لم يكن التدخل العسكري الروسي في القرم أول التدخلات العسكرية الروسية، فلم ينس العالم بعد التدخل العسكري الروسي في جورجيا ودعم انفصال أوسيتيا وأبخازيا عام 2008، ويبدو أن القرم لن تكون آخر التدخلات العسكرية الروسية؛ حيث رصد 66 محللاً سياسيًّا وعسكريًّا تابعين لمركز “ويكسيسترات الشهير” 5 قضايا قد تقتضي أشكالاً مختلفة للتدخل الروسي قبل عام 2020.

(1) أوكرانيا: الهجمات الإلكترونية بديلاً للتدخل العسكري

 

بعد تدخل روسيا في أوكرانيا واستيلائها على القرم، يتجه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للضغط على روسيا عبر تغليظ العقوبات الاقتصادية الموقعة عليها، من جانبها تسعى روسيا لتحجيم الخطوات الغربية والرد عليها عبر الهجمات الإلكترونية التي يقوم بها قراصنة روس غير حكوميين ضد المؤسسات المالية الغربية مما قد يتسبب في خسائر فادحة لدول الاتحاد الأوروبي وحلفائها.

تبدو روسيا لا ترغب في استفزاز الناتو عسكريًّا عبر مزيد من التوغل في أوكرانيا ودول أوروبا الشرقية، وهو ما قد يستفز فعلاً الناتو للتدخل وفقًا لبند الدفاع المشترك “المادة الخامسة من قانون الحلف”، وعلى المدى القصير قد يسبب هذا الأمر إجهادًا لنظام الشبكات والمعلومات الخاص بالاتحاد الأوروبي الذي ربما لن يستطيع التكيف مع الهجمات المتتالية.


من جانبها، ربما تلجأ الولايات المتحدة لعملية قرصنة مضادة، حيث يبدو أن الحرب الإلكترونية ربما تكون هى الجولة القادمة، بعد أن أجبرت عقوبات الاتحاد الأوروبي روسيا على تحمل عبء اقتصادى كبير مقابل الانتصار الذي حققته – حتى الآن – في القرم.

(2) روسيا قد تدعم انقلابًا عسكريًّا ناعمًا في بيلاروسيا

عام 2015 يفوز ألكساندر لوكاشينكو “الرئيس الحالي الحليف لموسكو”، بالاستحقاق الانتخابي في روسيا البيضاء “بيلاروسيا” آخر معاقل الديكتاتورية في أوروبا وسط ادعاءات بالتزوير، وعلى وقع أصداء نجاح المتظاهرين في أوكرانيا في إقصاء الرئيس فيكتور يانكوفيتش، تجتاح المظاهرات البلاد ويملأ المتظاهرين ميدان بلوشكا ” أكبر ميادين البلاد” بينما تفض قوات الأمن تجمعاتهم باستخدام القوة المفرطة مما يسهم فى توسيع حركة الاحتجاجات التي تكسب شرعية شعبية.


ويتوقع المحللون أن تحاول روسيا أن تستفيد من أخطائها في أوكرانيا، وتقر روسيا بما أجمع عليه المراقبون الدوليون من حدوث شوائب تزوير، فتقوم بتدبير انقلاب عسكرى ينفذه قادة الجيش –المدعومين من روسيا- وأجهزة الأمن البيلاروسية التي تقوم باعتقال “لوكاشينكو” وتنصيب رئيس مؤقت للبلاد.

ويَتِّهم كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي موسكو بالتدخل في الشأن البيلاروسي ومعاملتها كولاية روسية لا كدولة مستقلة، بينما تبدي الصين سخطها لإزاحة لوكاشينكو الذي تعتبرها حليفها في أوروبا الشرقية، في حين تتأمل روسيا في وصول رئيس جديد إلى السلطة يكون بإمكانه تحسين الاقتصاد في روسيا البيضاء لجعلها شريكًا أكثر رسوخًا وتهدئة الشوارع الذي ربما تموّج بالّسخط.

 

(3) 2017: عملية عسكرية محتملة لروسيا ضد القراصنة في الصومال

يتعرض المدنيون الروس في الصومال بشكل متكرر للاختطاف، بينما يطالب المختطفون الحكومة الروسية بدفع مبالغ كبيرة كفدية، في المقابل اختارت روسيا إرسال متعاقدين عسكريين من إحدى شركات الأمن في روسيا للتعاون مع البحرية الروسية بشأن هذه المهام.


في الواقع، الأمر له أهداف عدة لا تتعلق فقط بحماية المدنيين الروس كما تدّعي روسيا؛ حيث تهدف روسيا لتأكيد قدرة الشركات العسكرية الروسية فى السوق العالمى للمرتزقة، إضافة إلى مناورة القوميين فى الداخل الروسي، وأخيرًا وضع روسيا بشكل واضح كحليف محتمل للدول الإفريقية التى يهدد المسلحون الاستقرار فيها.
وتقوم وكالة الاستخبارات الروسية تحدد مركز تجمع الخاطفين فى مخيم شرق كيسماو، والخطة تقوم على نقل الفريق الأمنى إلى السودان عبر الجو ومنها إلى مناطق تمركز السفن الروسية على سواحل الصومال؛ حيث يتسرب الفريق ليلاً ويهاجم معسكر القراصنة تحت غطاء من القصف يوفره الأسطول الروسي، لتحرير المخطوفين بصرف النظر عن أعداد الضحايا المحتملين، ويبدو المجتمع الدولي متعاطفًا مع نوايا التحرك الروسي لإيقاف عمليات القرصنة وخطف الأجانب في الصومال.

 

(4) 2018: تدخل عسكري محتمل في شرق كازاخستان.


 

ربما يكون رئيس كازاخستان المخضرم نزار باييف غير قادر على القيام بمهام منصبه ، أو ربما توافيه منيته في أي وقت نظًرا لمرضه الشديد، الأمر الذي سيترك البلاد في وضع سياسي مضطرب وغير مستقر.

تمتلك كازاخستان هواجس تارخية تجاه التدخل العسكري الأجنبي خاصة من الصين، وبالنسبة لروسيا تعتبرها كازاخستان أهون الشرين، مما قد يعطي روسيا ذريعة للتدخل العسكري في شرق كازاخستان خصوصًا في مدينة “أوسكيمين” تحت ذريعة حماية الأقلية الروسية هناك.

الرسالة السياسية التي قد ترغب موسكو في تمريرها عبر هذا التدخل موجهة تحديدًا إلى بكين؛ حيث تريد موسكو أن تخبر بكين أنها وحدها قادرة على حفظ الاستقرار في كازاخستان خلال هذه الفترة المضطربة، لاحقًا قد تلجأ روسيا لتأسيس منطقة عسكرية شرق كازاخستان ربما يتم توسيعها مستقبلاً.


دوليًّا ربما تبدي الصين والولايات المتحدة تحفظاتهما لكن دون تدخل يذكر، أما دول طاجكستان وتركمانستان وأوزباكستان ربما تبدي استيائها، بينما ستلتزم الأمم المتحدة الصمت؛ حيث يبدوأن كازاخستان ربما لن تميل إلى تدويل قضيتها مفضلة حل الأمور فوق تفاهم ثنائي مع موسكو.

 

(5) 2020: روسيا تتدخل لمنع توصيل خط غاز من تركمانستان إلى أذربيجان.



مع حلول عام 2020 ، يكتمل تشييد خط أنابيب الغاز العابر للأدرياتيكي “تاب” الذي سيتم من خلاله نقل الغاز من حقل شاه دينيز في أذربيجان إلى شرق أوروبا.

على النقيض من ذلك، فإن خطوط الأنابيب التي توصل الغاز التركماني والكازاخستاني إلى الصين لا تزال غير مكتملة، وتقرر تركمانستان بناء خط أنابيب عبر بحر قزوين إلى أذربيجان من أجل فتح طريق من أجل تصدير الغاز إلى أوروبا.

وتعارض موسكو المشروع بشدة؛ حيث سيكون الغاز التركماني والكازاخستاني منافسيْن للغاز الروسي في أوروبا، وتتذرع روسيا باحتمال وقوع أضرار بيئية في قاع بحر قزوين بسبب المشروع الجديد، وتسعى تركمانستان لترسيم حدودها بدقة في بحر قزوين، بينما ترسل موسكو أسطولها إلى بحر قزوين لمنع الفرق الهندسية من مد الأنابيب الجديدة.

ويشجب كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تكتيكات روسيا، دون وجود مقدرة على التدخل مباشرة بسبب بعد المسافة وصعوبة توصيل الخدمات اللوجستية، وتبدو القضية غير مهمة بما يكفي للصين من أجل افتعال نزاع مع روسيا، إلى جانب ذلك، يمكن أن بكين تستخدم هذا الأمر كذريعة لاتخاذ إجراءات مماثلة من جانب واحد في بحر الصين الجنوبي.


الخلاصة – ووفقًا للدراسة – تبدو أغلب التدخلات الروسية المحتملة قريبة من حدودها مما سيعطيها ميزة نسبية وقدرة على استعراض قوتها، كما يبدو أن روسيا في طريقها لاستخدام أساليب مبتكرة للحرب كالحرب الإلكترونية وحرب ولمرتزقة وغيرها.
تعتمد موسكو بوضوح على وجود حلفاء لها يبررون تدخلها فى المناطق التب ستتدخل فيها، ردود الفعل الأمريكية والدولية ربما تكون ضعيفة نظرًا لبعد المسافات وقلة البدائل والخيارات، إضافة لسعي روسيا لخلق حقائق جيدة على الأرض في وقت قصير مما يصعب مهمة خصومها.

وتعكس التدخلات العسكرية المتكررة مشكلة روسيا الديبلوماسية التي تعاني تقلص نفوذها الديبلوماسي في آسيا لصالح الصين الصاعدة التى تبدو وكأنها تتعمد ااستخدام الطرق الديبلوماسية بديلاً عن اللجوء المفرط للدخل العسكرى أسوة بروسيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد