لم يكن صباح العاشر من مارس (آذار) الحالي يومًا عاديًّا للإيطاليين، وتحديدًا بالقرب من محطة مترو «شيبرو»، إحدى أقدم محطات المترو التي تعرفها البلاد منذ ما يزيد على 50 عامًا، تكاد لا تلمح بشرًا يدخل إليها أو يخرج، الشوارع حولها خالية والمحال مغلقة، بدا الأمر وكأن أمرًا ما قضى على كل مظاهر الحياة. لكن هذا لم يكن سوى فيروس كورونا (كوفيد 19) الذي ضرب البلاد طولًا وعرضًا، وأجبر السلطات على فرض حالة عزل عامة في كافة الأنحاء، بدءًا من هذا اليوم إلى أجل غير مسمى.

لم تعرف هذه المدينة العريقة مثل هذا الفراغ منذ وقت طويل، لكنها حين عرفته كان الوباء أشد خطرًا وبأسًا من فيروس كورونا، كان الموت الأسود أو الطاعون. وفي هذا التقرير نستعرض أسوأ خمسة أوبئة اجتاحت البشرية.

1- الموت الأسود.. حين فني نصف سكان أوروبا في 4 أعوام

فترة الوباء: (1347م- 1351م)

غير بعيد عن مدينة روما، وبالتحديد في مدينة «كافا» على ضفاف البحر المتوسط قبل نحو 750 عامًا، فوجئ سكان المدينة، التي كانت تحت حصار المغول لشهور طويلة، بجثث تُلقى من فوق الأسوار. لم يفهم السكان الأمر، لكنهم ارتعدوا عند رؤية الدُبل السوداء على وجوه الجثث الملقاة، وسرعان ما اتضح الأمر. كانت حربًا بيولوجية من قائد جيش المغول جاني بيج، الذي أصيب جنوده بالطاعون فأراد إصابة سكان المدينة به لهزيمتهم؛ فألقى عليهم الجثث، هرع السكان إلى المدن القريبة ومن بينها روما، وفي غضون وقت قصير كان الموت الأسود يجتاح أوروبا بأسرها.

                            رسم يوضح الإصابة بالموت الأسود في فلورنسا عام 1348

أدى الطاعون إلى مقتل 75 مليون شخص على الأقل، بينما تفيد تقديرات أخرى بأن العدد الفعلي 200 مليون.

ينتقل الطاعون من خلال بكتيريا صغيرة تُدعى «ييرسينيا بيستس»، تعيش في معدة البراغيت، والتي بدورها تكون على جسد الفئران، كذلك ينتقل الطاعون من خلال رذاذ الشخص المصاب، أو لمس أنسجة الجسم المتقرحة. وبُعيد اختراع المضادات الحيوية، أصبح هناك علاج فعال له، عبارة عن مزيج منها، مثل الستريبتوميسين والكلورامفينيكول.

2- الإنفلونزا الإسبانية.. أكثر الأوبئة شبهًا بفيروس كورونا الحالي

بداية الانتشار: 1918م

في منشور للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على «فيسبوك» بتاريخ 9 مارس 2020،  قلل من خطورة فيروس كورونا مدَّعيًا أن عدد من ماتوا بفيروس الإنفلونزا الموسمية أكثر من حالات الوفاة التي تسبب فيها فيروس كورونا، وهو الانطباع نفسه الذي أخذته الدول الأوروبية الكبرى، مثل بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، عن فيروس الإنفلونزا الإسبانية الذي اجتاح العالم عام 1918.

كانت أعراض الإنفلونزا الإسبانية تشبه الإنفلونزا الموسمية (وكذلك فيروس كورونا الحالي)؛ إذ ينتمي الفيروس إلى سلالة «إتش 5 إن 1 H5N1»، وينتقل عن طريق اللمس والرذاذ، مؤديًا إلى سعال وارتفاع درجة الحرارة، وزرقة في الشفاه، ثم تدهور حاد ووفاة.

انتشر فيروس الإنفلونزا الإسبانية انتشارًا كبيرًا بين الجنود والمدنيين في وقت كان العالم يشهد نهاية الحرب العالمية الأولى، التي ما إن انتهت حتى تفشت الإنفلونزا الإسبانية تفشيًّا كبيرًا، لتصيب ثلث سكان العالم حينها، متسببة في وفاة نحو 50 مليون شخص.

وحدها إسبانيا التي لم تكن مشتركة في الحرب من انتبهت لخطورة المرض، فأسمتها الصحافة الفرنسية والبريطانية بالإنفلونزا الإسبانية تهكمًا من هذا الاهتمام، في النهاية أدركوا خطأهم الكبير، لكن بعد فوات الأوان.

3- الإيدز.. بداية غامضة وحقائق صادمة

بداية الانتشار: 1981م

في البدء كان العالم على موعد مع مرض غامض منتشر في أوساط المثليين الأمريكيين، كان الأمر يؤدي إلى نقص حاد في مناعة المصابين، والعديد من الأورام والتقرحات، ومن ثم يؤدي إلى الوفاة، بالمزيد من البحث والتدقيق عرف العلماء أننا على موعد مع واحد من أسوأ الأوبئة في القرن العشرين؛ وباء الإيدز.

Embed from Getty Images

يتسبب في هذ الوباء فيروس «إتش آي في (HIV)» المنحدر من الشامبانزي في عشرينيات القرن العشرين، كما يعتقد العلماء، وينتقل عن طريق الدم، أو الرضاعة الطبيعية، أو ممارسة الجنس من خلال السائل المنوي للرجل والسائل المهبلي للأنثى، أو من خلال الإبر الملوثة بهذا الفيروس.

أدى انتشار فيروس الإيدز إلى إصابة 65 مليون شخص حول العالم، توفي منهم نحو 35 مليون شخص حتى الآن، وما يزال العلماء في بحث عن علاج فعال له.

4- طاعون جستينيان.. عامان من الخوف

فترة الوباء: (541م – 542م)

في الماضي كانت مصر هي مخزن غلال العالم، لذلك بدأ الأمر كله من صعيد مصر، على متن سفن الغلال التي كانت تقل الحبوب والغذاء إلى الإمبراطورية البيزنطية في القسطنطينية (إسطنبول حاليًا) وما حولها.

عن طريق الفئران والبراغيت، انتشر في ربوع مصر ما يُعتقد أنه أحد أقدم أشكال الطاعون الدبلي الذي شهده البشر، ثم انتقل عبر السفن إلى القسطنطينية، ثم روما والدانمارك، وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، وسائر أنحاء أوروبا.

أدى هذا الوباء إلى مقتل نحو 25 مليون شخص، وهو عدد ضخم للغاية مقارنة بالفترة الزمنية هذه، كانت الأرض تفيض بالجثث، فلا يستطيع الناس دفنها أو التخلص منها، وهو ما يؤدي إلى زيادة انتشار المرض أكثر.

أُطلق على المرض اسم طاعون جستينيان؛ نسبة إلى الإمبراطور جستينيان الأول، الذي كان يحكم الإمبراطورية البيزنطية إبان هذين العامين اللذين انتشر فيهما الطاعون.

5- الكوليرا.. وباء الفقراء

فترة الانتشار: (1852م- 1860م)

تُعد الكوليرا واحدة من الأوبئة التي ما تزال سارية في عالمنا حتى اليوم، وتتسبب بها جرثومة تُدعى «ضمة الكوليرا»، وهي من الأمراض المعدية عن طريق أكل طعام، أو تناول شراب ملوث بالبكتيريا، وقد تؤدي إلى الوفاة في غضون ساعات قليلة؛ نتيجة الإسهال الحاد والجفاف.

نتيجة بحث الصور عن cholera

من المعروف تاريخيًّا أن هناك سبع موجات ضربت العالم من وباء الكوليرا، كان أشدها فتكًا تلك التي بدأت في الهند عام 1852م، وانتشرت عن طريق الأنهار والمياه الملوثة إلى أوروبا، وأمريكا الشمالية، وأفريقيا، وأدت إلى مقتل نحو مليون شخص في غضون ثمانية أعوام فقط.

الجدير بالذكر أن الكوليرا ما تزال حتى اليوم تضرب العديد من بلدان العالم الفقيرة، مثل اليمن، كما تُكتشف سنويًّا من 3 إلى 5 مليون حالة مصابة بالكوليرا، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، تودي بحياة نحو 120 ألف شخص.

صحة

منذ أسبوعين
يريد مصل «كورونا» غدًا.. هذا ما يجهله ترامب عن مراحل تجارب الدواء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد