تتجسد قوة الدول في قوة أجهزتها وكفاءة أنظمتها، وعندما نتحدث عن بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فإننا نعني مئات الأجهزة الحكومية التي راكمت عقودًا من الخبرة والكفاءة والتنظيم، جعلتها في القمة بين بلدان العالم.

في هذا التقرير، نستكشف خمسة أجهزة فيدرالية عادة ما يشار إليها بالبنان في مجالاتها، لما تحوز من قدرات تقنية وعلمية متطورة وموارد بشرية عالية التكوين، علاوة على حرص عناصرها على النزاهة والإخلاص للدستور الأمريكي، ما جعلها تتربع على عرش المؤسسات الحكومية الأمريكية، لتحظى بشهرة محلية وعالمية.

1- مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)

إذا شئنا أن نصنف الوكالات الحكومية الأمريكية فلربما كان مكتب التحقيقات الفيدرالي أفضلها سمعة، يتكلف المكتب، الذي يكن له الشعب الأمريكي احترامًا استثنائيًّا، بحماية الأسس الدستورية للولايات المتحدة الأمريكية، وحماية أمنها القومي من أعمال الإرهاب والتجسس، مثلما يتحمل مسؤولية إنفاذ القانون بخصوص الجرائم الفيدرالية، وهو يتبع مباشرة لوزارة العدل الأمريكية.

تملك كل ولاية من الولايات المشكلة لأمريكا جهازها الأمني الخاص، والذي يتكفل بملاحقة المجرمين وتطبيق القانون، لكن أحيانًا تواجه السلطات المحلية قضايا معقدة أو جرائم خطيرة أو حوادث جنائية عابرة للولايات، حينها يتم استدعاء عملاء مكتب التحقيق الفيدرالي فورًا لمعالجة القضايا الصعبة.

بإمكانك الاطلاع على قصة أحد التحقيقات الفيدرالية التي قام بها المكتب.

https://www.youtube.com/watch?v=FqpQxeZ7h3Y

نشأ المكتب سنة 1908 من قبل المدعي العام تشارلز بونابارت أثناء رئاسة تيودور روزفلت، حيث كانت الحاجة ملحة لعناصر أمنية تتسم بالكفاءة العالية والنزاهة لمواجهة موجة عصابات البنوك الشائعة في تلك الفترة، ومنذ تلك الفترة راكم الجهاز طوال عقود خبرة ثمينة لا يضاهيها أي جهاز أمني لدى أي بلد.

يقع المقر الرئيسي لمكتب التحقيقات الفيدرالي بالعاصمة واشنطن، والذي يعج بالمختبرات ومراكز تحليل البيانات، وتتوزع 360 وكالة فرعية تابعة للمكتب على الولايات الأمريكية، بالإضافة إلى تواجد 60 مركزًا فرعيًّا في دول مختلفة بالعالم، يضم حولي 35 ألف عميل، ويقوده حاليًا المدير جيمس كومي.

يتشكل المكتب من أربعة فروع: فرع الأمن القومي المسؤول عن مكافحة الإرهاب والتجسس وأسلحة الدمار الشامل، وفرع التحقيقات الجنائية المتكفل بملاحقة المجرمين ومخالفي القانون، وفرع التكنولوجيا والمعلومات الذي يقدم الدعم التكنولوجي والمعلوماتي للمحققين، وأخيرًا فرع الموارد البشرية المسؤول عن انتقاء العملاء وتكوينهم وتدريبهم.

يشتهر مكتب التحقيق الفيدرالي بالمهنية العالية والكفاءة والنزاهة، حيث يلقي القبض سنويًّا على الآلاف من عتاة المجرمين، بينهم قتلة متسلسلون وفاسدون يشغلون مراكز سياسية وأمنية عليا بالدولة، وعصابات المخدرات، ومجرمو الياقات البيض، وقراصنة الإنترنت.

يعتمد المكتب الفيدرالي في عمله على ثلاثة عناصر رئيسة، ممثلة في الخبرة والعلم والتكنولوجيا.

2- المجلس الوطني لسلامة النقل (NTSB)

من النادر جدًّا أن تقع حادثة طيران في بلد ما ولا يتم استدعاء خبراء المجلس الوطني لسلامة النقل الأمريكي للمساعدة في التحقيق، له سجل حافل بآلاف التحقيقات في حوادث الطيران، جعل منه حاليًا أحد أكثر الوكالات خبرة عالميًّا في هذا الصدد.

والمجلس الوطني لسلامة النقل هو وكالة فيدرالية مستقلة مكلفة من قبل الكونغرس الأمريكي، مهمتها الأساسية التحقيق في حوادث الطيران المدنية والحوادث الكبرى للقطارات والخطوط السريعة لكشف الأسباب المؤدية للحادث، وإصدار توصيات السلامة لمنع وقوعها مستقبلًا.

شاهد أحد تحقيقات الكوارث الجوية التي قام بها خبراء المجلس الوطني لسلامة النقل:

نشأ المجلس عام 1967، ولد من رحم هيئة الطيران المدني الأمريكية، كان تابعًا في البداية لوزارة النقل الأمريكية، قبل أن يصبح جهازًا مستقلًا بذاته سنة 1975، وقد حقق المجلس الفيدرالي حتى الآن في 124 ألف حادثة طيران منذ إنشائه، يبلغ عدد عناصره حاليًا 400 خبير متخصص، ويقع مقره في واشنطن.

جميع تحقيقات حوادث النقل تدخل تحت صلاحياته، إلا إذا تبين أن الحادثة وقعت بفعل إجرامي، في هذه الحالة يستلم مكتب التحقيق الفيدرالي المهمة، مثلما وقع في هجمات 11 سبتمبر، لكن لم يمنع هذا المجلس الوطني لسلامة النقل من إرسال آنذاك فرقه الخبيرة لمساعدة العملاء الفيدراليين في التحقيق.

يرجع الفضل في تحسن مستوى أمان النقل الجوي أساسًا إلى عمل هذه الوكالة، حتى أصبح حاليًا من شبه المستحيل وقوع حادثة طيران دون فعل إجرامي، وذلك بفضل تحقيقات خبرائه في الحوادث القبلية التي تكشف النقاب في كل حادثة عن جوانب قصور ما في صناعة الطائرة، أو أنظمة الصيانة والتدريب، أو بمنظومة السفر الجوي المدني، حيث سرعان ما يتم تجاوزها بعد تبني شركات الطيران الأمريكية توصيات المجلس، لتحذو حذوها الشركات العالمية الأخرى.

3- الإدارة الوطنية للملاحة الفضائية والفضاء (NASA)

وكالة الفضاء الشهيرة والرائدة في مجال الفضاء، المعروفة اختصارًا بـ«ناسا»، تتبع لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وهي المسؤولة عن برامج الفضاء الخاصة بأمريكا، والتي تتحف العموم في كل مرة باكتشافات فضائية جديدة.


أنشئت الوكالة الفضائية الأمريكية سنة 1957 بتمويل يقارب 16 مليار دولار، من قبل الرئيس الأمريكي السابق دوايت أيزنهاور، بعد صدمة تمكن الاتحاد السوفيتي من إرسال قمر «سبوتنيك» الصناعي.

تتكفل ناسا أيضًا بإجراء الأبحاث المدنية والعسكرية المتعلقة بالفضاء، وتم تطوير مجموعة من الابتكارات التي تستخدم حاليًا على الأرض بفضل أبحاثها الفضائية، بدءًا من الأطراف الصناعية، وأنظمة الاتصالات، والألواح الشمسية.

يحفل سجل ناسا بالإنجازات الفضائية الرائدة، كان أبرزها رحلة أبولو إلى القمر التي قادت إلى سير أول بعثة بشرية وآخرها حتى الآن على سطح القمر، وقد كانت سنة 2015 بمثابة «فتح» فضائي لناسا، إذ عرفت السنة اكتشافات عظيمة تمثلت في وصول مسبار هورايزونز كويكب «بلوتو» على أطراف المجموعة الشمسية، وبعدها تأكيد المركبة الفضائية «كيريوزيتي» التابعة للوكالة العثور على آثار تواجد مياه على سطح المريخ.

مكنت «ناسا» الولايات المتحدة الأمريكية من توليها قيادة العالم نحو اكتشاف الفضاء بدون منازع، بفضل ما يتوفر للوكالة من أطر ذات كفاءات عالية وتمويل وافر تحظى به، يقدر بمليارات الدولارات.

4- مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)

وكالة مكافحة الأمراض والوقاية منها هي المسؤولة عن حماية الصحة العامة للمواطنين داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تابعة لوزارة الصحة والخدمات البشرية.


تتلخص مهمة المركز في توفير البيانات والمعلومات اللازمة لضمان السلامة العامة للمواطنين الأمريكيين، ويندرج في ذلك رصد الأوبئة ومعدلات الأمراض المنتشرة، ووضع الخطط الضرورية لتحسين مستوى الصحة العامة، بالإضافة إلى تكفله بإصدار دلائل وتوصيات لعمل المؤسسات الصحية داخل أمريكا.

تأسس مركز مكافحة الأمراض والوقاية في الأول من يوليو 1946، ويقع مقره الرئيسي في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا، وقدرت ميزانيته سنة 2014 بـ 6,9 بليون دولار.

ساهم المركز في مجهودات محاصرة وباء «إيبولا» قبل عامين بإفريقيا، وها هو الآن يُرسل خبراؤه لأمريكا الجنوبية للمساعدة في التغلب على وباء «زيكا» المنتشر هناك.

مركز مكافحة الأمراض والوقاية هو صمام الأمان الأول للصحة العامة بالولايات المتحدة الأمريكية.

5- وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)

تتقاطع الوكالة في عملها مع مكتب التحقيق الفيدرالي في حماية الأمن القومي لأمريكا، بيد أنها لا تملك صلاحية إنفاذ القانون، وتتركز معظم أنشطتها خارج أمريكا.


أنشئت وكالة الاستخبارات الأمريكية عام 1947، ومهمتها الأساسية جمع المعلومات وتحليلها من خلال شبكة متشعبة من العملاء الاستخباريين والوسائل التقنية المتقدمة، وتضطلع بملاحقة التهديدات الإرهابية المحتملة التي قد تواجه الولايات المتحدة الأمريكية.

كما تتكفل الوكالة برصد الأخطار الحربية التي قد تواجه أمريكا من قبل دول أخرى مناوئة لها.

قبل 11 سبتمبر، كانت الوكالة الاستخبارية تشتغل بشكل انفرادي، لكن تحول عملها بعد ذلك إلى دور خدمي وتنسيقي مع الوكالات الحكومية الأخرى، وذلك بعدما اكتشف أنها تملك معلومات تحذيرية عن منفذي الهجمات وأخفتها عن مكتب التحقيقات الفيدرالية بسبب غياب قانون يلزمها بمشاركة معلوماتها مع غيرها من الوكالات آنذاك.

ورغم تورطها في بعض الأعمال المخالفة للقانون الدولي وحقوق الإنسان، فإنها تبقى العين الأولى لأمريكا على العالم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد