لا تزال الاحتجاجات متواصلة في المغرب، على خلفية حادثة «بائع السمك المطحون»، بعد تجدد المظاهرات الشعبية خلال نهاية الأسبوع، في كل من «الحسيمة، وطنجة، والدار البيضاء، ومراكش، والرباط، ومناطق أخرى»، تنديدًا بـ«الحكرة»، مثلما طالب فيها المتظاهرون بمعاقبة جميع المسؤولين المتورطين في الواقعة.

ولم يعرف المغرب حراكًا شعبيًا مماثلًا منذ اندلاع احتجاجات حركة «20 فبراير» إبان فترة الثورات العربية، في 2011، حيث بدا نفس المشهد يتكرر من جديد على الساحة المغربية في كثير من الجوانب، على سبيل المثال، شعارات الحراك «الكرامة، والعدالة، وإسقاط الفساد»، والجهات المؤطرة له «اليساريون، والحقوقيون، ونشطاء الحركة الثقافية الأمازيغية، وإسلاميو جماعة العدل والإحسان»، والأطراف المتبرئة منه «الأحزاب السياسية، والإعلام الرسمي)»، وحتى بؤر احتضان الحراك «طنجة، الرباط، الدار البيضاء، الحسيمة».

لكن بالرغم من هذا التشابه بين الحراكين، عرفت احتجاجات «سماك الحسيمة» سمات فارقة، تميزها عن حراك 2011، سمات تنبئ عن تطور السلوك الاحتجاجي في المغرب.

1. سلمية الحراك ميّزت مظاهرات الحسيمة

كان لافتًا في مجريات الحراك الشعبي الأخير، المرتبط بحادثة «بائع السمك»، الأجواء السلمية التي تميزه لحد الآن؛ إذ لم تسجل المسيرات الشعبية المعدودة بالعشرات في مختلف المناطق المغربية أي عنف أو فوضى أو عملية تكسير للممتلكات؛ بفضل التنظيم المحكم الذي ميزها.

أكثر من ذلك، قام المحتجون في مدينة الحسيمة بحماية المرافق العمومية، من خلال سلاسل بشرية مترابطة، في الوقت الذي غاب فيه الأمن. وبادروا إلى جمع مخلفاتهم في الساحات العامة، مكان نشاطهم، قبل مغادرتها. مثلما تطوع ثلة من شباب سكان الحسيمة لجمع نفايات أحياء المدينة بعد توقف خدمات الشركة المكلفة بتدبير النظافة، في سياق التحقيق حول ملابسات واقعة بائع السمك.

بخلاف حراك 20 فبراير (شباط) خلال 2011، شهدت العديد من الاحتجاجات آنذاك فوضى عنيفة، حوَّلت بعض البلدات إلى مناطق خارجة عن السيطرة. ما يحيل إلى انتقال السلوك الاحتجاجي من الحالة العدائية الفوضوية إلى سلوك حضاري منظم، يتحدى السلطة من خلال إبداع أشكال احتجاجية ترافعية، وهو ما ربطه، الباحث الأنثربولوجي، «سعيد بنيس»، بـ«تغير العلاقة بين المواطن والفضاء العمومي، الذي أصبح متنفسًا للاحتجاج والتفاعل المدني».

 

لكن يبقى التساؤل حول ما إذا كان هذا التوجه السلمي في الاحتجاج جاء من صميم الوعي الشعبي برقي هذا الأسلوب، أم كان اختيارًا اضطراريًا؛ نتيجة الخوف من بطش الآلة الأمنية.

2. تآكل مشاعر الاعتزاز برموز الوطن

من الأشياء التي أثارت جدلًا بين مكونات الرأي العام المغربي، ارتباطًا بحراك «سماك الحسيمة»، بروز في عدد من مظاهرات مناطق الريف، مظاهر يصفها البعض بـ«الانفصالية»، تجسدت في غياب العلم الوطني، وحضور بدلًا منه أعلام أمازيغية، وأخرى تعود لـما يعرف تاريخيًا بـ«جمهورية الريف».

في نفس السياق، اتسمت الهتافات المرفوعة خلال المسيرات الاحتجاجية في كافة بؤر الاحتجاج، بنفحة من السخط اتجاه الدولة ككل، جسدتها شعارات قوية تنم عن حنق شعبي عارم، من قبيل «الشعب يريد إسقاط المخزن» و«الراجل والمرأة هادي بلاد الحكرة» و«باش حنا مواطنين لا حقوق لا قوانين».

في نظر سعيد بنيس، يدخل ذلك «في الترافع على المطالب الاجتماعية، من خلال صيرورة الرفض، وعدم قبول التوافقات إلى حد إعادة النظر في بعض المسلمات، مثل تغييب العلم الوطني في بعض المسيرات»؛ مما يشير إلى تراجع المشاعر الإيجابية التي يكنها الشارع الشعبي تجاه «الرموز الوطنية»، في سياق السخط الشامل على أوضاع الواقع.

وبينما يعتبر البعض «المظاهر الانفصالية» التي تخللت مجموعة من المسيرات، مجرد تصرفات طائشة من شرذمة من الناشطين لا تؤثر على الأجواء العامة المتسمة بالسلمية، ونتيجة لتداعيات السياسات الفاسدة بالبلد، رأى آخرون فيها علامة على انحراف هذه الاحتجاجات و«فتنة» تهدد استقرار الوطن.

3. ارتفاع منسوب الوعي بتأثير الاحتجاج

فور اندلاع الاحتجاجات بعد وفاة «محسن فكري» داخل آلة «شفط الأزبال»، أقرت الدولة سريعًا مجموعة من الإجراءات في محاولة لتهدئة الشارع، منها فتح تحقيق شامل حول ملابسات الحادثة، وإعطاء وزارة العدل أوامر قضائية بمتابعة وضع قطاع الصيد البحري بالحسيمة، علاوة على تخفيف القبض الأمنية.

كل ذلك أسفر عن نتائج إيجابية؛ حيث انخفض ثمن سمك السردين من 20 درهم للكيلوجرام الواحد إلى سبعة دراهم في مدينة الحسيمة، بعد انجلاء المضاربين والوسطاء في سوق السمك خشية أن يطالهم التحقيق، كما كسب الشارع مساحة حرية للاحتجاج إثر تجنب القوات الأمنية التدخل الأمني، ناهيك عن أن المظاهرات الشعبية كانت كافية لتثير انتباه أعلى قيادات سلطات الدولة، وتنشر بلاغات متوالية تطمئن المحتجين بالاستجابة لمطالبهم.

هذا الأمر خلق انطباعًا عامًا لدى الرأي العام المغربي بجدوى الاحتجاج من خلال المظاهرات الشعبية، بعدما تبين قدرة هذا الأسلوب على التأثير في السلطة، كورقة ضغط في يد الشارع يمكن استغلالها لدفع السلطة نحو القيام بمسؤولياتها.

من جانب آخر، تحسنت صورة المتظاهرين على مستوى تمثلات الناس الذهنية، ولاسيما بعد المظاهر السلمية والحضارية التي تخللت المسيرات، ولم تنجح حملة الاتهام والتخوين، التي طالت المتظاهرين، وقد أقرّت الجهات الرسمية والسياسية بعفوية الاحتجاجات، بالمقابل غلفت نشطاء «حركة 20 فبراير» صورة سوداوية في ذهنية الرأي العام خلال 2011، الشيء الذي حد من قدرتها على الاستقطاب آنذاك.

من جهة أخرى، أظهر حراك «سماك الحسيمة» تطورًا على مستوى الوعي الشعبي بالواقع الاجتماعي والسياسي، وهذا ما عبَّر عنه الباحث السياسي، «مصطفى اليحياوي»، الذي قال: إن «المجتمع أصبح مهيأً للتعاطي مع مفهوم (الحق في العيش الكريم)، ليس كعطية تجود بها السلطة تعبيرًا عن رضاها عنه، وإنما كواجب على الدولة تأمينه بجميع مؤسساتها لأي مواطن ومواطنة، كما أصبح يدرك قيمة (الكرامة)، فصار متحررًا من الخوف في التعامل مع (سلطة القهر المشرعن)، الذي تمثله قرارات المصالح العمومية»، مضيفًا بأن الدولة تتوجس من تزايد الوعي في الهوامش الاجتماعية.

على نفس الجانب، بدا واضحًا، من خلال شعارات المسيرات ونشاطات رواد الشبكات الاجتماعية، تشكل «وعي طبقي» لدى الفئات الهشة، بإدراكها أن مصالحها الاجتماعية تختلف عن مصالح من هم في السلطة.

4. السلطة تتجنب التدخل الأمني

شكلت تجربة النظام السياسي في المغرب استثناء في التعامل مع ثورات «الربيع العربي»، حيث واجهت الاحتجاجات الشعبية من خلال محاولة الاحتواء، بدلًا من سياسة الحديد والنار، وسمحت للمظاهرات بالنزول إلى الشارع، إلا أنها في بعض الأحيان لجأت إلى التدخل الأمني العنيف لفض المتظاهرين، بالأخص في الفترة الموالية، بعد إعلان دستور 2011.

https://www.youtube.com/watch?v=Q95XEaRBOcM

وكما لوحظ في الحراك الشعبي، المتصل بواقعة بائع السمك، استجابت السلطات لاحتجاجات المتظاهرين بمرونة كبيرة؛ إذ لم يسجل أي تدخل أمني، وسُمح للمسيرات بجوب الشوارع بكل حرية، مثلما تجنبت الدولة الإنزالات الأمنية؛ خشية استفزاز المتظاهرين، ومن ثمّة تأجيج الوضع.

وعلى الرغم من ورود تصريح يحمل تهديدًا مبطنًا لوزير الداخلية، «محمد حصاد»، يقول فيه مخاطبًا المتظاهرين: إن «الداعين للاحتجاجات على مقتل المواطن محسن فكري، هي جهات معروفة»، لكنه عاد فيما بعد ليستدرك قائلًا بأن الاحتجاج هو حق مشروع لكل المواطنين.

وكانت التدخلات الأمنية الوحشية سببا في انفجار الوضع السياسي في كل من سوريا وليبيا واليمن ومصر إبان 2011؛ ما جعل «الدولة تأخذ احتياطاتها منذ تلك الفترة، واستوعبت بشكل جيد هذه الاحتجاجات، وكانت الخمس سنوات الماضية كافية للنظام من أجل استيعاب الدرس» كما يقول أستاذ علم الاجتماع «علي شعانبي».

5. «صحافة المواطن» بديلًا للإعلام التقليدي

لعبت القنوات التلفزية، الممثلة خصوصًا في شبكة «الجزيرة» القطرية والعربية السعودية، الدور المحوري في تغطية الثورات العربية قبل خمس سنوات، من خلال التقارير المتوالية والتحاليل السياسية والتغطيات البصرية المباشرة؛ وهو ما سهّل انتشار الاحتجاجات بالمنطقة العربية، وتزايد شرارتها، حتى أسقطت العديد من الأنظمة السياسية.

وأتى حراك 20 فبراير (شباط) بالمغرب حينها، في سياق عدوى التغطيات التلفزية للثورات المشتعلة بالمنطقة آنذاك، حيث ارتكز الرأي العام في متابعة الحراك على الإعلام التقليدي، من صحف وقنوات، فيما كان دور الإعلام البديل متأخرًا في المغرب بعض الشيء.

في حين، عرف الحراك الشعبي، الذي أطلق شرارته محسن فكري، بائع السمك المطحون بواسطة شاحنة القمامة، حضورًا قويًا للإعلام الجديد، المتمثل في المواقع الإلكترونية والشبكات الاجتماعية على شبكة الإنترنت.

وانبرت «صحافة المواطن»، في ظل غياب الإعلام الرسمي ولا مبالاة الإعلام الأجنبي، إلى تغطية الأحداث الأخيرة في المغرب منذ بدايتها، من خلال النقل المباشر للمسيرات الاحتجاجية عبر خدمة «اللايف» على «فيسبوك»، إضافة إلى متابعة تطوراتها وأخبارها والتعليق حول مجرياتها، وكذا نشر الدعايات الاحتجاجية.

هذا ما يشير إلى تزايد دور الإعلام الجديد في بلورة الاحتجاجات الشعبية بالمغرب، كفاعل رئيس في الحشد إليها، وتغطيتها، ونقلها للعموم، كبديل عن الإعلام التقليدي.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد