ماذا لو استيقظت من نومك فوجدت نفسك تتحدث بلغة أخرى أو شعرت بأنك ميت تمامًا وفقدت أعضاءك؟ هذه ليست مادة لأفلام الخيال العلمي والإثارة؛ وإنما ظواهر على ندرتها تظل قابلة للحدوث، وللإسف فإن من يعانون منها غالبًا ما يتعاملون معها بوصفها أمرًا واقعًا وحقيقة، دون إدراك أن ما يمرون به ما هو إلا اضطراب ومحض وهم على الأغلب، والأهم أن له أسبابًا نفسية أو جسمانية تستعدي العلاج.

من هذا المنطلق ونظرًا إلى أهمية الأمر وخطورته؛ اخترنا أن نستعرض اليوم قائمة متلازمات نفسية غريبة وأكثرها إثارة للاهتمام.

1- «متلازمة فريجولي».. حين يصبح الجميع شخصًا واحدًا يطاردك!

تخيل أن يصبح حارس العقار وشريك حياتك ورئيسك بالعمل وسائق سيارة الأجرة جميعهم شخصًا واحدًا يُبدِّل مظهره طوال الوقت ويمارس فن التنكر بنجاح، فقط لإلحاق الأذى بك، كيف سيكون حالك؟

هذا هو ما يشعر به المصاب بالاضطراب الذي يُعرف باسم «متلازمة فريجولي»، وهو نوع نادر من الاضطرابات النفسية التي تتسبب في إيهام صاحبها بأنه مُعرَّض للخطر طوال الوقت، وهي الظاهرة التي تناولها المؤلف والمخرج تشارلي كوفمان في فيلمه الذي ترشح للأوسكار «Anomalisa».

من أعراض المتلازمة الهلاوس البصرية والسمعية التي تتراوح مدتها بين عدة ساعات أو أيام، وفقدان الذاكرة طويل الأمد أو قصير الأمد وخاصةً الذاكرة البصرية، وعدم الوعي بالذات، بالإضافة إلى المرور أحيانًا بنوبات قلق أو هلع. أما عن الأسباب؛ فيرى العلماء أن التعرُّض للحوادث والسكتات الدماغية أو الإصابات بالرأس، وحتى الزهايمر والخرف وتناول أدوية لعلاج «الباركنسون» أو الإصابة بالفصام وثنائية القطب، جميعها محفزات من شأنها إظهار أعراض «الفريجولي».

لكن، لحسن الحظ فإن هذه المتلازمة نادرة؛ إذ تصيب 0.12% من المصابين بالاضطرابات النفسية، وبالرغم من أن ليس لها علاج يمنعها بالكامل، فإن المتابعة النفسية مع المريض من شأنها أن تجعله أكثر وعيًا بحالته ليحقق التوازن النفسي المطلوب. كذلك تلعب الأدوية المضادة للاكتئاب والذهان والأدوية المهدئة وأدوية القلق دورًا في تهدئة الحالة والحَد من الأعراض، وإن كان العلاج قد يصبح مسألة شبه مستحيلة إذا تصور المريض أن الأطباء أنفسهم أشخاص متنكرون.

يُذكر أن هذه المتلازمة سُميَّت بذلك الاسم نسبةً إلى الممثل الإيطالي ليوبولد فريجولي الذي اشتهر بقدرته الاستثنائية على تغيير مظهره بسرعة خلال عروضه المسرحية. أما أول حالة فظهرت عام 1927 حين اتهمت امرأة شابة، اثنتين من الممثلات الفرنسيات بالتنكر في هيئة أشخاص تعرفهم تارة وآخرين لم ترهم من قبل ومطاردتها.

2- «متلازمة ديدان الأذن».. أسطورة الأغنية العالقة

هل وجدت نفسك عاجزًا عن نزع أغنية أو لحن ما من رأسك حتى ولو كنت لم تستمع إليه منذ فترة ليست بالقصيرة؟ هذه الظاهرة التي تحدث لما يقرب من 98% من سكان العالم تُعرف باسم «دودة الأذن» أو «متلازمة الأغنية العالقة»، وكذلك «التصوير الموسيقي اللاإرادي».

وهي ظاهرة لا إرادية عادةً ما تحدث حين يكون الذهن في حالة شرود بالتزامن مع نقص الانتباه، جدير بالذكر أن نوع الموسيقى الذي يتردد بالرأس أكثر من غيره بهذه الأحوال، غالبًا ما يتَّسم بكلماته السهلة أو لحنه السريع والمميز، وليس كما يتوقع البعض بعدد المرات التي استمع فيها الشخص إليه، وأحيانًا يعتمد الأمر على الارتباط العاطفي والشرطي الذي تحمله الأغنية دون غيرها بالنسبة لصاحبها.

لهذا مثلًا تصعب أن تأتي «دودة الأذن» على هيئة أغنية بلغة أجنبية لا يفهمها صاحب المتلازمة، وفقًا لما جاء على لسان دكتورة كيلي جاكوبوفسكي من قسم الموسيقى في جامعة دورهام. أما الأكثر عرضةً لهذه الظاهرة حسب ما ذُكر في دراسة نشرت عام 2012 في مجلة «Psychology of Music» أن كلما كان الشخص موسيقيًّا، زاد احتمال تعرضه لهذه الظاهرة.

وينصح العلماء من يرغبون بالتخلص من تلك الظاهرة بأمرين: الأول مضغ العلكة؛ الذي من شأنه حجب المقطوعة الصوتية بالذاكرة قصيرة المدى، والثاني الاستماع للأغنية التي تستحوذ على الشخص كاملةً؛ من أجل التحرر من المقطع العالق بالذهن وتخطيه.

3- «متلازمة إكبوم».. الحشرات الخفية التي تزحف على جسدك

«متلازمة إكبوم» هي متلازمة معنية بالتطفل الوهمي؛ إذ يعتقد من يعاني منها بأن جسده موبوء بالكثير من الحشرات من بينها البق والديدان والطفيليات والعناكب، حتى إنه يشعر بها تزحف تحت جلده أو على بشرته، وعادةً ما يسعى المصاب بها للعلاج من قبل متخصصين طبيين وليس نفسيين، اعتقادًا منه بأن هذه الإصابة الجلدية حقيقية.

 

يُذكر أن فيلم «Bug» استعرض هذه المتلازمة بتصرُّف؛ فجاءت بطلته شخصية تتوهَّم بأنها موبوءة بالبق نتيجة لبعض المؤامرات التي يُحيكها علماء الحكومة سيئو السمعة، ومع الوقت وتضاعف شعورها بالتهديد والإصابة تتبنى نظرية المؤامرة ثم تتوالى الأحداث.

4- «چامي ڤو».. اللحظة المنسية: من أنت وأين أنا؟

على عكس الظاهرة المعروفة باسم «دي چاڤو» التي يشعر فيها المرء بأن الأشخاص/ الأماكن/المواقف تتكرر وأنه قد مرَّ بها مسبقًا وعاشها من قبل، تأتي متلازمة «چامي ڤو» والتي بسببها يعتقد الشخص أن الموقف الذي يمر به رغم اعتياده وتكراره، غير مألوف.

كأن يشعر المرء في خضم حديثه مع شخص ما بأنه لا يعرفه، أو عند وجوده في مكان ما ينتابه شعور بأنه لم يزره من قبل، وهو ما يحدث لفترة قصيرة من الوقت قبل استعادة الشخص لذاكرته الطبيعية.

وفي حين أن بعض العلماء يربطون هذه المتلازمة باضطرابات دماغية أخرى مثل الصرع وفقدان الذاكرة، فإن التجارب التي أجراها عالم النفس العصبي كريس مولين أفادت بأنها قد تنتج من نوع من الشبع الدماغي؛ الذي يحدث بدوره حين تتعرَّض الدماغ لمشاهدة الأمر ومعايشته مرارًا وتكرارًا، حتى إن هناك ظاهرة مماثلة تحدث عند استخدام الشخص أو مطالعته لكلمة معينة الكثير من المرات، ثم مع الوقت يجد نفسه وقد نسي معناها.

وهو ما يتماشى مع الدراسة التي أُجريت في جامعة ليدز البريطانية؛ إذ طُلب من ما يقرب من 100 شخص كتابة كلمة «باب» بالإنجليزية 30 مرة في دقيقة واحدة، فإذا بالنتيجة تُشير إلى أن 68% من المتطوعين شعروا بأنهم لم يسبق لهم معرفة هذه الكلمة من قبل.

5- «متلازمة اللكنة الأجنبية».. ماذا لو استيقظت بلهجة جديدة؟

ماذا لو استيقظت ذات يوم فوجدت نفسك تتحدث لغة أجنبية لا تعرف عنها شيئًا بل وتُجيدها تمامًا كما لو كانت لغتك الأم؟ أو أنك تتحدث بلغتك الأم ولكن بلهجة مختلفة؟ قد يبدو الأمر امتيازًا إيجابيًّا، غير أنك قد تُغيِّر رأيك إذا عرفت أنه يحدث إثر التعرُّض لإصابة خطيرة في الدماغ، مثل السكتات الدماغية أو الإصابات الرضحية بالرأس، وأحيانًا بسبب حدوث مضاعفات بورم في الدماغ أو كعَرَض في حالات الصداع النصفي الحاد.

علوم

منذ سنتين
الاضطرابات العقلية سببها التطور البشري.. أي مستقبل ينتظر الأجيال القادمة؟

تُعرف هذه الظاهرة باسم «متلازمة اللكنة الأجنبية» والتي تنتج من حدوث تشوش لفظي، وقد وثقت 62 حالة بين عامي 1941 و2009، ومن بين التغييرات التي سُجِّلت، تغيير اللهجة من اليابانية إلى الكورية، ومن الإنجليزية البريطانية إلى الفرنسية، ومن الإنجليزية الأمريكية إلى الإنجليزية البريطانية، ومن الإسبانية إلى المجرية.

ومع أن هذا الاضطراب لا يشكل خطورة في ذاته على الصحة، فإنه يؤثر في أصحابه نفسيًّا؛ فوفقًا لتصريحات المصابين به، أكدوا شعورهم بالغربة على أرض الوطن، وتعرُّضهم تارةً للسخرية ممن حولهم وتارةً أخرى لعدم القدرة على الفهم من قِبل الآخرين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد