يمر العمر سريعًا، بعدما كنت طفلًا أصبحت مراهقًا، ثم دخلت في العشرينات، وها أنت تقترب من مرحلة الثلاثينات، تلك المرحلة التي تمثِّل الجزء الثاني من مرحلة الشباب الأكثر حيوية في حياة الإنسان، وهناك العديد من السلوكيات وطرق التفكير التي يجب أن تعيد النظر فيها، وربما التخلُّص منها استعدادًا لتلك المرحلة الفاصلة في العمر.

1- لم تحدد أهدافك بعد

إذا كنت تعيش الحياة هكذا بلا أهداف مُحددة، فيمر العقد ويليه الآخر وأنت لا تعرف أهدافك فأنت في خطر عليك الانتباه إليه، فيجب أن تستفيق من تلك الغفلة، وتجلس مع نفسك لتحديد الأهداف التي تُريدها وطرق الوصول إليها، وكتابة تلك الأهداف؛ حتى لا تتلاشي في ذهنك مع كثرة المشاغل الحياتية، وهذا أمر له أساس علمي قد يُغير حرفيًا مسار حياتك في المستقبل.

ففي هذا الصدد، أكدت دراسة ضرورة وضع الأهداف و«كتابتها» للنجاح في تحقيقها، وجرت الدراسة على عدد من الحاصلين على ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد «MBA»، وفي عام 1979، وُجِّه للمبحوثين سؤال بسيط، مفاده: «هل وضعت أهدافًا واضحة ومكتوبة لمستقبلك ووضعت خططًا لتحقيقها؟» وقال 84% من المبحوثين: إنهم ليس لديهم أهداف على الإطلاق، في حين قال 13% من المبحوثين: إن لديهم أهدافًا، ولكنها «غير مكتوبة»، في حين قال 3% من المبحوثين: إن لديهم أهدافًا وخططًا «مكتوبة» لتحقيقها.

وبعد 10 سنوات، أي في عام 1989، سأل الباحثون المبحوثين أنفسهم مرة أخرى عمّا يتقاضونه في أعمالهم، وكانت النتائج مُذهلة؛ إذ كشفت الدراسة أن المبحوثين الذين لديهم أهداف، ولكنها «غير مكتوبة»، والذين تبلغ نسبتهم 13%، يتقاضون في المتوسط ضعف ما يتقاضاه المبحوثون الذين لم يكن لهم أهداف على الإطلاق، والذين بلغت نسبتهم 84%، في حين بلغ متوسط ما يتقاضاه المبحوثون الذين لديهم أهداف وخطط «مكتوبة» لتحقيقها، والتي بلغت نسبتهم 3%، 10 أضعاف ما يتقاضاه البقية البالغ نسبتهم 97%، فالأمر حقًّا يستحق التأمل!

2- إدمان مواقع التواصل الاجتماعي

تمر الحياة، ويُلتهم الوقت ويتآكل، ولا يزال البعض يمرر الشاشة أمامه من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، أمام مواقع التواصل الاجتماعي، فيتابع صورة هنا، وفيديو هناك، ورسالة من ناحية ثالثة، وتغريدة من ناحية رابعة، حتى أصبح مُحاصرًا فعليًا بمواقع التواصل الاجتماعي، وتحديثاتها المتجددة، والتي لا تنتهي أبدًا.

فخلال 60 ثانية فقط ينشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» 3.3 مليون منشور، ويُرسل على «واتس آب» 29 مليون رسالة، ويُكتب على «تويتر» 448.800 تدوينة، ويُرفع على «يوتيوب» 500 ساعة، ويُرفع 65.972 صورة على «إنستجرام».

ولذلك فإن محاولة ملاحقة كل هذه المستجدات الآنية أمر مستحيل، وقليل الفائدة؛ لذلك يجب إعادة النظر في طريقة تفاعلك مع مواقع التواصل الاجتماعي، بتحديد الوقت وانتقاء المفيد لك منها؛ لأن تلك المتابعة المطلقة، لن تُهدر أوقات ثمينة من عمرك فقط، وإنما أيضًا قد تُفتت وسائل التواصل الاجتماعي علاقاتك الاجتماعية مع من حولك، وفي هذا الصدد انتشر في مصر تعليق ساخر وقت انقطاع المتكرر للكهرباء: «لما النور قطع قعدت مع أهلي؛ واكتشفت إنهم ناس كويسين»!

3- إدمان المواد الإباحية

ربما اعتدت الاستماع لنصائح بضرورة الابتعاد عن أنواع الإدمان التقليدية: كالتدخين، والكحوليات والمخدرات، ولكن جدّت أنواع جديدة للإدمان، خلال العقود القليلة الماضية، وهما: إدمان مواقع التواصل الاجتماعي التي سلف الحديث عنها، وإدمان مُشاهدة الإباحية والبورنو، تلك المواد التي تجعل مدنها مثل: مدمني المخدرات والكحوليات.

فخلال الدراسة أجرى الباحثون مسحًا على أدمغة مدمني المواد الإباحية، والذين يتابعونها بشكل أقرب لـ«القهري»، وأظهر المسح أن نشاط عقل مدمني المواد الإباحية يتطابق مع نشاط عقل مدمني المخدرات والكحوليات، كما يفرز عقل مدمني المواد الإباحية نفس المواد الكيميائية التي يفرزها مدمنو المخدرات، فيما لم يلاحظ تلك التغيرات في أدمغة المجموعة الضابطة التي لم تتعرض لمواد إباحية.

اللافت أيضًا أن تأثير إدمان المواد الإباحية يجعلك «غبيًا»، وهذا ضرر من ضمن العديد من الأضرار الصحية والنفسية والاجتماعية لإدمان المواد الإباحية، لذلك فإن كنت من مدمني الإباحية، فيجب أن تُراجع سلوكك تجاه الإباحية، ذلك النوع الجديد من الإدمان الذي يغفل أضراره كثيرون.

4- اضطراب النوم وعشوائيته

يتسبب اضطراب النوم وعشوائيته في تقليص التركيز والانتباه؛ مما ينعكس سلبًا على الإنتاجية، ولا يزال البعض يتعامل بـ«عشوائية» مع النوم؛ فيبالغ أحيانًا في النوم، ويُقلص أحيانًا من ساعات نومه ظنًا منه أن ذلك علامات اجتهاد مع أنها تأتي بنتائج عكسية!

ومن الضروري تحديد عدد ساعات النوم المثالية التي يجب أن ينامها الشخص يوميًا، وتختلف مدة النوم المناسبة من فترة عمرية لأخرى، وتتقلص عدد تلك الساعات مع التقدم في السن، فتكثر في فترة الطفولة، وتتقلص مع فترة الشيخوخة.

وفي هذا الصدد، كشفت دراسة لمؤسسة النوم الوطنية تعود لعام 2015، عن عدد الساعات المناسب التي يجب أن ينامها الفرد يوميًا، وكشفت الدراسة تباينًا في تلك الساعات من فترة عمرية لأخرى، وكان عدد الساعات الذي يتراوح من سبع لتسع ساعات هو الأنسب لأكثر الفترات العمرية، تلك التي تتراوح من 18 سنة وحتى 64 سنة.

وهذا رسم توضيحي يوضح عدد ساعات النوم المناسبة لكل فئة عمرية:

5- تجاهل ادخار الأموال واستثمارها

ما تستطيع أن تكسبه اليوم قد تعجز عن أن تكسبه غدًا، والثروة التي تستطيع أن تجمعها في العقد الثالث من عمرك، ربما لا تستطيع أن تجمع مثلها في العقد الرابع أو الخامس أو السادس، فالفترة من عمر 20 : 30 سنة قد تكون هي الفترة الذهبية من عمرك على الأقل في الجانب الصحي، فأنت لا تعلم ما يُخبئه القدر لك.

لذلك ينصح متُخصصون بادخار من 10 إلى 15 % من دخلك في العشرينات من عمرك، على أن ترتفع قيمة الادخار تلك لتصبح من 15 إلى 25% مع الثلاثينات من عمرك، كذلك فإن هذا الكم من الادخار قد يفتح لك المجال لاستثمار أموالك، وفتح مشاريعك الخاصة التي من شأنها تنويع مصادر الدخل لديك، وعدم اقتصارها على مصدر واحد قد يتعطل لأي سبب من الأسباب؛ فتتعطل معه حياتك العملية والمهنية.

6- الانهماك في المهام الهامة والعاجلة فقط

تدور حياة الكثيرين على الانهماك الشديد في تأدية الأمور الهامة والعاجلة فقط في حياتهم، فهو ينظر دائمًا فيما تحت يديه من مهامه لإنهائه، وتدور حياته في متلازمة (عمل – حاجات أساسية (طعام وشراب) – ونوم – وبعض الترفيه في العطلات)، قد لا يجد البعض مشكلة في هذا النموذج «المألوف» من الحياة، متجاهلين مُشكلة أساسية فيه تتمثل في عدم إعطاء مساحة كافية من الوقت للأمور الهامة، ولكنها ليست عاجلة أو مُلحّة.

وفي هذا الصدد يفيد ما قدّمه الكاتب الأمريكي ستيفن آر كوفي في كتابه الأشهر والأكثر مبيعًا «العادات السبع للناس الأكثر فاعلية» خلال مصفوفة إدارة الوقت، والتي قسّمها لأربعة مربعات أساسية: المربع الأول، للمهام الهامة والعاجلة، والمربع الثاني: للمهام الهامة وغير عاجلة، والمربع الثالث: للمهام العاجلة وغير الهامة، والمربع الرابع: للمهام غير العاجلة وغير الهامة.

ودائمًا ما ينصبُّ كثير من الناس على التركيز على المربع الأول، الذي يتضمن العمل اليومي، ليشغل 90% من وقتهم، وتتبقى 10% من أوقاتهم يشغلونها في المربع الرابع للأنشطة الترفيهية، وإن بدت هذه الطريقة لتنظيم الوقت مألوفة وواسعة الانتشار، فإن لها آثارًا سلبية تتمثل في الضغط والإرهاق، وأن يجد الشخص نفسه دائمًا أمام أزمات متجددة وملحة.

ولذلك ينصح آر كوفي بتقليص الإنفاق على المربع الأول بما يسمح بزيادة الاستثمار في المربع الثاني، الذي يهمله الكثيرون بالرغم من أهميته، ويميلون لتأجيل المهام الواردة فيه لأنها غير عاجلة، ولكن مع استمرار التأجيل تتحول المهام غير العاجلة إلى أزمات ملحة، وينتج من التركيز على المربع الثاني تحقيق نوع من انضباط وتوازن ورؤية وتقليص للأزمات العاجلة، لذلك فإذا كنت منهمكًا في المربع الأول، فعليك إعادة التفكير، وإضفاء مساحة من الوقت للمربع الثاني!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد