«إذا لم ينجح الاتفاق مع الأمريكيين سنواصل من حيث توقفنا عند انتهاء الـ120 ساعة، ونستمر في سحق رؤوس الإرهابيين». هذا ما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحات صحافية يوم أمس، ما يعني أن عملية «نبع السلام» المعلقة ربما ستستأنف مرة أخرى، في حال لم تفِ واشنطن بتعهداتها التي تعهدت بها، وهي انسحاب «قسد» من المنطقة الآمنة سلميًّا وبدون أي قتال، بالإضافة إلى 12 بندًا إضافيًّا آخر.

انتقادات وعزلة تجبر أردوغان وترامب على الاتفاق

تعرضت عملية «نبع السلام» لموجة انتقادات واسعة من الدول والمنظمات والهيئات، ما شكل ضغطًا كبيرًا على الساسة الأتراك، الذين وجدوا أنفسهم ربما وحيدين دون دعم صريح من الدول المؤثرة. فقد هددت العديد من الدول بتنفيذ عقوبات على تركيا، بينما كان التهديد الأخطر من الرئيس الأمريكي الذي هدد صراحة بتدمير الاقتصاد التركي، في حال تخطت أنقرة الخطوط الحمراء التي وضعها. أما الاتحاد الأوروبي فقد فشل في تنفيذ أي عقوبات على تركيا، إذ أكد رئيس المجلس الأوروبي – رئيس الوزراء البلجيكي- شارل ميشيل، أن دول الاتحاد لم توافق «لأسباب عدة» على العقوبات ضد تركيا، بينما منع الفيتو الروسي في مجلس الأمن إدانة «نبع السلام».

ومع توالي الانتقادات والتنديدات بالعملية التركية، ذكر أردوغان أن الجميع كانوا يتصلون به مطالبين بوقف «نبع السلام». وقال إن «هؤلاء لم يتصلوا بي كي يعزوني في وفاة المدنيين من جراء القصف الذي تعرضت له البلدات التركية من قبل الإرهابيين»، و أضاف أن «تركيا أثبتت مرة أخرى أنها قادرة عند الضرورة على مواجهة العالم بأسره، من أجل صون استقلالها ومستقبلها».

لكن تركيا لم تكن الوحيدة التي تتعرض للضغوط من أجل وقف الهجوم على «قسد»، فقد مرر نواب في مجلس النواب الأمريكي تشريعًا يدين قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا، الأمر الذي سرع بالخطوة المقبلة، وأرسل ترامب نائبه ووزير خارجيته سريعًا إلى أنقرة لإيجاد حل لهذه الأزمة.

اجتماع الرئيس التركي ونائب الرئيس الأمريكي 

وفي مساء يوم الخميس الماضي 17 أكتوبر (تشرين الأول)، اجتمع الرئيس التركي أردوغان، بنائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، يرافقهما وزير الخارجية مايك بومبي لأكثر من خمس ساعات. نوقشت خلالها معضلة المنطقة الآمنة التي تريدها تركيا، وسبل إيقاف عملية «نبع السلام»، وخرجت المفاوضات بين الجانبين في اتفاقية مكونة من 13 بندًا، بينها تعليق العملية التركية لمدة 120 ساعة، تنسحب خلالها «قسد» من المنطقة الآمنة.

كذلك تضمن الاتفاق التزام الجانبين التركي والأمريكي، بأن عمليات مكافحة الإرهاب يجب أن تستهدف الإرهابيين وحدهم، ومخابئهم، ومواقعهم، والأسلحة، والمركبات، والمعدات، وأكد الأتراك على التزامهم بضمان سلامة سكان المنطقة الآمنة، وتوافق الطرفان على الالتزام بوحدة سوريا، ودعم العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة.

وكان أهم ما اتفق عليه الجانبان هو السيادة العسكرية المطلقة للجيش التركي في المنطقة الآمنة، أي إنها ستكون تحت سيطرة الأتراك بالكامل، وأكدوا كذلك ضرورة زيادة التعاون بينهما في جميع الأبعاد، إذ ستعالج شواغل الأمن القومي لتركيا، بما في ذلك إعادة جمع الأسلحة الثقيلة من «قسد»، وتعطيل تحصيناتهم وجميع مواقع القتال الأخرى.

وبعد الاتفاق مباشرة بساعات قليلة شهدت جميع جبهات القتال هدوءًا حذرًا، وتوقف أصوات دوي المدافع، وهدير الطائرات، في إشارة للبدء بتنفيذ انسحاب «قسد» من المنطقة، ولكن هل هي مماطلة أخرى من الولايات المتحدة الأمريكية و«قسد»، في سبيل كسب المزيد من الوقت، لزيادة الضغوط على تركيا؟

مترجم: أغرب خطاب دبلوماسي في التاريخ! هذا ما جاء في خطاب ترامب لأردوغان

هل سيُنفذ الاتفاق.. أم أنه «حبر على ورق»؟

أعلن مايك بنس توقيع الاتفاق في الساعة التاسعة مساءً بتوقيت أنقرة يوم الخميس الماضي، وأعلن كذلك تعليق «نبع السلام» بشرط انسحاب «قسد» من المنطقة الآمنة بعد 120 ساعة من لحظة توقيع الاتفاقية. والآن وبعد مرور أكثر من 60 ساعة على هذا القرار، هل هناك بوادر حقيقية فعلًا لتنفيذ هذا الاتفاق؟ أم أن الاشتباكات ستعود مرة أخرى؟ «ساسة بوست» تواصل مع الصحافي في شبكة «فرات بوست» صهيب الجابر، والذي يوجد في المناطق التي سيطرت عليها قوات «نبع السلام»؛ للوقوف على آخر التطورات في المنطقة.

يقول الجابر إنه «لم يلاحظ سحب «قسد» أيًّا من قواتها المتمركزة في المنطقة الآمنة إلى اللحظة، بل على العكس، ما تزال التعزيزات العسكرية تأتي باستمرار إلى هذه المناطق الخاضعة لها، خاصة إلى نقاط التماس المتقدمة، ومن بين هذه التعزيزات العديد من الذخائر والأسلحة، التي رصدها الجيش الوطني السوري، والذي لم يستهدف هذه التعزيزات حتى لا يتهم بخرق الاتفاقية».

وعلى ما يبدو فإن الاتفاقية الأمريكية التركية لم تلقّ موافقة كاملة من «قسد»، إذ صرح آزاد برازي عضو المجلس الرئاسي لـ«مجلس سوريا الديمقراطية»، بأن بعض بنود وثيقة وقف إطلاق النار في شمال سوريا «غير مقبولة»، وقال: «لم يردنا أي شيء رسمي، أو وثيقة للوقوف عليها وإبداء الرأي فيها من أجل قبولها أو رفضها»، واصفًا الاتفاق بأنه مجحف بحق جميع مكونات شمال وشرق سوريا، لافتًا إلى استحالة تطبيقها على الأرض. فهل نحن إذن أمام عودة المعارك من جديد واستئناف عملية نبع السلام؟

يقول في ذلك القيادي في الجيش الوطني مصطفى سيجري لـ«ساسة بوست»: «لم نعهد من «قسد» أي تفاعل إيجابي باتجاه حلحلة العقد في المنطقة، أو من خلال اتخاذ خطوات أكثر إيجابية لتجنيب المنطقة ويلات الحرب»، ويضيف: «وفي حال انتهاء المهلة المعطاة والمتفق عليها من قبل الجانبين الأمريكي والتركي، فإن لم تنحسب «قسد» ستُستأنف بكل تأكيد العمليات العسكرية، وستحسم عسكريًّا فقط»، في حين أكد صهيب الجابر أن الجيش الوطني مستعد تمامًا لاستئناف العمليات؛ لأنه متوقع أن ما تفعله «قسد» مراوغة فقط لتعزيز مواقعها، وتلغيم المنطقة في حال استؤنفت المعارك مرة أخرى.

وكان الرئيس التركي قد صرح يوم أمس أن «بلاده لم تحد عن الشروط التي وضعتها منذ البداية بخصوص المنطقة الآمنة، وفي حال عدم الوفاء بالتعهدات المقدمة لها، فإنها لن تنتظر كما في السابق، وسنواصل العملية بمجرد انتهاء المهلة التي حددناها»، إذن وعلى ضوء المعطيات التي وردت من الأرض، فإن طبول الحرب ستدق مرة أخرى بكل تأكيد، ما لم يحدث في الستين ساعة القادمة شيء قد يغير مجريات الأحداث. 

هل التزم الطرفان بالاتفاقية خلال الستين ساعة الماضية؟

استفسر «ساسة بوست» عن الخروقات التي حدثت في الاتفاقية من جانب الطرفين، فقال صهيب الجابر إن «قسد» خرق الاتفاقية أكثر من مرة، من خلال استهداف مواقع الجيش الوطني السوري، وحدثت اشتباكات أكثر من مرة، كان أعنفها في منطقة العبرة بمدينة رأس العين، إذ حاولت «قسد» التقدم لتثبيت نقاطها، وقُتل وجرح فيها العديد من عناصرهم، في حين سمح لهم الجيش الوطني بنقل جرحاهم وقتلاهم عبر ممر مرصود من قبلهم، دون إطلاق النار عليهم، تماشيًا مع عدم خرق الاتفاقية، بحسب الجابر.

كذلك أعلنت وزارة الدفاع التركية أن «قسد» ارتكتب 14 خرقًا لاتفاق تعليق «نبع السلام» خلال آخر 36 ساعة. من بينها 12 هجومًا وتحرشًا في رأس العين، وباثنين في منطقة تل تمر، وسط التزام كامل للقوات المسلحة التركية به. في الوقت ذاته نفت «قسد» ذلك، واتهمت تركيا بخرق الاتفاق أكثر من مرة، ومنع الجرحى والمدنيين من الخروج من مدينة رأس العين، وذلك في اتهامات متبادلة بين الطرفين المتصارعين.

وقال مسؤول بوزارة الدفاع الأمريكية، إن الاشتباكات توقفت إلى حد كبير، شرق الفرات، عقب الاتفاق التركي الأمريكي، وأضاف «توقفت الاشتباكات إلى حد كبير، وتوقفها تمامًا قد يستغرق بعض الوقت».

إلى ذلك أيضًا فقد اتهم النظام السوري قوات الجيش الوطني السوري بمحاولة تسلل في قرية الأهراس شمال غرب تل تمر، إذ قال إنه تصدى للمحاولة ودارت اشتباكات بينهم. بينما نفى المتحدث باسم «الجيش الوطني»، يوسف حمود، هذه الأنباء، وقال «الخبر بخصوص محاولة تسلل للجيش الوطني والاشتباك مع قوات النظام في تل تمر منفي»، وهو ما يطرح السؤال عن مدى قدرة تركيا على التعامل مع وجد قوات النظام في المنطقة الآمنة؟

قوات النظام السوري والمنطقة الآمنة

وفيما يخص الاتفاق التركي الأمريكي قالت بثينة شعبان، المستشارة السياسية والإعلامية لرئيس النظام السوري، بشار الأسد، إن الاتفاق «غامض»، وعدت الخطوات التي اتخذت في العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية مهمة، وليس مطلوبًا حل كل المشكلات دفعة واحدة. بينما قالت موسكو إنها تنتظر من أنقرة تقديم معلومات حول الاتفاق، بينما ستتجه الأنظار يوم الثلاثاء المقبل الى اجتماع الزعيمين الروسي والتركي في مدينة سوتشي الروسية؛ لبحث جميع الملفات السورية، والتي من ضمنها عملية «نبع السلام»، واللجنة الدستورية، وإدلب، ولكن هذا الاجتماع سيتم بعد انتهاء مهلة الـ120 ساعة، ما يجعل مصير قوات النظام مؤجلًا إلى ذلك الوقت. 

وأكد الرئيس التركي يوم أمس في تصريحات صحافية، أن قوات النظام السوري توجد في منطقة العمليات التركية ضد «المجموعات الإرهابية»، وأن هذه القوات محمية من روسيا، مشيرًا إلى أنه سيتناول هذه المسألة مع بوتين لإيجاد حل لها، مشددًا على أنه إذا توصل إلى حل كان بها، وإلا فإن تركيا ستواصل تنفيذ خططها.

كذلك أكد مستشار الرئيس التركي ياسين أقطاي، أن دخول قوات النظام السوري إلى المناطق التي انسحبت منها الولايات المتحدة الأمريكية يعد إعلان حرب على تركيا، وتابع «إذا كان النظام السوري يريد الدخول إلى مناطق منبج، وعين العرب، والقامشلي بهدف توفير الحماية لـ«قسد» فهذا يعد بمثابة إعلان حرب على تركيا، أما في حال وُجد حل يُطمئن تركيا لمسألة المناطق التي دخلتها هذه القوات، وقُدمت ضمانات بعدم وجود هذه المنظمة الإرهابية في المنطقة بشكل يهدد أمنها، عندها قد تغير تركيا موقفها وتقيّم الحلول المطروحة بدقة».

في حين أشار القيادي في الجيش الوطني مصطفى سيجري، خلال حديثه معنا، إلى أن «تركيا تدرك تمامًا أن النظام السوري هو من دعم قوات سوريا الديمقراطية الإرهابية والانفصالية القادمين من جبال قنديل، حتى يستخدمهم ورقة ضغط على الجانب التركي، وتدرك أيضًا أن النظام يقف خلف عدد من العمليات الإرهابية بالداخل التركي، من بينها «مجزرة الريحانية»، والتي راح ضحيتها 52 مواطنًا»، على حد تعبيره.

وأشار سيجري إلى الدعم الذي يقدمه النظام وبشار الأسد شخصيًّا إلى المواطن التركي معراج أورال، وعدد من القيادات التركية في الساحل السوري، ونوه سيجري إلى أن «تركيا قد حددت سابقًا خياراتها بالتحالف مع قوى المعارضة السورية ممثلة بالجيش الوطني السوري، وأنها تثق بهم فقط كي يكونوا بجوار الحدود التركية»، وعليه يرى سيجري أن تركيا ستقوم بما تستطيع لمنع وجود أيٍّ من قوات النظام السوري في المنطقة الآمنة.

ويمكن القول بأن الساعات القليلة القادمة والمتبقية من المهلة (أقل من 60 ساعة) كفيلة بكشف ما ستؤول إليه الأمور، وعما إذا كانت تركيا قادرة فعلًا على مواجهة كافة الضغوط، واللعب على أوتار مصالح الدول الأخرى، وستحدد، ليس فقط مصير المنطقة الآمنة، بل مستقبل «قسد» والجيش الوطني السوري، وستحدد العلاقات بين كلٍّ من تركيا وروسيا والتحالف الدولي، وأيضًا النظام السوري.

مترجم: دليلك المختصر لخريطة القوات العسكرية في شمال سوريا الآن

المصادر

تحميل المزيد