تستقبل إحدى كبرى الحركات الشبابية في مصر عامها الثامن، وسط تحديات جمة ووضع داخلي وإقليمي يضعها أمام التحدي الأكبر في تاريخها القصير، منذ انطلاقتها عام 2008، تحت شعار “نضال لا يعرف اليأس” وقبضتها البيضاء المرفوعة داخل الدائرة السوداء.

غالبًا ما تتميز الحركات غير الأيديولوجية بشكل عام والاحتجاجية منها بشكل خاص بقصر ملحوظ في أعمارها النسبية، وسرعة في التفكك إما بالفعل الضغوط التي تتعرض لها من قبل الأنظمة، أو بفعل الخلافات الداخلية الناجمة عن فقدان الحركة لدورها الوظيفي في غير أوقات الفعل الثوري والاحتجاجي.

وهذا ما سلمت منه الحركة حتى الآن، فبرغم تعرضها لعدة هزات وانشقاقات، إلا أن الحركة ما تزال تحتفظ بمسماها وكيانها في الوقت الذي تحللت فيه حركات احتجاجية نشأت في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك كحركة كفاية، أو حتى ائتلاف شباب الثورة الذي قام بحل نفسه في عام 2012 في أعقاب وصول الرئيس المعزول محمد مرسي نظرًا لاستنفاذ الكيان لأسباب وجوده، انتهاء إلى حركة تمرد التي سرعان ما مزقتها الخلافات بعد أن أنهت الدور الذي رسمته أو لعله الدور الذي كان مرسومًا لها كما تبين لاحقًا فيما بعد.

المرحلة الأولى: النشأة والتأسيس: من الإنترنت إلى الشارع إلى الثورة

تعود بذرة الحركة إلى مجموعة شبابية نشأت على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك بدايات عام 2008، وربما تكون هذه المجموعة هي أحد أولى تجليات الثورة الاحتجاجية التي ولدتها مواقف التواصل الاجتماعي، دعت المجموعة إلى تجاوز عدد أعضائها 60 ألفًا (رقم قياسي آنذاك في وقت لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي قد أخذت هذا الزخم الملحوظ في العالم العربي)، اختارت المجموعة يوم 6 أبريل بداية فاعلياتها الميدانية، حيث دعت لإضراب عام تزامنًا مع إضراب عمال المصانع في المحلة الكبرى، والذي لاقا صدى إعلاميًّا مشجعًا، وبخاصة أن الآلة الإعلامية للنظام في هذا التوقيت لعبت ضد نفسها حينما بالغت في تخويف الناس من النزول إلى الشوارع؛ مما أدى إلى خروج اليوم بشكل ناجح مقارنة بما كانت عليه الاستجابة مع الفعاليات الاحتجاجية في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.

اعتقلت قوات الشرطة عددًا من النشطاء من على مقاهي وسط البلد بالقاهرة، ورحلتهم لقسم شرطة قصر النيل، ثم نقلتهم لقسم شرطة الخليفة، وبعدها تم نقل إسراء عبد الفتاح (التي كانت تشرف على المجموعة الإلكترونية بصحبة أحمد ماهر) مع آخرين إلى سجن النساء بالقناطر، لتبقى هناك حتى يوم 23 أبريل 2008، في هذا التوقيت تعالت الدعوات بإضراب جديد يوم 4 مايو في ذكرى ميلاد مبارك، إلا أنه لم يلقَ الصدى المتوقع منه، قبل أن تتجه المجموعة الشبابية إلى التنظيم وعقد أول لقاء تنظيمي خارج الفضاء الإلكتروني في نقابة الصحفيين في أوائل يونيو من عام 2008، قبل أن تقرر الحركة تنظيم مسيرة أخرى على الكورنيش في ذكرى 23 يوليو لم يزد المشاركون فيها عن 30-40 شخصًا أذاعت خلالها أناشيد وطنية ورفت أعلام مصر، لكن قوات الأمن اعتقلت 14 شخصًا من المشاركين في المسيرة من بينهم شقيق مؤسس الحركة أحمد ماهر، واحتجزتهم لمدة 10 أيام.

في عام 2009، دعت الحركة إلى إضراب مماثل في ذكرى تأسيسها رغم معارضة عدد من الأعضاء المؤسسين (منهم أحمد ماهر)، إلا أن الدعوة فشلت فشلًا كبيرًا، وفجرت مشاكل داخل الحركة.

تزامنت اللحظة الذهبية لنشاط الحركة مع عودة الدكتور محمد البرادعي رئيس وكالة الطاقة الذرية إلى مصر، الدعوات بترشحه لرئاسة الجمهورية ثم الشروط التي وضعها البرادعي لترشحه، وتشكل الجمعية الوطنية للتغيير للمطالبة بالمطالب السبعة الشهيرة للإصلاح السياسي التي كان على رأسها تعديل الدستور (لم يكن تنحي مبارك أو إسقاط نظامه جزءًا منها) وعملية جمع التوقيعات الشهيرة التي شاركت فيها الحركة، كما شاركت فيها أيضًا جماعة الإخوان المسلمين.

تبنت الحركة بشكل كبير الدعوة إلى عدة فاعليات احتجاجية بعد مقتل الشاب السكندري خالد سعيد نتيجة للتعذيب داخل أحد أقسام شرطة الإسكندرية وتصاعد الغضب إلى أعلى مستوياته ضد جرائم وزارة الداخلية المصرية، خاصة مع انتشار صورته الشهيرة بعد وفاته بين أبناء الطبقة الوسطى المصرية، وقد لاقت الفاعليات نجاحًا معتبرًا مقارنة بالركود السياسي في هذه الفترة، وكانت التمهيد لدعوات التظاهر يوم 25 يناير في ذكرى عيد الشرطة للطالبة بإسقاط وزير الداخلية حبيب العادلي، والتي تطورت مطالبها فيما بعد انتهاءً بتنحي مبارك في 11 فبراير 2011، وقد ساهمت الحركة بدور رائد في عمليات الحشد والتجميع والتنظيم ضد الأيام الـ18 للثورة برفقة العديد من الائتلاف والتجمعات الشبابية التي تشكلت جامعة بين شباب الحركات السياسية والشباب غير المسيس في مصر.

أهم معالم الحركة في هذه الفترة

  1. تعتبر سنوات ما قبل الثورة هي السنوات الذهبية لعمل الحركة برغم بعض المشكلات التي واجهتها وقد شكلت الحركة ذلك بمشاركتها كأحد المكونات السياسية الرئيسية للثورة المصرية، حيث اجتذبت الحركة (سواء بالعضوية أو بالتعاطف) طوائف كبيرة من الشباب المصري الذي عزف عن المشاركة السياسية تجاه عهد مبارك وتميزت بكونها كيانًا بلا توجه سياسي محدد، كما تعرف نفسها: “كذلك فالحركة لا تتبنى أي أفكار أو أيديولوجيات معينة ولا تتبع أي جهة أو حزب أو شخص”.
  2. بنت الحركة في خلال هذه السنوات الثلاثة رأسمالها الرمزي في الشارع المصري (بخاصة بين الشباب) بوصفها حركة احتجاجية سياسية غير حزبية هدفها الوقوف ضد الطغيان والمطالبة بالحريات والحقوق العامة، قد أعلنت الحركة أنها لن تتحول إلى حزب سياسي أو تمارس أي شكل من العمل السياسي، وهما ما أدى إلى فقدان الحركة لجزء من رصيدها بعد أن خفتت جذوة الاحتجاج في الشارع المصري بعد الثورة الذي صار يوجه اتهامات للحركة بافتعال المشكلات.
  3. تميزت العلاقة بين الحركة في هذه الفترة وبين جماعة الإخوان المسلمين بالهدوء والانفتاح بوصفهما أبرز مكونات المعارضة ضد نظام مبارك، حيث شاركا معًا في توقيعات التغيير ثم في أحداث الثورة.
  4. تميزت الحركة منذ تأسيسها بحالة شديدة من الفقر التنظيري وضعف الأدبيات، فالحركة قد اكتفت بالشعارات الثورية كموجه لتحركاتها، كما أنها اعتبرت غياب الأيديولوجية أحد مميزاتها فجمعت في عهدها الأول بين بعض الشباب غير المسيس وبعض الشباب المنتمين إلى حركات سياسية أخرى، وهو الأمر الذي فجر خلافها الأول عام 2009، بعد سفر اثنين من أعضاء الحركة لتلقي دورة تدريبية لدى منظمة فريدوم هاوس الأمريكية، مما أدى لاعتراض أعضاء الحركة من ذوي الخلفيات الإسلامية والقومية وشكلوا جبهة سميت بـ”لن تمروا” كان يقودها ضياء الصاوي العضو بحزب العمل الإسلامي التوجه، قبل أن يعيد أحمد ماهر تنظيم حركته في عام 2009 خلال مؤتمر القلة المندسة نهاية عام 2009 بعد تخلص الحركة من معظم أعضائها الحزبيين.

 المرحلة الثانية: من بعد الثورة إلى عزل مرسي

1- كانت الحركة وصلت لأوج درجات شعبيتها في الأسابيع الأولى عقب عزل مبارك، وذلك قبل أن يبدأ التطاحن الأيديولوجي بين قوى الثورة يوم استفتاء 19 مارس الشهير حين اصطفت قوى الثورة على جانبين، ففي حين اتجهت قوى اليمين الديني إلى التصويت بنعم للتعديلات الدستورية مستخدمة دعاية وصفها الفريق الآخر بكونها دعاية دينية، انضمت الحركة إلى قوى اليسار والمعارضة العلمانية في مصر لرفض هذه التعديلات، وتعد هذه الخطوة هي أول انحياز سياسي للحركة تم تصنيفه في خانة الأيديولوجيا، ومع غياب التنظير وفقر الأدبيات لدى الحركة فيما يتعلق بمسألة الدين والسياسة والعلاقة بينهما ودعواتها المطلقة لفصل الديني عن السياسي تم تصنيف الحركة أيديولوجيًّا لأول مرة كأحد القوى العلمانية، وهو التصنيف التي لا تزال الصحافة العالمية تحتفظ به حول الحركة حتى الآن.

2- سعت الحركة بعد استفتاء 19 مارس لضبط خطها الاحتجاجي الثوري والحفاظ على رأسمالها الرمزي كحركة سياسية غير أيديولوجية بعد أن فقدت جزءًا منه (شأنها شأن جميع القوى الإسلامية والعلمانية) ضمن حالة الاستقطاب التي صنعها 19 مارس.

فصبت الحركة تركيزها ضد معارضة المجلس العسكري الحاكم ووصفته بأنه امتداد لحكم مبارك، ورفت شعارها “يسقط حكم العسكر منذ وقت مبكر”، في الوقت الذي تبنت فيه جماعة الإخوان المسلمين أسلوبًا مغايرًا في إدارة المرحلة الانتقالية يعمد إلى الحفاظ على علاقة جيدة مع المجلس العسكري الحاكم والضغط المتقطع لتسليم السلطة، ما جعلها موضع اتهام من قبل الحركات الشبابية بالارتماء في أحضان الجيش وخيانة الثورة.

كانت الحركة شريكًا أساسيًّا في الاستحقاقات الثورية ضد حكم المجلس العسكري بداية من أحداث محمد محمود الأولى (19 نوفمبر 2011)، وأحداث مجلس الوزراء (ديسمبر 200- يناير 2012)، محمد محمود الثانية (فبراير 2012).

3- شهدت هذه الفترة خلافات داخلية كبيرة في الحركة، خلال هذه الفترة، ففي أبريل عام 2011 شهدت الحركة أكبر انشقاقاتها بخروج حوالي 500 عضو اتهموا مؤسس الحركة أحمد ماهر بالفساد وممارسة الاستبداد، وشكلوا ما يعرف بالجبهة الديموقراطية، ثم تفجر الخلاف مرة أخرى بعد قرار جبهة أحمد ماهر دعم مرسي في الانتخابات الرئاسية لتشهد الحركة انشقاقًا جديدة بخروج ما يعرف بـ”الجبهة الثورية”.

جاءت الانتخابات الرئاسية أخيرًا، ووضعت نتائج الانتخابات الحركة أمام موقف حرج بعد أن آلت المنافسة في جولة الإعادة بين المرشح أحمد شفيق رئيس وزراء عهد مبارك، وبين محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين، الذين تتهم الحركة بالتحالف مع المجلس العسكري، اختارت جبهة أحمد ماهر تأييد مرسي والذي عرف إعلاميًّا وقتها بـ”عصر الليمون”، بينما اختارت الجبهة الديموقراطية والثورية مقاطعة الانتخابات.

4- ساندت الحركة مرسي خلال الأسابيع الأولى لحكمه، وشارك مؤسسها أحمد ماهر كعضو في الجمعية التأسيسية للدستور وأيد قرار مرسي بإعادة مجلس الشعب المنحل، القرار الذي ألغته المحكمة الدستورية فيما بعد وقراره بإقالة قادة الجيش في 12 أغسطس، وقراره بإلغاء الإعلان الدستوري الذي يحدد صلاحياته، وهو ، قبل أن يتفاقم الخلاف بين الحركة وجماعة الإخوان المسلمين إلى أقصى درجاته عقب قيام مرسي بتحصين الجمعية الـتأسيسية ثم إصدار إعلان 22 نوفمبر الدستوري الذي حصن مرسي بموجبه قراراته من أي طعن قضائي، وأقال خلاله النائب العام وشكل دائرة قضائية خاصة لقضايا الثورة، والذي وصفته القوى المؤيدة لمرسي أنه يأتي كإعلان ثوري في مواجهة تعنت أجهزة الدولة والمحكمة الدستورية الموالية لنظام مبارك والمدفوعة من جنرالات الجيش، بينما رأته الحركة تكريسًا للاستبداد فدعت للتظاهر ضده والاعتصام أمام قصر الاتحادية، وشهد الاعتصام أحداث عنف وعنف مضاد بعد محاولة المتظاهرين اقتحام قصر الاتحادية ثم حدوث اشتباكات بين مؤيدي مرسي الذين توجهوا إلى القصر (لحمايته وفقًا لوصفهم) وبين المعارضين، ما أدى إلى وقوع 10 قتلى معظمهم من الإخوان وأنصار مرسي.

أهم ما يميز هذه المرحلة:

  1. تميزت هذه الفترة بانفتاح المجال العام وتدفق الشباب نحو تشكيل تنظيمات سياسية جديدة، حيث فقدت الحركة تفردها في بيئة تنافسية واكتسبت تنوعًا كبيرًا بين أعضائها تسبب في اختلاف كبير حول المواقف السياسية بداية من دعم مرسي في الانتخابات مما أدى لعدة انشقاقات كبيرة في صفوف الحركة.
  2. تميزت علاقة الحركة مع الإخوان المسلمين بتوتر كبير في بدايات هذه المرحلة وتوافق نسبي في منتصفها وعداء صارخ في نهايتها، انتهى بمشاركة الحركة ضمن التحالف الذي أسقط مرسي بعد سنة واحدة من حكمه بمساعدة الجيش.
  3. خلال الأشهر الأولى من حكم مرسي، فقدت الحركة جزءًا كبيرًا من بريقها بعد أن توقفت أنشطتها الاحتجاجية بشكل كبير، وبدا أن الحركة تفقد بريقها في الأوقات التي تغيب فيها الاحتجاجات الشعبية نظرًا لفقدان الحركة للفاعلية السياسية مقارنة بفاعليتها الثورية والاحتجاجية. وتسبب التحول المفاجئ وغير المحسوب للحركة في موقفها مرسي في فقدان الحركة لبوصلتها، حيث وجدت نفسها تقف جنبًا إلى جنب لأول مرة في تاريخها بجانب رموز نظام مبارك والثورة المضادة، وتورطت الحركة بإرادتها أو رغمًا عنها في خطة مضادة للإجهاز على ما تبقى من مكتسبات الثورة بعد أن ظلت أحد أكبر الرعاة لها على مدار عامين.
  4. استمرت حملة التشويه التي تعرضت لها الحركة خلال هذه الفترة من قبل خصومها الإسلاميين هذه المرة، ودفع العداء الشديد بين الحركة والإخوان إلى التورط في حلف مضاد لهم، اتضح فيما بعد أنه كان يجري التحضير له بمساعدة قادة داخل الجيش بمعرفة بعض رموز الحركة، وهو ما أوضحه أحمد ماهر فيما بعد في رسالة له من داخل السجن بعنوان “للأسف كنت أعلم”، والتي قال فيها إن أحد العسكريين أخبره أنهم في يوليو 2013 لن يكون هناك إخوان أو حتى 6 أبريل، وأن شعار “لا عسكر ولا إخوان” لم يعد مقبولًا.
  5. بدأت الحركة هذه الحقبة حامية للثورة تحت شعار “يسقط حكم العسكر” وأنهتها متحالفة مع الجيش في بيان 3 يوليو، في حين تصر الحركة الآن على مشروعية دعوتها للتظاهر في 30 يونيو لإسقاط مرسي بسبب فشله السياسي وفشله في حقن دماء المصريين، والتفرقة بينها وبين استيلاء الجيش على السلطة فيما بعد، إلا أن كواليس 3 يوليو التي تكشفت فيما بعد ربما تضع علامات استفهام كبرى أمام هذه الرواية.

المرحلة الثالثة: ما بعد عزل مرسي

كانت الحركة جزءًا من مشهد عزل مرسي، ورغم محاولتها الآن التملص من نتائج بيان 3 يوليو، إلا أن أحمد ماهر مؤسس الحركة كان أحد أركان هذا المشهد، وقد أصدرت الحركة بيانًا أيدت فيه حركة الجيش في يوليو ووصفتها بأنها استجابة لمطالب الشعب، ظنًّا منها ربما أن مشهد يناير سوف يتكرر وأن الجيش سيسلم السلطة مرة أخرى رغم أن المؤشرات المسبقة كانت تشير بوضوح إلى عكس ذلك.

1- بدت المذابح التي ارتكبتها السلطة في هذه الفترة أكثر دموية وشراسة من ذي قبل، ووضعت المذابح الحركة في موقف صعب مبكرًا حيث صارت مطالبة بتوجيه الانتقادات مبكرًا للسلطة الانتقالية التي أيدتها، وبالفعل انتقدت الحركة قيام السلطة بإراقة الدماء كما انتقدت بشدة مذبحة فض اعتصامي رابعة والنهضة، ولكن انتقادات الحركة وصفت بأنها حيية وخجولة، حيث اقتصرت على بيانات الإدانة على شبكة الإنترنت بمقارنة بما اعتادته الحركة من ممارسة الاحتجاجات داخل الشارع، كما عارضت الحركة تشكيل حكومة الببلاوي وبعد القرارات للرئيس المؤقت عدلي منصور.

(تبقى رواية يجب أن يشار إليها رغم نفي الحركة الشديد لها، وهو ما كتبته صحيفة الإندبندنت عن لقاء لمسؤول الحركة أحمد ماهر، ومسؤولة العلاقات الخارجية بالحركة أمل أشرف، وبين منسقة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي كاترين أشتون، وذلك في يوليو من عام 2013، ووفقًا للصحيفة فإن أمل أشرف أكدت أن حركة الإخوان جماعة إرهابية وأنها لا تقبل الاعتصام المسلح لها في رابعة والنهضة، وأن الجيش والشرطة يبذلان قصارى جهدها لوقف العنف)، وهو ما اعتبرته الصحيفة ضوءًا أخضر لعملية فض الاعتصامين.

2- كان أول تواجد حقيقي للحركة داخل الشرع في 19 فبراير 2013 حين دعت لإحياء ذكرى محمد محمود في 19 نوفمبر 2013، وهو ما انتهى بمواجهات مع قوات الأمن في أول تناوش حقيقي بين الحركة والنظام منذ 30 يونيو، ثم مظاهرات مجلس الشورى في 26 نوفمبر، والتي انتهت باشتباكات مع الأمن، قبل أن يجري اعتقال مؤسس الحركة أحمد ماهر وعضو مكتبها السياسي محمد عادل والحكم عليهما بالسجن لمدة 3 سنوات فيما بعد.

3- ومع إصرار الحركة على انتزاع حق التظاهر، تسارعت الخلافات بينها وبين نظام 30 يونيو، لتقاطع الحركة بمختلف جبهاتها عملية الاستفتاء على الدستور في يناير الماضي، لتعلن بذلك قطيعة واضحة مع خارطة الطريق.

لم تتخذ الحركة موقفًا ولم تعلن دعم أي المرشحين خلال الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي، ما تسبب باتهامها من قبل الموالين للسلطة بالتحالف مع الإخوان.

4- في 28 أبريل 2014، أصدرت محكمة مصرية حكمًا بحظر أنشطة الحركة ومصادرة ممتلكاتها ومقارها، وحملت حيثيات الحكم اتهام الحركة بالعمالة لجهات أجنبية، والاستقواء بأمريكا ضد مصلحة الوطن، وتهديد الأمن والسلم العام، لتعيد إلى الأذهان الاتهامات المستمرة للحركة، والتي تشارك فيها نظام مبارك والإخوان، لتصعد الحركة بعدها من حدة خطابها السياسي تجاه النظام القائم.

أهم ما يميز هذه الفترة:

  1. تميزت مواقف الحركة في العام الأول من هذه الفترة بالارتباك الشديد، حيث بدأ شذوذ نظام 3 يوليو عن طريقه مبكرًا، ومع النهج القمعي الدموي للنظام بدا أنه لن يقبل من أي من شركائه إلى التأييد الكامل، وهو ما تسبب في بوادر صدام مبكر بين النظام وبين الحركة التي كانت تحاول الحفاظ على رأسمالها الرمزي كحركة شبابية معارضة.
  2. ازدادت النبرة العدائية في خطاب الحركة تجاه الإخوان، ووضعت سيطرة الإخوان على مشهد معارضة النظام في مصر بوصفهم الأسبق في السيطرة على الشارع الحركة في موقف لا تحسد عليه، فالحركة (شأنها شأن الإخوان) تتميز بقدر من التعالي السياسي يمنعها من لعب دور التابع في حركة الشارع، وبخاصة إذا كانت هذه التبعية للإخوان، أضف إلى ذلك أن مقتضيات اصطفاف 3 يوليو تجعل من السهل تصنيف أي حركة احتجاج ضد النظام ضمن إطار الإخوان.
  3. عاشت الحركة خلال هذه الفترة أسوأ عهودها السياسية على الإطلاق، فمن ناحية فقدت رصيدها في الشارع بفعل جرعات التخوين المكثفة التي تعرضت لها من إعلام النظام والاتهامات التي وجهت لها من إعلام الإخوان أيضًا، وفي ظل إحكام نظام 3 يوليو لقبضته وقلة الفاعلية السياسية للحركة، شهدت شعبية الحركة انخفاضًا ملحوظًا خاصة مع عودة حالة الركود والعزوف السياسي عند كثير من الشباب المصري.
  4. تسبب الركود السياسي في انخفاض وتيرة الخلاف بين فروع الحركة المختلفة وعودة مؤشرات التعاون فيما بينها، والحديث عن إعادة اندماج، برغم تأكيد الجبهة الديمقراطية أن ما يحدث حاليًا هو مجرد تعاون مشترك بين فروع الحركة وأنه لا يوجد أي نية للاندماج.

 

خلاصات وتصورات حول مستقبل الحركة

 

  1. تبدو الحركة اليوم (كشأن سائر الحركات السياسية في مصر) في أضعف حالاتها ربما منذ تأسيسها، فالعديد من قياداتها يقبعون في السجون، وهم معرضون للملاحقة القضائية بحكم حظر أنشطتهم، وتعاني الحركة ضيقًا شديدًا في روافدها بسبب عزوف الشباب عن العمل السياسي وبسبب التشويه الذي تعرضت له والذي ساهمت فيه بفعل بعض مواقفها المتذبذبة، وهو ما يفرض عليها تحديات كبرى في استخلاص مساحات للحركة تعيد الحيوية إلى صفوفها.
  2. تبدو سياسة المواءمات غير متلائمة مع حركة احتجاجية تعمل في ظل نظام قمعي، وهو ما فطنت إليه الحركة التي يبدو أنها سوف تعاني في إعادة بناء رأسمالها الرمزي كحركة احتجاجية في ظل هامش مناورة ضيق وتكلفة عالية لأي فعل معارض أو احتجاجي.
  3. لا يمكن للحركة أن تعمل في الواقع المصري دون أن تجد صيغة مناسبة للعلاقة مع الإخوان المسلمين ليست مبنية على التماهي المطلق ولا على العداء المطلق، تتمثل كبرى أزمات الحركة حاليًا في توجسها من أن اندفاعها نحو المعارضة المطلقة للنظام الجديد سوف يضعها من جديد في خندق واحد مع جماعة الإخوان المسلمين، وهو الحاجز الذي ينبغي أن تتجاوزه الحركة عبر تعزيز هوية مستقلة لا تشعر معها بالتهديد حال عملها مع الإخوان في مساحة واحدة.
  4. تنبغي على الحركة أن تعي لتطوير بعض أدبياتها ليس المقصود أدبيات كاملة كالحركات الأيديولوجية، ولكن على الأقل تشكل رؤية واضحة خاصة بها حول القضايا الملتبسة، مثل علاقة الدين بالدولة وشكل التفاعلات بين مكونات أي نظام سياسي بديل للنظام القائم، بدلًا من أن تترك لخصومها ومنافسيها القيام بمهمة تشكيل هذه التصورات حولها، إضافة إلى صياغة دور وظيفي واضح للحركة سوى ممارسة الاحتجاج كي لا تفقد نفسها حال قيام نظام سياسي مستقر.
عرض التعليقات
تحميل المزيد