تمثل دراما الفيلم ملحمة قصيرة يجب أن تمتاز بعدّة أشياء تعطيها الحركة التي تجعل القصة سينمائية، تلك الحركة التي تميزت بها الصورة المتحركة عن اللوحة، وعن الرواية أيضًا، فالتسمية التي تطلق على الفيلم السينمائي movie، لم تطلق إلا لحركة صورته، وأنا أقول إن حركة الصورة يجب أن تصاحبها، بل تلازمها، حركة الأحداث منذ نشأتها إلى تطورها وذروتها، حتى تترك الأثر والطبع.

1) الرحلة .. الطريق

لما كانت حركة الأحداث مطلوبة في أي دراما سينمائية، كان لزامًا على كتّاب السيناريو ابتكار أدوات لتحريك الأحداث ولمنطَقة تطورها وامتدادها، ولهذا استخدم معظم كتّاب السيناريو في العالم لفظ “الرحلة” كي يطلقوه على الجزء الأكبر من السيناريو، والرحلة كما يعرّفها علماء السيناريو هي بداية استجابة البطل لمؤثر ما يدفعه إلى إنجاز حاجته منه وما يشمله هذا الإنجاز من مصاعب وصراع.

ولكل رحلة طريق، والرحلة لفظ درامي لا يمثل بالضرورة رحلة حقيقية، ولهذا فإن الطرق التي تسير بها الرحلة ليست بالضرورة طرقًا حقيقية.

على الرغم من كل تلك الرمزية اللفظية، إلا أن “الطريق” أصبح من الوسائل الدرامية الناجحة جدًا لتصوير “رحلة” بطل ما، وأصبح الطريق بمعناه الحقيقي يمثل نوعًا من الأفلام والدراما السينمائية التي تدور فيها الأحداث عن رحلة حقيقية يهدف فيها البطل للوصول من مكان حقيقي إلى مكان حقيقي آخر.

2) العيش في البري Into The Wild

طريق ه

أراد كريستوفر مكاندليس شيئًا ما، لم نعلمه حين رأيناه نازلًا من الشاحنة الصغيرة على أطراف صحاري ألاسكا الجليدية، وبالتأكيد تعقّد فهمنا لما أراده كريستوفر حين رأيناه يعيش حياة مترفة رائعة، فقد تخرّج لتوه من الجامعة، لديه صديقة جميلة، يمتلك سيارة وبطاقات ائتمان، ويبدو على والديه أنهم أغنياء.

أراد كريستوفر أن يتوغل في البرية ويستكشف أمرًا ما بداخله، جموح وبرية نفسه، برية العالم من حوله، حيث الأمور على طبيعتها، لم يرَ كريستوفر السيارة والشهادة الجامعية وبطاقات الائتمان وفتاته وأهله الأغنياء عوامل مساعدة على الحياة الجامحة المنطلقة في برية الأرض، ربما رأى فيها قيودًا ستكبّله عن اكتشاف الحقيقة، حقيقة نفسه ورحلته، فقرر التخلي عن تلك القيود التي يراها الناس مزايا وسبل راحة وقرر أن يعود للبيئة، ويعيش ببساطة وحده في أدغال الصحاري وأدغال نفسه.

نحن لا نحتاج لهذه الأرصدة العملاقة من البنوك، ولا نحتاج لتلك السيارة، ولا نحتاج حتى للشهادة الجامعية، نحن نحتاج أن نعرف أنفسنا، أن نختلي بها، أن ندركها!

تبرّع كريستوفر بأرصدته لمن يحتاجون إليها، وترك سيارته ومضى قدمًا، بنى لنفسه مملكة في الصحراء، حيث يأكل وينام ويستمتع ويكتشف، جعل لنفسه أتوبيسًا سحريًا يعيش فيه، يرى من خلاله طريقه، ويدوّن فيه ما توصل إليه، وما يريد أن يبلغه في طريقه، خاض الطريق وحده في رحلة استثنائية، تعرف خلالها على البشر، وعلى الطبيعة، وعلى نفسه لأول مرة بعيدًا عن زيف المدينة الكاذب، لا شك أن البرية قاسية، لكنها مغامرة، ولا مغامرة مع حزام الأمان ورابطة العنق.

أن نترك الحياة ترينا ما تفعله، أن نستسلم للاكتشاف، وألا نثقل أنفسنا بالترتيب لكل يوم لمدة عقود، أن نرى الجديد، أن نرى جمال الفراغ الأبيض في ألاسكا، أن نتعرف على والد جديد، وصديقة جديدة، وزوجين جديدين، وحياة جديدة، هذا ما أراد كريستوفر أن يفعله بالضبط.

طريق البرية تمامًا كأي طريق لرحلة مجهولة الوجهة، يأخذك وينعطف بك يمنة ويسرة، يضربك بمشاعر وأناس لم تعرفهم، تبحث دومًا عن تلك الوجهة المجهولة التي تظن فيها خلاصًا، أو هدفًا يتوّج الرحلة. لم يعِر كريستوفر كل تلك الترهات بالًا، فجاءت نهاية الرحلة غير متوقعة، كما رسمها الفيلم، تذوق كريستوفر فاكهة البرية المتميزة، التوت، وكتب لنا في أتوبيسه السحري أنه كان توتًا لذيذًا، إلا أنه تسبب في التسمم وختم رحلة كريستوفر بطعم الطبيعة اللذيذ. ولكن لا أهمية لذلك، لا ضرر، الحياة هي الطريق، وكلنا سيتناول حبات التوت يومًا ما، في حادثة، أو شربة ماء، أو سباحة في بركة، أو على الفراش، أو بحد سكين، أو في مقذوف رصاصة، لا يهم، المهم، الرحلة، الطريق.

3) يوميات الدراجة النارية The Motorcycle Diaries

طريق 1

إرنستو وألبرتو، صديقان يقرران من باب الاستكشاف والمغامرة أن يجوبا أنحاء أمريكا اللاتينية من الأرجنتين وعبر طريق ملتوٍ حتى يصلا إلى بوليفيا ليحتفلا بعيد ميلاد ألبرتو هناك، لا يبدو عليهم الترف، لكنهم عاشقين للمغامرة والاكتشاف، المحطة الأخيرة في بوليفيا بها سوف يمضيان فترة مساعدة في مستعمرة الجذام، ليستفيدا في مجال دراستهما الطبية، إرنستو طبيب لم ينل شهادته، وألبرتو متخصص في الكيمياء الحيوية، لحظة!! لم نعرف بعد الجزء الأهم من المغامرة، سيجوب الصديقان تلك الرحلة على متن دراجة نارية! نعم، تلك هي روح التحدي والمغامرة، القليل من المال والطعام، الكثير من المغامرة والمتعة.

تلك كانت النية من الرحلة، وذلك كان الطريق، طريق رفيع يمر على أمريكا اللاتينية، فوق عجلتين تحمل الصديقين، قبل البدء بالرحلة، قليل من الحب عند صديقة إرنستو، ووصية قصيرة بأن يسرع من طلبه يدها، وتبدأ الرحلة.

الربو يأكل صدر إرنستو، يعصف به ويضيق على الهواء فلا يتنفس، يقاوم، ويستكمل الطريق، تتعطل الدراجة، فيصلحها الصديقين، ثم تتعطل فيصلحاها، ثم تتعطل، ينفد المال، فيطلبان المساعدة، يجوعان، فيطلبان الطعام، ثم يصطادان البط من البحيرة الباردة، يريان الصحاري الشاسعة، يريان الجبال والأطلال القديمة، ثم يريان الإنسان!

من استكشاف الحجر إلى استكشاف البشر، تلك هي يوميات الدراجة النارية، من حجر أمريكا اللاتينية وآثارها وطرقاتها، إلى البشر، الشعب الواحد الذي انقسم، وصارت تحكمه عصابات متفرقة، قطّعت حدوده، وشردته، أفقرته، تحت قمع وظلم.

“لماذا تسافرون؟” – “لأننا نريد العمل في المناجم، وأنتم؟” – “لأننا أردنا السفر!”.

سألت المرأة الفقيرة وزوجها، إرنستو وألبرتو، وكان الرد غريبًا، وغرابة وقع السؤال على إرنستو كان أعظم، كيف لزوجين أن تصير أمنيتهما الوحيدة في هذه الحياة أن يبلغا المناجم ليعملا بأخطر مكان في أمريكا اللاتينية كلها، أي فقر أصاب تلك الأرض؟

لم تسر الأمور على ما يرام، استسلمت الدراجة النارية بعد طول عناء، واستكمل الصديقان الطريق على الأقدام أو بمساعدة الشعب الطيب، فوّتا موعد عيد ميلاد ألبرتو، وصلا إلى بيرو، واقتربا من محطة مستعمرة الجذام الأخيرة، ووجوه الناس تنطبع في مخيلة إرنستو، تزيل عنه الأوهام، وتريه أهمية النضال لأجلهم، فقراء أمريكا اللاتينية تمامًا مثل مرضى الجذام، يحتاجون المساعدة والعلاج، ويجب أن ينهض أحدهم للقيام بتلك المهمة، ألا يضع فاصلًا بينه وبينهم، أن يعبر العوائق كي يتمكن من تحريرهم، لا النهر يفصلهم عن بعضهم، ولا الحدود، كلهم بنفس الملامح ونفس اللسان.

بعد تمام الرحلة والوصول، رأى ألبرتو أن يستكمل الدراسة، بينما إرنستو قرر أمرًا آخر، أن ينهض لتلك المهمة، أن يترك المغامرات الفارغة، لجلب حقوق المستضعفين.

إرنستو، إرنستو جيفارا، تشي جيفارا.

4) طريق العودة The Way Back

طريق 2

لا يكون السجن بالضرورة ذا أسوار، أو حواجز حديدية أو إسمنتية، لا أعني ذلك المعنى المجازي لسجن الروح أو هذه المصطلحات الأدبية، أعني ذلك السجن الذي يمكن أن تحتجز فيه المجرمين، نعم، لا يجب أن يكون ذا أسوار بالضرورة، ولكن يكفي أن ترى فيه خلاصك، أن يصبح السجن ملاذك، أن تعرف أنك من دون ذلك السجن سوف تهلك!

اعتقلت السلطات الروسية البولندي جانوس، وجد نفسه في غرفة التحقيقات، وإلى جواره تقف زوجته تبكي، لا يدري ما الذي يحدث بالضبط، لكنه وجد زوجته تعترف وتقول أن جانوس لديه ميولًا ضد النظام وضد الشيوعية، وأنها تقر بذلك، أُلجم لسانه، ليس لأنه سيُسجن أو يقتل ربما، لكنه لم يدر ما الذي فعلوه بزوجته ليجبروها على الاعتراف بذلك الأمر، بعد يوم، وجد نفسه في السجن.

لا يكون السجن بالضرورة ذا أسوار، صحراء سيبريا على اتساعها يمكنها أن تشكل سجنًا متكاملًا.

الطريق، الرحلة نحو الحياة خارج السجن، خارج السجن عديم السور، اختر رفاقك، حدد هدفك، وابدأ الرحلة، ولا تلتفت.

أن تموت في الأحراش حرًا، خير لك من أن تموت على الفراش حبيس أسوار سجنك.

انطلقت الصحبة في الصحراء المجمدة لا يدرون إلى أين منتهاهم، سوى أنهم لابد أن يخرجوا من نطاق ما يقع تحت إمرة ستالين.

يقع في الطريق ضحايا، ونعرف الحقيقة، نرى الشخص الذي يسعى لينجو، والذي يساعد الناس على النجاة، ونرى القوي يصبح ضعيفًا، والضعيف يصير قويًا.

جانوس الضعيف هو قائد المجموعة الرحيم الذي يساعد كل من في طريقه حتى لو على حساب سلامته، فاكو المجرم القوي، هو الضعيف بين يدي جانوس المطيع له في كل أمر، إلا في نجاته التي ينشدها.

– “ما هذا يا فاكو، لم رسمت صورة ستالين على صدرك؟”.

– “لأنه الرجل الحديدي، الذي يأخذ من الأغنياء ليعطي الفقراء”.

– “الفقراء أمثالك يا فالكو؟ لقد وضعك ستالين بالسجن لأنك سرقت أحد الأغنياء أليس كذلك؟”.

– “أنت لا تفهم”.

فاكو هو الذي لا يفهم، لم يتحرر من سجنه بعد، لايزال في سجن ستالين النفسي، حتى أنه قرر عدم المضي خارج الحدود، سيبقى هاربًا لكن داخل أسوار سجن ستالين الكبير!

المزيد من الضحايا تقع، والمسير يستمر إلى الهدف، من صحاري قارسة البرودة إلى صحاري لافحة، لا برد فيها ولا ظل، تحصد الماء من الجسم وتتركه كعود الخشب.

مسيرة آلاف الكيلومترات إلى التبت، بلغت الصحبة هدفها، لكن جانوس لم يكتفِ.

هدفه الهند، ومن ثم طريق العودة إلى زوجته من الجانب الآخر داخل سجن ستالين، خطوات تتلوها خطوات، إلى بولندا مرة أخرى، ليرى جانوس زوجته، فتلك الرحلة كانت تستحق المسير وتعب الطريق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد