صار العالم أجمع يعيش حالة من الملل المتصل للعام الثاني على التوالي، امتثالًا لإجراءات التباعد الاجتماعي، بسبب جائحة كورونا.

الجحيم ملل لا يتوقف

ألفنا الملل على أنه ذلك الشعور غير المريح الذي تشعر به عندما تريد القيام بشيء ما، لكنك لا تريد أن تفعل أي شيء متاح لك حاليًا. إذًا لديك حقًا تلك الرغبة القوية في الانخراط في شيء هادف وذا معنى في حياتك، لكن لا يروق لك كل ما هو أمامك، لأي سبب من الأسباب، مخلفًا حالة من عدم الراحة، تشبه حالتنا إذا نسينا جملة وكانت «على طرف اللسان»، فلا نحن نعرفها، ولا تتوقف عن مضايقتنا.

وفقًا لدراسة أجراها وينجنان فان تلبرغ، عالم النفس الاجتماعي التجريبي بجامعة إسيكس في إنجلترا، فإن افتقاد التحدي، وتجريد النشاط من المعنى، سبب أساسي للملل، أو كما قال ليو تولستوي: «الملل هو الرغبة في الرغبة»، وهو التعريف الذي أُثبتت دقته بمرور العقود على يد جون دي إيستوود وجيمس دانكرت، عالما النفس والأعصاب، ومؤلفا كتاب «خارج نطاق جمجمتي: علم نفس الملل».

أسس إيستوود ودانكرت «مختبر الملل» في جامعة يورك، لدراسة الشعور المظلوم رغم شيوعه، فأكدا اختلاف الضجر عن اللامبالاة، لأنه إذا كنت لا مباليًا، فأنت لا تريد أن تفعل أي شيء على الإطلاق، ولكن إذا كنت تشعر به، فأنت مضطرب ومقيد في الوقت نفسه.

قد يحدث أن تتصل بصديق لإنقاذك من تلك الحالة، فيسرد عليك كل هواياتك التي طالما أشعلت حماسك من قبل، لكن رغم معرفتك بتوفر تلك الخيارات، إلا أنك تريد شيئًا آخر لا تعرفه.

فسر الباحثون في «مختبر الملل» ذلك باحتمالين، أولهما أن الأشخاص المعرضون للملل غير مستعدين لبذل الجهد المطلوب لتغيير حالتهم، ويميلون إلى اتخاذ الخيار السهل بدلًا من الخيار الأصعب، حتى لا يهزمهم الضجر ثانية في منتصف الطريق.

الاحتمال الثاني هو أن الأشخاص المصابون بالسأم قد لا يرون قيمة الأفعال بطريقة الأشخاص غير المعرضين للملل، وهذا يعني أن الأشياء الموجودة أمامهم تبدو وكأن جميعها ملطخ باللون الرمادي، فلا يرونها كخيارات ممتعة بدرجة كافية.

Embed from Getty Images

قد يدفعك هذا التصور المثير للضيق والسخط للتساؤل عن الغرض التطوري من الشعور بالسأم، ما قد يكون الجانب الإيجابي الوحيد، وهو تحفيزنا على العمل والإنجاز، فينبهنا الضجر إلى حاجتنا لاستكشاف خيارات أخرى، ولنصبح عاملين وفعالين في الحياة، ونستعيد سلطتنا على أنفسنا.

الحياة بندول بين الملل والألم

ينتج عن حالة الملل عدة أشكال من ردود الأفعال إذا لم يتم تلبية رغبتها، ورد الفعل الأول هو التعب الشديد، بسبب انتقال مخ الفرد بين مزيج من مستويات الطاقة، بداية بالخمول، ثم التوتر والارتباك، ثم الخوف، ثم الخمول، وهكذا على مدار يوم أو يومين، يبدو وضع عقلك وكأنك وقفت على مسرح لإلقاء خطبة، لكن لا شيء لتقوله، وتستمر في المحاولة ذهابًا وإيابًا من وإلى المسرح.

يفسر رد الفعل الثاني الارتفاع الملحوظ في حوادث العنف المنزلي خلال فترة الإغلاق الكلي في العام الماضي، فقد يصبح الفرد أشد غضبًا وعدوانية عندما يشعر بالسأم، بسبب افتقاده للمعنى والهدف؛ وإحدى الطرق التي يحاول بها الفرد مهاجمة هذا الشعور هو التمسك بجماعة ينتمي لها، ومن ثم توجيه الغضب والعداء لكل من يخالف جماعته.

يفسر الملل أيضًا بعض التصرفات غير العقلانية للبعض، فأظهرت البيانات للفترة بين أبريل (نيسان) ومايو (آيار) 2020، عن معاناة الناس من مستويات أعلى من الضجر عما كانت عليه قبل الوباء، وكان المعرضون للملل أكثر عرضة لكسر قواعد التباعد الاجتماعي، ودون شك الأكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا، ما يؤكد أن فقدان السيطرة والتقييد وقلة الخيارات دوافع أساسية للشعور بالملل.

Embed from Getty Images

يبدو أن الإنسان قد يفعل أي شيء، وإن كان سلبيًا، ليهرب من الضجر؛ فحوالي 25٪ من النساء و 67٪ من الرجال، في ولاية فيرجينيا، كانوا يصعقون أنفسهم عن عمد بالكهرباء عندما تُركوا بمفردهم في غرفة لمدة 15 دقيقة فقط، دون وسيلة تسلية، حتى أن أحدهم استخدم الصاعق ما يقرب من 200 مرة!

ووجدت دراسة منشور في «مجلة علم النفس الفينومينولوجي» أن 63% من بين 4 آلاف أمريكي بالغ قد شعروا بالملل مرة واحدة على الأقل خلال 10 أيام، وكانوا يقاومونه بتعاطي المخدرات، أو المقامرة، أو الاستخدام القهري للهاتف المحمول، في محاولة منهم لاستعادة السيطرة على حياتهم بأي شكل، والبعض الآخر قادهم الملل إلى الاكتئاب وأزمة مع هويتهم بعدما توقفوا عن العمل.

كيف تسترد سلطتك على عقلك؟

ربما تكون إحدى أكثر النتائج العلمية إثارة للدهشة هي قدرة الملل على دفع الإنسان لبناء حضارة تارة، وللعدوان تارة أخرى، تحت نفس المظلة، في خضم بحثه عن معنى، لكن هناك تغييرات صغيرة يمكن تحقيقها لتبديد مشاعر الملل، دون الحاجة لتلوين جدارية أو شن حرب:

1- حافظ على هدوئك، لأنك إذا علقت في مشاعر القلق والاكتئاب المصاحبة للملل، سيصعب الخروج من تلك الحالة، وتذكر أن شعور الملل جاء لتنبيهك، ففكر في اللحظة الحالية، واسأل نفسك: من أنا؟ وما الذي يهمني؟ وماذا أريد أن أفعله بنفسي؟ وما هي أهدافي؟ وما الخطوات التي اتخذها لتحقيق تلك الأهداف؟ أو اسأل نفسك عما تعتقد أنه ممل فيما تفعل، فقد تتمكن من تغيير مسارك أو إيجاد طرق أخرى لأداء نفس المهمة بحيث تصبح أقل مللًا.

2- ينبهنا الملل لأننا نفعل شيئًا لا يلبي رغباتنا وحاجتنا النفسية الأساسية إلى المشاركة والتفاعل، وهذا يعني في بعض الأحيان أن تذهب إلى مطعم في الحي لتناول الغداء بدلًا من تناول طعام الأمس، والركض في الحديقة مع صديق بدلًا من ممارسة الرياضة وحدك بالمنزل، خاصة وأن الأنشطة القائمة على التفاعل تأتي في مؤخرة الأنشطة المملة.

Embed from Getty Images

3- لا تحاول ملء وقتك بما لا يلبي رغباتك، وتخلص من عادة تصفح وسائل التواصل الاجتماعي كلما شعرت بالملل؛ فالملل يشكل تهديدًا لشعورك بالقدرة على التصرف في عالمك، وتصفح «فيسبوك» أو «آنستغرام» سيسلط الضوء في تلك اللحظة على أنك لست مؤثرًا كالآخرين، ولا تتعامل مع العالم بطرق هادفة وذات مغزى بالنسبة لك.

4- ابحث عن شيء ذي معنى لتفعله، لكن لا يجب أن يكون مهمة ثقيلة مؤجلة، أو يتطلب نشاطًا هائلًا، بل يمكن أن يكون شيئًا بسيطًا مثل خبز الكعكة، أو تمشية حول المنزل، فأظهرت بعض الدراسات أن الأنشطة البسيطة في إطار رغبتك في التغلب على الملل يمكن أن تساعد في إطلاق رؤى إبداعية وحلول للمشكلات.

5- إذا لم يكن هناك شيء لتفعله، ولديك متسع من الوقت، يمكنك تعزيز مهاراتك في السطو على العالم بداخلك، بتحفيز الخيال، ودفع العقل للتفكير في اتجاهات سعيدة ومتفائلة، ما نسميه بأحلام اليقظة؛ ويمكنك تدريب عقلك باتباع تمارين التأمل وتنظيم التنفس واليوجا.

صحة

منذ أسبوعين
6 تمارين وعادات تساعدك للوصول إلى حالة «الوعي العميق»

المصادر

تحميل المزيد