«العلماء ليسوا أقل عرضة من الآخرين للوقوع في الخطأ»، هكذا يقول توم فيليبس في كتابه «البشر: موجز تاريخ الفشل»، مشيرًا إلى أن العلماء هم الآخرون معرضون لاكتشاف خطأ نظرتهم إلى العالم ومعرضون للإخفاقات العلمية، والعلم مثله مثل أي شيء آخر يتعرض للضغوط الاجتماعية والسياسية، جنبًا إلى جنب الخطأ البشري، وهو ما يجعل حتى أعظم العقول البشرية عرضة للفشل، ومن وحي هذا الكتاب، نستعرض خمسة إخفاقات علمية تثبت أن القدرات العقلية لا علاقة لها بـ«معدل النجاح».

1. عندما ارتكب ألبرت أينشتاين واحدة من أفدح الأخطاء العلمية

على الرغم من أن كلمة «أينشتاين» أصبحت مرادفة للعبقرية في وقتنا الحالي، إلا أن عالم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتاين قبل أن يكون رمزًا للعبقرية، كان شابًا متلعثمًا في الكلام، بل واعتقد معلموه أنه بطيء الفهم وطرد من المدرسة لطبيعته المتمردة وفشل في الرياضيات. رغم ذلك تمكن في النهاية من تغيير مفهوم العالم أجمع عن علم «الفيزياء» والذهاب إلى ما هو أبعد من الفيزياء التقليدية عن طريق «النظرية النسبية العامة»، كما نالت أبحاثه عن ظاهرة التأثير الضوئي جائزة نوبل. 

لم يكن أينشتاين طالبًا فاشلًا فقط، بل كان أيضًا موظفًا فاشلًا يبيع بطاقات التأمين على الحياة ويصارع في أكثر من عمل لإعالة نفسه؛ حتى أن والده توفي معتقدًا أن ابنه عاجزًا عن الوصول إلى أية غاية أو هدف، وعلى الرغم من أنه أصبح فيما بعد عالمًا شهيرًا، إلا أن مشواره العلمي هو الآخر لم يمر دون فشل، وكأن النجاح ليس سوى الخطوة الأخيرة في الرحلة.

عام 1905 على سبيل المثال، نشر أينشتاين أوراقًا بحثية حول التأثير الكهروضوئي و الحركة البراونية والنسبية الخاصة من بين أمورٍ أخرى، حتى أطلق على العام «سنة المعجزة»، وذلك لغزارة إنتاجه العلمي فيه. كان من بين هذه الأبحاث حساب أرقام «طاقة الراحة» وهي جزء من الطاقة الكلية للجسيم، وهو ما اعتبره البعض نجاحًا منقطع النظير، حتى تبين خطأ حساباته في النهاية.

Embed from Getty Images

(ألبرت أينشتاين)

عمل على هذه المعادلة الشهيرة «E = mc∧2» قبل عام 1905 العديد من الباحثين والعلماء، الذين تمكنوا من الوصول إلى حساباتٍ تقريبية لم يستطع أحدهما أن يثبت صحتها، حتى جاء أينشتاين وأجرى حساباته؛ إلا أن تلك الحسابات كانت قادرة على حساب E = mc∧2 لجسيم في حالة سكون تام، إذ لم يستطع أينشتاين برهنة صياغة الحسابات الخاصة بجسيم متحرك، وهو خطأ لم يكتشف إلا بعد ست سنوات، عندما عمل الفيزيائي الألماني، ماكس فون لاوي، على صياغة المعادلة وأظهر الخلل في عمل أينشتاين.

لم يكن هذا هو الإخفاق العلمي الوحيد لهذا الرجل العبقري، بل أنه ارتكب خلال حياته عدة أخطاء، كان منها ما اعتبره العلماء من أفدح الأخطاء العلمية الحديثة، وهو إضافة «الثابت الكوني» إلى معادلات النظرية النسبية العامة من أجل الحفاظ على حالة ثبات الكون. إذ أعطت المعادلات في البداية إيحاء أن الجاذبية سوف تتسبب في انكماش الكون، وهو ما رآه أينشتاين خطأ يجب تصحيحه، ليعود الكون إلى حالته المستقرة، وهو الاعتقاد الذي ساد بين العلماء في ذلك الوقت. لهذا أضاف أينشتاين الثابت الكوني إلى المعادلات، وهو ما ثبت خطأه بعد ذلك بسنوات في نظرية «الانفجار الكبير». والتي دللت على عدم ثبات الكون، من حيث قابليته للتمدد والانكماش.

2. داروين أيضًا له إخفاقات علمية في فهم علم الوراثة

يشير عالم الفلك ماريو ليفيو إلى تشارلز داروين في كتابه «أخطاء براقة» قائلًا أنه كان عبقريًّا ومذهلًا حين واتته فكرة التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي ليخلق نظرية شاملة مثل هذه، محيرة للعقول. خاصةً وأن نظريته كانت خالية تمامًا من الحسابات الرياضية نظرًا لعدم إلمامه بالرياضيات. إلا أن هذا العالم الفذ كان جاهلًا بقوانين الوراثية والطريقة التي تنتقل بها السمات بين الكائنات الحية بحسبه.

يتناول ليفيو بالبحث ما اعتبره خطأً براقًا لتشارلز داروين في كتابه «أصل الأنواع»؛ وهو عدم الإلمام بعلم الوراثة، إذ أشار داروين إلى أن السمات تنتقل بين الأجيال عن طريق امتزاج صفات الأب والأم معًا، مثل الأبيض والأسود في علب الطلاء مكونًا مزيجًا رماديًا، إلا أن هذا التفسير البسيط قد دلل على جهل داروين بالوراثة من وجهة نظر ليفيو، حتى لو كان هذا الجهل ناجم عن المعرفة الشائعة حينذاك.

كان هذا هو الاعتقاد الشائع بين العلماء لتفسير انتقال السمات الوراثية بين الكائنات الحية، قبل أن يصبح مفهوم «الوراثة المندلية» مقبولًا ومفهومًا على نطاق واسع، ويصدق العلماء على اقتراح جريجور مندل، أنه عند امتزاج سمات الوالدين معًا، يجري التعبير عن أحدهما أو الآخر في الأجيال الجديدة، وليس ممتزجين كلاهما كألوان الطلاء.

كان الخطأ الفادح الذي ارتكبه داروين بحسب ليفيو هو «عدم الإدراك» لأن هذا التفسير البسيط يتعارض بشكلٍ أساسي مع نظريته. عن ذلك يقول ليفيو: «ما لم يدركه دارون أنك إذا زوجت قطًا أسود اللون إلى مليون قطة بيضاء، ستكون نتيجة هذا المزج الوراثي هو اختفاء اللون الأسود بين الأجيال الجديدة تدريجيًا، حتى ينتهي تمامًا، مما يجعل من المستحيل أن ينتهي بك الأمر مع قطط سوداء».

3. «حجر الفلاسفة».. الرغبة في تحويل المعادن إلى ذهب

نعرف جميعًا السير إسحاق نيوتن، الذي أسس علم الفيزياء الحديثة، لكن ما لا نعرفه عن هذا العالم النابغة هو أنه كان خيميائي، مهووسًا بالكيمياء، وذلك إثر رغبة دفينة داخله لتحويل المعادن الأساسية مثل الحديد إلى ذهب، فأخذ يبحث عن «حجر الفلاسفة» تلك المادة الأسطورية التي أشيع عنها القدرة على تحويل أي معدن إلى ذهب، والتي انشغل بها الخيميائيون منذ العصور الوسطى.

لم يكن اهتمام نيوتن بالكيمياء سرًا إلا أن اكتشافه صيغًا كيميائية لما وصفه بحجر الفلاسفة هو الذي اعتبر واحدًا من أسرار التاريخ، لم يطلع عليه أحد قبل أن يعثر الكيميائي ومؤرخ العلوم لورانس برينسيبي على مخطوطة قديمة من القرن السابع عشر وسط مجموعة خاصة من كتب الكيمياء، كتبها إسحاق نيوتن بخط يده، وفيها وصفة كيميائية لتلك المادة الأسطورية.

تاريخ وفلسفة

منذ 8 شهور
نيكولاس فلاميل.. هل نجح في تحويل الرصاص إلى ذهب؟

أعيد اكتشاف هذه الوثيقة منذ عدة سنوات، وجرى حفظها في «مؤسسة التراث الكيميائي» ومقرها فيلادلفيا بنسلفانيا، وفيها نجد وصفة -نقلها نيوتن عن الكيميائي جورج ستاركي- لإعداد الزئبق وهو المكون الأساسي لحجر الفلاسفة، والذي يعتقد أن بإمكانه أن يحول الرصاص إلى ذهب، مما يدل على محاولات نيوتن الخاصة لصنع تلك المادة السحرية. على الرغم من ذلك لم يجد العلماء حتى الآن دليلًا واحدًا على تمكن نيوتن من تحويل المعادن إلى ذهب حقيقةً، إلا أنهم يعكفون حاليًا على دراسة هذه الوثيقة من أجل فهم أوسع للإجراءات الخاصة التي اتبعها نيوتن في الوصفة من أجل تسامي خام الرصاص كيميائيًا، وهي العملية التي استحوذت على اهتمامه وجهوده المعملية.

4. «البوليوتر».. القطرة تقضي على إمدادات شعب كامل من المياه

في خضم الحرب الباردة بين الولايات الأمريكية والاتحاد السوفيتي، تحديدًا في ستينيات القرن الماضي، اكتشف العلماء شكلًا جديدًا للمياه، كان متوقعًا له أن يصبح واحدًا من أكثر الاكتشافات العلمية نجاحًا وخطورة في القرن العشرين. كان ذلك عام 1966، عندما أعلن اثنان من علماء السوفييت نوعًا جديدًا من المياه عن طريق تكثيف بخار الماء النقي في أنابيب زجاجية بالغة الرقة. كانت المياه الجديدة أكثر لزوجة؛ إذ كانت كثافته أكثر بنسبة 40% من الماء العادي، فكان قوامها أشبه بزيت الأطفال؛ كما كانت درجة تجمدها تصل إلى 40 درجة مئوية بخلاف الماء العادي الذي يتجمد عند درجة حرارة صِفر.

بدأ الأمر في معمل سوفيتي صغير ومنعزل أوائل ستينيات القرن الماضي، إذ عمل نيكولاي فيدياكن -العالم بالمعهد التكنولوجي لمقاطعة كوستروما في روسيا- على المياه، باحثًا في نظرية قديمة تعود إلى القرن التاسع عشر، مفادها أن قطرات المياه المنفردة تتبخر أسرع مما لو كانت محفوظة في وعاء، خاصةً لو كان هذا الماء محفوظًا في أنبوب زجاجي، حينها توقع العالم ويليام طومسون المعروف باسم اللورد كلفن، أن انحناء سطح الماء يؤثر في سرعة تبخره؛ وهو الأمر الذي جعل العالم فيدياكن يضع قطرات من الماء النقي داخل حاويات بأشكال مختلفة، مكثفًا بخار الماء في أنبوب زجاجي قطره بحجم شعرة إنسان.

كانت النتائج التي رآها فيدياكن تحت المجهر غريبة وغير متوقعة في الوقت ذاته؛ إذ انقسمت قطرات المياه النقي في شكل عمودين منفصلين، كالزيت والماء، وبعد تكرار تجاربه عدة مرات، تمكن من استنتاج أن الماء الموجود في قاع الأنبوب الزجاجي أكثر كثافة من الماء العادي، حينها اشترك معه مدير مركز الكيمياء الفيزيائية في موسكو بوريس درياجين، واستطاعا معًا تقديم هذا «الماء المُعدل» إلى العالم.

كان هذا ينذر باختراع قادر على تدمير أي نهر في أية دولة، مما أشعل سباق الحرب الباردة ما بين الولايات المتحدة وعدوتها اللدودة روسيا، وهو سباق خفي بين العالمين الشيوعي والرأسمالي، سعى خلاله كل منهم إلى إظهار براعته وتفوقه العلمي على الآخر، وما إن أعلن الاكتشاف الجديد لـ«المياه الشاذة» أو «المياه الفوارة»، حتى بدأ علماء الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في تقليد تلك التجربة، بغرض الحصول على المياه التي تمتلكها روسيا. 

في عام 1969، تمكن العلماء في أحد معامل الولايات المتحدة الأمريكية من تصنيع ما يكفي من الماء الجديد رغم صعوبة التجربة، وقد نشرت مجلة العلوم في العام ذاته، أن اكتشاف «البوليوتر-Polywater» سيؤدي إلى ثورة في عالم الكيمياء. كان من المقرر استخدام الماء الجديد في أجهزة التبريد ومواد تشحيم المحركات، لكن المخاوف كانت من استخدامه سلاحًا في التطبيقات العسكرية؛ إذ كان اختلاط هذا الماء المُعدل مع الماء العادي قد يعني سلسلة من التفاعلات، قد تحفز جزيئات الماء العادي لإعادة ترتيب ذاته في شكل بوليوتر.

كان هذا يعني أن قطرة واحدة من هذه المياه بإمكانها القضاء على إمدادات شعب كامل من المياه وتحويله إلى سائل غليظ لا يمكن استهلاكه. ظلَّ هذا الاكتشاف يمثل خطرًا حقيقيًا للكثير من الحكومات، وذلك حتى أوائل السبعينيات من القرن الماضي، عندما تمكن عالم أمريكي يدعى دينيس روسو من اكتشاف أن «البوليوتر» وهم لا وجود له على الإطلاق، فما كرس العلماء سنوات عمرهم وأرهقوا خزانات الدول من أجل الحصول عليه، هو كما وصفه العلماء «ماء قذر»، وما يمنحه خصائصه التي يتميز بها هو حجم القاذورات المتواجدة به.

5. «الفلوجستون».. العنصر الغامض للاحتراق

خلال القرن الثامن عشر، اكتشف العلماء مادة غامضة تكمن داخل الأشياء القابلة للاحتراق، وتتطاير حين احتراق المادة. حينذاك أطلقوا عليها «الفلوجستون»، واعتبروها درة علوم عصر النهضة، بل وصفت نظرية الفلوجستون بأنها «الدليل والمصباح المنير» لكيميائي القرن الثامن عشر. كان هذا بالطبع قبل أن يكتشف العلم الحديث أن تلك المادة لا وجود لها.

كانت بداية نظرية الفلوجستون عام 1669، عندما نشر الطبيب والكيميائي الألماني يوهان بيشر كتابًا عن طبيعة المعادن والمواد الأخرى، وقد كانت أفكاره المتعلقة بالاحتراق والمعادن هي الأساس الذي وضعت عليه تلك النظرية. إذ توقع بيشر أن المواد التي تحترق تحتوي على مكون ما قابل للاشتعال. وهو ما أطلق عليه «عنصر الاحتراق»، والذي يجري تحريره في الهواء أثناء الاحتراق، جنبًا إلى جنب الرماد. وبالمثل في المعادن؛ إذ إنها تنتج أثناء الاحتراق «الكلس»، وهو الرماد أو التراب الناتج عن احتراق الفلزات.

استمر الأمر هكذا حتى عام 1703، عندما نشر العالم الألماني والطبيب جورج ستال نسخة موسعة من نظرية بيشر؛ وأعاد تسمية تلك الأجسام التي تتحرر من المواد عند احتراقها، مطلقًا عليها اسم «اللاهوب» نسبةً إلى اللهب، وهو ما يعني باللغة اليونانية «الفلوجستون». كانت نظرية ستال تتضمن أن كل المواد القابلة للاحتراق تحتوي على الفلوجستون، الذي كلما زادت نسبته في الشيء، أحترق بطريقةٍ أفضل. أما اللهب، فيشير إلى إطلاق اللاهوب في الهواء، كما أشار إلى أن الهواء ضروري لعملية الاحتراق.

كانت «نظرية الفلوجستون» خلال القرن الثامن عشر هي المبدأ الأساسي لأي تفاعل كيميائي؛ إذ اعتقد العلماء حينذاك أن عنصر الاحتراق هذا مكون أصيل متواجد في كل المواد، وبالتالي كانت أية مادة مكونة من عنصر الفلوجستون ومعه عنصر آخر من عناصر الطبيعة، سواء كان هذا العنصر ماءً أم ترابًا أم حامضًا. وكانت قابلية أي مادة للاحتراق تعود إلى نسبة عنصر الاحتراق فيها.

علوم

منذ سنتين
من بينها النقود والبارود.. اختراعات قدمتها الصين القديمة للعالم

استمرت تلك النظرية العلمية سارية حتى نهاية القرن الثامن عشر، عندما قام العالم الفرنسي أنطوان لافوازييه باكتشاف الأكسجين ودوره في الاحتراق وخصائصه؛ حينها استطاع هذا الرجل خلال ما عرف بـ «الثورة الكيميائية» من تفنيد نظرية الفلوجستون الخاطئة؛ ليكتشف العالم أن النظرية العلمية التي استندت عليها الكيمياء خلال قرن كامل، كانت لعنصرٍ وهمي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد