مع انخفاض إيرادات الدولة المصرية، وارتفاع الديون الخارجية وعجزهها عن سد العجز في الموازنة، استدارات الدولة للمجتمع لكي تستقطع منه موارد أكثر فأكثر، لتتحول بالتدريج وبثبات إلى دولة الجباية، والتي تقاتل من أجل زيادة ما تستقطعه من المجتمع، حتى ولو كان ذلك بطرق غير مشروعة.

يوضح ملامح هذه الدولة، البيان المالي لموازنة 2014/2015 الجديدة، والذي يكشف عن وصول حجم الإيرادات الضريبية إلى 364.3 مليار جنيه، وبنسبة 15.2% من الناتج المحلي، والتي زادت بنحو 5,6 مليار جنيه عن الإيرادات الضريبية المقدرة في الموازنة الماضية والبالغة 358,7 مليار جنيه.

خلال السطور التالية نشرح الآليات التي لجأ إليها النظام المصري لتنمية إيراداته عبر فرض مجموعة من الضرائب، بشكل أدى إلى الإضرار بالأنشطة الاقتصادية.

  1. الضرائب المباشرة

تشمل الضرائب المُباشرة: (الضريبة على رأس المال – الأباح التجارية والصناعية – والضريبة على المرتبات – والضريبة على المهن الحرة – والضرائب العقارية – وضريبة التضامن الاجتماعي – والضريبة العامة على الدخل – والضريبة على شركات الأموال – والضريبة على التركات).

يتجلى حجم هذه الضرائب المحدود جدًّا من حجم الضرائب عامة في الظلم الاجتماعي لدى النظام الضريبي للدولة، والمُساهمة المحدودة التي يدفعها الأغنياء والشركات في إعالة الدولة.

من المستهدف أن تشهد ضريبة المُرتبات زيادة كبيرة بنحو 22% لهذا العام المالي 2015 /2016 عن موازنة العام الماضي، بينما ستظل ضريبة الثروة العقارية إسهامها محدود في تقديرات الحصيلة الضريبية لعام 2016 /2015 بقيمة مستهدفة لا تتعدى 368 مليون جنيه، مقارنة بمستهدف 519 مليون جنيه في موازنة العام الماضي.

أما ضريبة أرباح الشركات فمن المستهدف تحصيل 42.6 مليار جنيه في عام 2016 /2015 بانخفاض 12% عما كان مستهدفًا في الموازنة.

 

  1. الضرائب غير المباشرة

وتشمل الضرائب غير المُباشرة: (الضرائب الجمركية، والضرائب العامة على المبيعات – ورسوم البترول – ورسوم قناة السويس – ورسوم تنمية الموارد – والضرائب المحلية).

ويذكر أن نصف مساهمة هذه الضرائب يأتي من مدفوعات هيئات عامة على رأسها الهيئة العامة للبترول، وقناة السويس والبنك المركزي. ومن المُتوقع أن تزيد حجم الضرائب المُستهدف حصولها من هيئة قناة السويس لهذا العالم المالي بنحو 18% خلال العام الحالي، بزيادة نحو 18% عن العام الماضي بما يتعدى 14 مليار جنيه فرقًا.

  1. ضريبة التضخم

الضريبة، بشكل عام، هي تدفق نقدي من المُجتمع للدولة. فهي أموال تستقطع من الأفراد لكي تدخل في الخزانة العامة. وبهذا المعنى يمكن اعتبار التضخم ضريبة.

وضريبة التضخم يفرضها البنك المركزي، بعكس الضرائب الأخرى التي تفرضها وزارة المالية. وهي لا تصدر بقانون، بل بقرار من إدارة هذا البنك، بعكس الضرائب الأخرى التي تحتاج لقانون يتم تمريره من البرلمان، ولهذه الأسباب يعتبرها الخبراء “َضريبة خفية”، وهي من الضرائب التي لها أقل الطرق تكلفة من الناحية السياسية، لأنها تكون في طابعها متناثرة وعشوائية. فهي لا تصيب فئة اجتماعية معينة، ولكن تأثيرها يمتد ليشمل المُجتمع كُله.

يُعد لجوء السلطات لطبع النقود لتعويض محدويدية إيراداتها نموذجًا لضريبة التضخم، فهي بذلك تُضعف من القيمة الشرائية للعملة الوطنية، وبالتالي تستقطع الأموال من المواطنين بشكل خفي، لأن القيمة الحقيقية للعملة تتهاوى.

حسب دراسة صادرة عن البنك الدولي، فالحكومة المصرية كانت من أكثر حكومات العالم الثالث استخدامًا لضريبة التضخم، فخلال فترة الثمانينات اعتمد النظام السياسي على هذه الضريبة لتمويل عجز الموازنة.

يصف فلاديمير لينين، زعيم الثورة البلاشفة في روسيا هذه الضريبة: “الوسيلة الأكثر فعالية لتحطيم النظام الرأسمالي هي هدم العملة التي يقوم عليها”، فيما يقول عنها جون مينارد كينز، الاقتصادي الإنجليزي المعروف: يمكن للحكومة أن تصادر بشكل سري وخفي جانبًا مهمًا من ثروة مواطنيها باستخدام التضخم المتواصل”.

  1. القروض الداخلية

خلال فترة التسعينيات، أصبحت “القروض الداخلية” هي الوسيلة الأساسية لتمويل عجز الموازنة، وتغطية نفقات الدولة، بدلًا من القروض الخارجية بعد أن ضربت أزمة المديونية قلب النظام المصرفي الدولي في الثمانينات، وجعلتها أشد صرامة في شروط الإقراض.

المُقرض الأكبر للدولة هو بنك الاستثمار القومي، حيث إنه يستأثر وحده بأكثر من نصف ديون الدولة، وهو بنك تأسس بمقتضى القانون رقم 119 لعام 1980. وكانت مُهمته الأساسية تتمثل في تمويل استثمارات الدولة، وتتعدى ميزانيته السنوية ميزانيات البنوك الثلاثة الكبار التي تمتلكها الدولة، وهي البنك الأهلي، وبنك مصر، وبنك الإسكندرية.

الجزء الأساسي من موارد هذا البنك تأتي من صناديق التأمين والمعاشات والتي وصلت مساهمتها إلى حوالي الثلثين في نهاية التسعينيات، وهذه الصناديق ليس لها أي خيار سوى إقراض الدولة، لأنها تحت سيطرة وزارة الشئون الاجتماعية التي تقوم بتحويل موارد هذه الصناديق إلى بنك الاستثمار القومي.

يعتبر الخبراء، أن حصول الدولة على موارد وصناديق التأمين والمعاشات يبتعد عن مفهوم الاقتراض ويقترب من مفهوم الضريبة. لأن إقراض المواطنين للدولة يفتقد للطابع الحُر والتعاقدي، لأن صناديق التأمين والمعاشات لم تقرر بشكل طوعي أن تُقرض الدولة. وليس باستطاعة المساهمين فيها أن يغيروا هذا الأمر. كما يرى الخبراء كذلك أن هناك اعتبارًا آخر يجعل من هذه القروض أشبه للضريبة وهو سعر الفائدة السلبي الذي كانت تدفعه الدولة للصناديق.

وفي التقرير الصادر عن البنك المركزي المصري، في شهر مارس، لهذا العام ذكر أن ديون مصر المحلية ارتفعت إلى 1924.7 مليار جنيه -1.9 تريليون جنيه- في نهاية شهر ديسمبر 2014، منه 87.9% مستحق على الحكومة و0.3% على الهيئات الاقتصادية العامة و11.8% على بنك الاستثمار القومي.

 

  1. الضريبة العامة على المبيعات

في شهر أبريل 1991، وافق مجلس الشعب على فرضها. ثم قام رئيس الجمهورية بالتصديق على الضريبة ومن ثم بدأ تطبيقها في العام المالي 1991/92، ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الضريبة تشكل أحد المصادر الأساسية لدخل الدولة. في أبريل 2001، عندما أعلنت الحكومة عن نيتها في تطبيق المرحلة الثانية لاقت من التجار معارضة لم تلاقها من رجال الأعمال حين فرضت عليهم المرحلة الأولى، وتعددت أشكال الاحتجاج وكانت أقواها “انتفاضةالموسكي”، حيث نظم التجار هناك إضرابًا ومظاهرات احتجاجية ضد الضرائب، وهو ما واجهته الحكومة بقمعها من خلال فض هذه التظاهرات بواسطة قوات الشرطة.

ومن المُستهدف أن تزيد حصيلة ضريبة المبيعات في العام 2015 /2016 بمعدل نمو ضخم يتعدى 34% عن قيمتها المُستهدفة في عام 2014 /2015.

  1. الضريبة على المصريين بالخارج

في النصف الثاني من الثمانينات، أصدرت الدولة قانونًا برقم 228 لعام 1989، والخاص بفرض ضريبة على المصريين العاملين في الخارج من المشتغلين بالدولة. وهي المسألة التي اعتبرها الخبراء، دليلًا على تنامي ميل الجباية لدى الدولة، باعتبار أن من يعمل بالخارج لا يحصل على خدمات من الدولة في فترة إقامته هناك.

في عام 1993، قام مجموعات من المواطنين في الطعن بدستوريتها، وقررت المحكمة الدستورية العليا آنذاك عدم دستوريتها، وأسست حكمها على أمرين: تناقضه مع مبدأ المساواة، لأن الضريبة كانت مفروضة على العاملين بالدولة، دون فرضها على العاملين بالقطاع الخاص. والأمر الثاني تناقضه مع مبدأ تناسب عبء الضريبة مع قدرة الممول، لأن القانون فرض الضريبة بنسبة واحدة على دخول متفاوتة.

لكن الحكومة حاولت التحايل على هذا القانون، باستصدار قانون رقم 208 لعام 1994 يحاول تلافي عيوب القانون القديم، وقد وسع هذا القانون الجديد من الضريبة لتشمل العاملين بالقطاع الخاص، لكن في 1998 أقرت المحكمة الدستورية أيضًا بعدم دستوريته لأنه لم يحترم مبدأ المساواة، لأنه فرض ضريبة على العاملين بأجر فقط، ولم يفرضها على الخبراء العاملين بعقود خاصة. وذكرت الحكومة أن حكم المحكمة لا ينطبق إلا على من صدر الحكم في صالحه، بالإضافة لذلك فقد أصدر رئيس الجمهورية قانونًا في يوليو 1998 ينص على عدم انطباق أحكام المحكمة الدستورية العليا بشكل رجعي في مجال الضرائب، لضرورة الحفاظ على الموارد الأساسية للدولة.

يذكر أن هذه الضريبة أتت بعائدات تبلغ 240 مليون جنيه خلال أربعة أعوام من تطبيقها.

وأثارت التعديلات التى أصدرها “السيسي”، العام الماضي، على قانون الضرائب على الدخل جدلًا واسعًا بسبب اختلاف التأويلات عن عودة فرض هذه الضرائب، لكن وفقًا لخبراء فإن الدولة قد تحايلت على هذا الأمر بتعديل في القانون يتضمن “إخضاع أنشطة الأفراد المقيمين في مصر ولديهم أنشطة في الخارج والمصريين في الخارج ولديهم أنشطة في مصر للضرائب على غرار الشركات المصرية التى لديها أنشطة خارجية”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد