من يظّن أن «الأندلس» مُجرد صفحة مطويّة من التاريخ، فلا شك أنه لا يعرف الأندلس، فلا زالت الأندلس مصدر إلهام وأمل بالنسبة للكثير من أهلها والسيّاح. فبينما يتخيّل بعضنا أن كلمة الأندلس وحدها قد تكون تُهمة للتحريض ضد الإسبان، فإن الأمر ليس كذلك، والافتخرار بالثقافة الأندلسية في الأندلس يدعو للفخر بالحضارة الإسلامية، ففي غرناطة تجدهم يبيعون السلع المزينة بشعار “لا غالب إلا الله” في الشوارع، وفي قرطبة يمكنك أن تزور متحف القلعة الحرة لتكتشف عظمة اجتماع العلم مع الدين، وفي إشبيلية يُمكنك أن ترى مدى انبهار الإسبان بالثقافة الإسلامية لدرجة أنهم راحوا يبنون كنائسهم والقصور على الطريقة الإسلامية، هذه القصص وغيرها نسردها لكم في التقرير التالي.

 

 

في غرناطة: مطعم ليْلَى.. وحيُّ البيازين

قد يتخيّل البعض أنه لم يبق في غرناطة إلا قصر الحمراء الشهير، وليس هذا إلا جهلًا بحق الأندلس وتُراثها البديع، فحي البيازين، وإن كان اسمه غريبًا على الأسماع إلا أنه لا زال يحمل في طيّاته عبق 800 عام من التاريخ الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية، فالأزقة الضيّقة والبيوت القديمة وحدها يُمكنها أن تروي للزائر شيئًا من أسرار المكان. حي البيازين هو فعليًا أعرق أحياء غرناطة وهو الحي الذي انطلقت منه انتفاضة 1499 بعد سقوط الأندلس وظهور محاكم التفتيش التي اضطهدت المُسلمين اضطهادًا لم يعرفوا له من قبل مثيلًا، فهاجر أغلبهم وبقيت قلّة اعتنقت المسيحية في الظاهر وأخفت إسلامها، وهي التي صارت تُعرف بفئة المورسكيين.

 

اليوم بعد 500 عام من سقوط الأندلس، يُمكن أن تزور البيازين. هناك عليك أن تسأل الناس عن شارع Caldereria Nueva كالديريريا نويبا، وهو ما يُمكن تسميته فعلًا بشارع العرب، أو شارع المغاربة حيث مُعظم الباعة من المغاربة، كما أن هناك الكثير من المطاعم التي تُقدم الوجبات المغربية، وكذلك يمكنك أن تحظى باحتساء شاي مورسكي، فتتذكر معه الكثير من نضال المورسكيين في الأندلس.

 

 

أما إذا أردت أن تلتقي امرأة أندلسية، فعليك أن تستمر في المشي صعودًا حتى تصل إلى أحد أشهر أماكن غرناطة السياحية والذي يعرف باسم (سان نيكولاوس). سترى الحمراء في مشهد بديع ومن خلفها جبال سييرا نيفادا، وهناك أيضًا ستجد مسجدًا حديثًا، هو مسجد غرناطة الجامع الذي يُقوم عليه مسلمون أندلسيون، يُمكنك أن تسألهم عن مطعم ليلى، الجميع يعرفه بهذا الاسم، هناك ستجد ليلى الأندلسية في مطعمها الذي يفوح بعبق الأندلس؛ فتصميم الجُدران يُذكر كثيرًا بقصر الحمراء، فهي تبيع الأبخرة، وشيئًا من الأعشاب الغرناطية الزكيّة، فهي وزوجها ممن يهتمون بطب الأعشاب، وعندها يُمكن أن تجد الكثير من الوجبات الأندلسية والمغربية. وبلا شك يُمكن أن تشرب عندها كوبًا من الشاي لن تنسى طعمه. حاول أن تسألها عن حكايتها مع الشاي، وستجد نفسك تستمع لقصّة إسلامها!

 

اقرأ أيضًا: هكذا طُرد الأندلسيون: القصة الكاملة لطرد أهل الأندلس من ديارهم

 

في قرطبة: بيت سلمى والقلعة الحرة

مع أن قُرطبة اليوم هي مُدينة متواضعة إذا ما قُورنت بمدن أخرى في أوروبا، إلا أنها وقبل 1000 عام تقريبًا لم تكن كذلك، حينها كانت تُعرف بجوهرة العالم، كانت الناس تزورها كما نزور باريس وبرلين اليوم. ولك أن تتخيل أن في قُرطبة وحدها كان يسكن 500 ألف إنسان، في 13 ألف بيت تقريبًا، في 28 حيًّا، كانت الشوارع فيها مرصوفة ومضاءة ليلا بينما كان يعم الظلام مدن أوروبا، وكان هناك 3000 مسجد، بالإضافة إلى 500 مستشفى، وكذلك عشرات الأسواق العامة والمتخصصة جدًّا أحيانًا، كسوق الورق وسوق الحيوانات النادرة مثلا، ولكن اليوم، ماذا عن قُرطبة وما بقي منها ومن أمجادها؟

 

 

صحيح أن جامع قُرطبة لا زال يُعتبر الوجهة السياحية الأولى في قرطبة، ورغم تحوّله إلى كنيس إلا أنك لو سألت أي قُرطبي في طريقك وأنت تتجول في الأحياء القديمة (دُودني لا موسكيتا) بمعنى أين المسجد؟ فيسخبرك برحابة صدر، ولكن زيارة المسجد لا تبعث في النفس الكثير من الأمل، بقدر ما تبعث في النفس الأحزان؛ فبعد أن كان مسجد قُرطبة ثاني أكبر مسجد في الإسلام في أيام عز قرطبة أصبح اليوم كاتدرائية، إذا رُحت تزورها، عليك شراء تذكرة دخول بـ8 يورو، ثم لو لاحظ البائع أنك مُسلم سيُخبرك: الصلاة في داخل المسجد ممنوعة!

 

بالقرب من المسجد، يوجد حي أندلسي أطلق عليه زورًا وبهتانًا الحي اليهودي، ولكن وبفضل جهود بعض الأندلسيين، أمثال سلمى الفاروقي زوجة الفيلسوف الفرنسي المُسلم روجيه جارودي، فقد اشترت منزلًا وقامت بصيانته ليكون نموذجًا للبيت الأندلسي ويستقطب عشّاق الأندلس من كُل أنحاء العالم. في المنزل هناك غرفة تحوي متحفًا يتحدث عن صناعة الورق، كما أنك ستجد في كُل غرفة مجموعة هائلة من الكُتب الأندلسية والإسلامية باللغات المختلفة، بالإضافة إلى عملات نقدية أندلسية قديمة، وفي المنزل فناء بداخله حديقة غنّاء بديعة تبعث في الزائر شعورًا بأنه في جنّة أكثر من كونه في بيت.

 

سلمى وزوجها الفيلسوف قاما على تأسيس متحف للعلوم الأندلسية، ويُعرف المتحف باسم كالاهورّا (القلعة الحُرة) ويقع على الطرف الآخر من الوادي الكبير بعد عبور قنطرة الوادي الشهيرة من جهة المسجد، أما تذكرة الدخول فهي ليست إلا 4 يورو، وفي أول غرفة منه ستجد نفسك في حضرة ابن عربي وابن رشد وآخرين، ستستمع لمحاضرة هي خلاصة ما توصلوا إليه من فكر، في غرفة أخرى ستجد الأسطرلاب واختراعات أخرى إسلامية، في الطابق الثاني ستجد تجسيدًا لقصر الحمراء وآخر لجامع قرطبة، هناك يُمكنك أن تحظى بسماع الأذان، بعد أن صار الأذان ممنوعًا في قرطبة، ورغم كُل هذا، إلا أن بإمكانك أن تخرج وأنت تشعر بشيء من الفخر بتاريخك وبجمال العلم والإيمان.. عندما يجتمعان!

في إشبيلية: القصر والخيرالدا

أحيانًا، وعندما نتحدث عن الأندلس، يتخيّل البعض أننا نتحدث عن تاريخ فحسب، ولكن هذا ليس صحيحًا بالمُطلق، فإسبانيا اليوم مُقسمة إلى 17 منطقة حكم ذاتي، إحدى هذه المناطق تُسمى أندلوسيا وعاصمتها إشبيلية، وتعتبر السياحة من أهم الأنشطة التي يقوم عليها الاقتصاد الأندلوسي، سواء كُنّا نتحدث عن إشبيلية، غرناطة، قرطبة أو مالقة وغيرها من مدن أندلوسيا.

ولعلّ ما يُميّز إشبيلية عن غيرها، أنه ورغم سقوط دولة الخلافة فيها قبل غرناطة بحوالي 300 عام، إلا أن فئة كبيرة من المُسلمين قررت البقاء فيها رغم سقوطها، وكان منهم أصحاب حرف وخبراء مهنيون لم يستطع الإسبان التخلي عنهم، ولذلك كان لهم وزنهم في المُجتمع وصار يُطلق عليهم الموديخاريس (بالإسبانية: mudéjares)، ومن المثير جدًا أنك اليوم لو تجوّلت في إشبيلية لوجدت الكثير من المباني المُشابهة جدًا لفن العمارة الإسلامية، ولكنها تُدرج كفنون موديخارية، ولعل أبرز مثال على هذا الفن هو قصر إشبيلية بالقرب من الكاتدرائية – اليوم -، صحيح أن بعض مبانيه يعود للفترة الإسلامية ولكن الكثير من أروقته تم بناؤها على الطراز الإسلامي ولكن في الفترة المسيحية، وذلك من شدّة إعجابهم بفن العمارة الإسلامية.

 

 

في إشبيلية نفسها، بالقرب من القصر، لا زالت منارة جامع المنصور، التي بناها أبو يعقوب منصور الموحدي بعد انتصاره في معركة الأراك والتي أطالت عمر الأندلس سنوات عديدة، بعد أن كادت تنهار بسبب فرقة المُسلمين وتشتتهم وكثرة الأطماع من حولهم. اليوم يُمكن لأي زائر لإشبيلية زيارة كاتدرائية إشبيلية مُقابل دفع مبلغ 8 يورو، في الكاتدرائية التي بُنيت على أنقاض جامع المنصور لم يتبق الكثير من الجامع، سوى فناء البُرتقال وشيء من العقود. ولكن الشيء الوحيد الذي بقي شاهدًا على وجود المسجد هو ما يُسمى اليوم بالخيرالدا، هذا المبنى بديع الصنعة، والتي قال فيها المقري بأنها “عظيمة القدر” وأنه “ليس في بلاد الإسلام أعظم بناء منها”، وقد اجتمع لبنائها أمهر البنائين من الأندلس وكذلك المغرب، وفعلًا فإن طريقة بنائها عجيبة حيث لا يوجد فيها درج، ويستطيع الفارس وهو راكب حصانه أن يصل إلى القمة، ولهذا ومع أن المسيحيين استبدلوا بأعلى المنارة أجراسًا لكاتدرائيتهم، إلا أن انبهارهم بها منعهم من أن يمسوها، بل والمثير أكثر أنه وبعد هزيمة المسلمين تقدّم الكثير من الخبراء الإسبان بمقترحات لإعادة المنارة إلى طابعها الإسلامي الأصلي.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد