1,975

حينَ يُخَيِّمُ الظلامُ على ذلك الشريطِ الحُدوديّ المُمتد في أبَدِ الصحراء الغربية بين مصر وليبيا، يُحِيلُ السَّوادُ المُعتِم تلك الأسلاك الشائكة إلى أشباحٍ لا تبرحُ أمْكِنَتها؛ النجومُ احتجبتْ عن التجلِّي، والظُلمة ُغَشِيَتْ كل الموجودات، والأرضُ الوَعِرةُ آوتْ إلى مَخْدعِها يَحرُسُها السكونُ والذُعر، وليس في الكـَونِ سوى جُنديٍّ يَقِظٍ يَعصِفُ البردُ الشديدُ بفرائصه، وهو يُكابدُ وشاحَ الليلِ في عمقِِ بضعةِ كيلومتراتٍ من الخوف؛ يقولُ «م.أ»، جندي مصري قضى ثلاث سنوات من خدمته الإجبارية على الخط الفاصل بين مصر مع ليبيا: «كل تهريبة سلاح تمرّ من هنا نعلمُ أنها في طريقها إلى سيناء أو غزة»، يضيفُ لـ«ساسة بوست»: «منذ انسحب الجيش الليبي تاركًا حدوده لنا، ونحن نحارب الفوضى وحدنا!».

هذا التقرير يأخذك إلى خريطة بعيدة داخل الوطن العربي، حيث الحدود العربية المشتركة التي تختلط فيها السياسة بالجغرافيا.

(1) السعودية واليمن.. الجغرافيا مصدر قلق دائم

في عشرينيات القرن الماضي وقع حدثٌ غريب؛ السعودية التي تفوق مساحتها مليونا كيلومتر مربع، دخلت في ستة نزاعات حدودية مع ( الإمارات والكويت وقطر والأردن والبحرين واليمن) من أجل ضم بضعة كيلومترات معدودة. لكن من جانب آخر كان الأمر يستحق. فمثلًا، البحرين التي تُوصف بأنها أصغر بلدٍ عربي، تنازلت عن منطقة «فشت أبوسعفة» الواقعة في المياه الضحلة بين البلدين والتي اتضح فيما بعد أن تحتها حقلاً كبيرًا من البترول. ولم تكن الأطماع الاقتصادية وحدها هي المحرك الذي يدفع المملكة للخصومة دائمًا؛ فالخوف من الجغرافيا قادها لانتزاع ثلاث مدن حدودية من اليمن  (نجران وجازان وعسير) عام 1934، والتي تُعرف إلى اليوم باسم «الحدّ الجنوبي السعودي». ولكن كيف يُمكن أن تؤثر خطوط الطول والعرض على سياسة أكبر بلد سُنّي في المنطقة؟

لطالما كان توزيع السكان في اليمن يمثل مصدر إزعاج للحكومة السعودية، فالسُنة الذين يُشكلون أكثر من ثلاثة أرباع السُكان يتركزون في الجنوب، بينما الشيعة على اختلاف مذاهبهم: الزيدية والاثنا عشرية، يتمركزون في محافظات الشمال الحدودية مع المملكة، لذلك فهم الخطر الدائم المرابط على حدودهم، والكاشف لظهرهم. لذلك عندما وقعت حربٌ بين إمارة الإدريسية السُنية وبين ممكلة المتوكلية الشيعية جنوب غرب اليمن الشمالي عام 1924، سارعت السعودية لإنقاذ حليفها المذهبي بوضع مناطقه تحت الحماية. المثير أنه بعد انتهاء الحرب، رفضت المملكة تسليم الأراضي ودخلت في حرب مع اليمن عام 1934، انتهت  بتوقيع اتفاقية «الطائف»، التي حوّلت «عسير وجيزان ونجران» إلى أراض سعودية رسمية. ليس هذا وحسب، فالمملكة عمدت إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للسكان، فعمدت إلى زيادة عدد السُنة في تلك المدن من خلال تجنيس القبائل اليمنية النازحة تحت شعار «الدوافع الإنسانية»، لتبقى حائط صدّ أمام المدّ الشيعي في الجنوب الغربي من حدودها، ولكنّ هل زال الخطر؟

اقرأ أيضًا: «كان مصابًا بهوس السرقة».. هكذا نعت «نيويورك تايمز» عبد الله صالح!

في مطلع العام 2003، شعرت السعودية بخطر الحوثيين المتزايد على حدودها الجنوبية، ولأنهم شيعة يتبعون المذهب الزيدي، فقد خافت المملكة أن تستخدمهم إيران كأذرع للقيام بأية أعمال من شأنها زعزعة استقرارها عبر الحدود الشاسعة المفتوحة، لذلك انطلقت الرياض في بناء سياج مكهرب على الحدود السعودية اليمنية بمسافة ألفي كيلو متر. وحين  شنّ الرئيس المخلوع الراحل علي عبد الله صالح ست حروب ضد الحوثيين منذ عام 2004 وحتى 2010، تدخلت السعودية داعمة له بكل قوة في محاولة لإبادة مصدر القلق الدائم القادم من الجنوب. وفي أواخر عام 2009، دخلت المملكة في حربٍ مباشرة ضد الحوثيين، وذلك بعد قيامهم بالزحف على الحدود السعودية، وحشدت المملكة كافة أسلحتها الثقيلة، إضافة للقصف الجوي والمدفعي ضد الحوثيين الذين انسحبوا في حربٍ قصيرة لم تتكافأ فيها موازين القوى، وظنّت السعودية أن الأوضاع استقرت، لكنّ الثورات العربية قلبت كل الحقائق المستقرة، فتحققت أكبر مخاوف المملكة.

بعد تنصيب الرئيس اليمني الحالي عبد ربه منصور، قام الحوثيون بمساعدة صالح في السيطرة على صنعاء، ومحاصرة القصر الرئاسي، لكنّ الخطر الأكبر لم يكن في إجبار هادي على التنحي، بل تمثّل في الانتصار الذي حققه حلفاء إيران، وقبل أن يستغيث هادي بالسعوديين لشنّ «عاصفة الحزم»: كانت تقارير قد تحدثت بأنّ التدخل العسكري كان مُخططًا له بالفعل منذ البداية، سواء استغاث الرئيس اليمني أو لم يفعل، فالمملكة بادرت بالضربة الاستباقية لأنها علمت أن حدودها ستتعرض للقصف لاحقًا. وبحسب تصريحات المتحدث باسم قوات التحالف، فقد أطلق الحوثيون أكثر من 60 ألف قذيفة على السعودية منذ يونيو (حزيران) 2015، بمعدل يتراوح بين 20 و500 قذيفة يوميًّا.

الجدير بالذكر أن السعودية وضعت 100 ألف جندي على حدودها ، ومع ذلك فالحدّ الجنوبي للمملكة المتمثل في نجران وجازان وعسير لم يسلم من الهجمات الصاروخية التي تعرف طريقها جيدًا في قلب المملكة، وكان آخرها الصاروخ البالستي الذي استهدف مطار الملك خالد، وحتى الآن لا تستطيع ثاني أكبر مُشترِ للسلاح في العالم أن تهزم جماعة متمردة لا يزيد تعدادها عن 10 آلاف مقاتل على أكثر تقدير.

على جانب آخر، لا تزال الجغرافيا تُزعج اليمن، لأنها أصبحت مُحاصرة دائمًا بتدخل السعودية في شأنها الداخلي ، وتظل الحدود هي أكبر أعداء البلدين.

اقرأ أيضًا: قبل تيران وصنافير.. هكذا حسمت السعودية 6 خلافات حدودية لصالحها

(2) الحدود المصرية.. معبر المقاتلين

لا أحد يستطيع تأمين حدود ممتدة لـ1200 كم في الصحراء بنسبة 100%.

*السيسي متحدثًا عن حدود مصر مع ليبيا

بينما كانت دورية تابعة للجيش الإسرائيلي تقوم بتمشيط السياج الحدودي لها مع مصر قبل شهرين، تعرضت لإطلاق نار كثيف من قبل مسلحين في سيناء، لكنّها لم تسفر عن أيّة إصابات. ورغم أنّ الضرر الأكبر في تلك الحادثة وقع على الجانب الإسرائيلي، إلّا أن القصة تشير من زاوية أخرى إلى ضعف الجانب المصري في السيطرة على حدوده، خاصة وأنّ الحادثة التي تكررت أكثر من مرة وقعت في أقوى تواجد أمني مصري في أكثر النقاط حساسية.

(الحدود المصرية الإسرائيلية)

تشترك مصر مع «إسرائيل» في معاهدة سلام وفي حدود تبلغ 245 كيلو متر، ولطالما كانت سيناء هي معبر المتسللين الأفارقة إلى إسرائيل حتى في ظل الانفلات الأمني التي تشهده المنطقة حاليًا، وكلما قررت إسرائيل مضاعفة الاحتياطات الأمنية، ورفع الجدار الإلكتروني ستة أمتار، باءت المحاولات بالفشل، فلا هجوم الجماعات الإسلاميّة المسلّحة توقّف، ولا انتهت عمليات التسلل، وهو ما يضع كلا البلدين في مأزق مشترك في ظل وجود اتفاقية سلام. وتعكف الحكومة الإسرائيليّة حاليًّا على سنّ قانون يسمح بطرد المهاجرين غير القانونيين من دون موافقتهم، إضافة إلى بحث إقامة جدار فولاذي عازل إلى جانب مضاعفة الاحتياطات الأمنية، في ظل الفراغ الأمني المصري.

حدود مصر مع غزة جعلتها هدفًا كبيرًا لتهريب السلاح إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن طريق الأنفاق التي تنتشر بطول القطاع، وبما أن أهالي رفح المصرية لهم صلات قرابة ونسب مع أهالي غزة، فقد استُخدمت الجغرافيا بشكل رئيسي لصالح الفلسطينيين المُحاصرين، حيث تحولت كافة البيوت المصرية المتاخمة للحدود إلى أنفاق تقوم بنقل البضائع والحيوانات وحتى السولار والسيارات والمقاتلين، حتى بعدما قامت مصر بإغلاق معبر رفح أربع سنوات على خلفية سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، لم يتأثر التهريب؛ إلّا أنه في عام 2014، قررت الحكومة المصرية تهجير أهالي رفح، وإقامة منطقة عازلة بعرض 1.7 كيلومتر من الحدود وبطول 14 كيلومترًا، على أمل الانتصار على الأنفاق، والقضاء على الجماعات المسلّحة التي تنشط في شمال ووسط سيناء.

حدود مصر الجنوبية مع السودان كانت دائمًا تشكل خطرًا في وقت السلم، كونها المصدر الأساسي لتهريب السلاح. لكنّ الحدود الليبية تُمثل الآن نقطة العجز الكبرى لمصر، فمنذ انسحب الجيش الليبي إلى الداخل لخوض معركة الاستقرار؛ ازدادت معدلات التهريب من وإلى خارج مصر، بصورة فجّة جعلت رئيسها يعترف بلسانه بأنه «فشل في حماية الحدود». وحين نُطالع البحث الذي  نشره مركز «آريس» لأبحاث التسليح؛ فإننا نجدُ أن الدولة الإسلامية في سيناء (ولاية سيناء) حصلت على أسلحة متطورة وصلت إليها، من بينها رشاش «دوشكا» المضاد للطائرات، وقاذئف (آر بي جي) المضادة للمدرعات والتحصينات، وصاروخ الكورنيت (وهو عبارة عن قاذف حراري يستطيع إسقاط الطائرات وتدمير الدبابات عن طريق أشعة الليزر الموجهة)،ـ وهو أخطر سلاح ضمن القائمة. وبحسب التحقيق الذي نشرته صحيفة «المصري اليوم»، فإن سلاح الكورنيت الذي في إصدارات تنظيم «ولاية سيناء»،وصل مصر عن طريق ليبيا.

اقرأ أيضًا: «بعدما فقدت القرية ربع رجالها!».. لماذا طالت حرب الجيش المصري في سيناء؟

(3) الجزائر والمغرب.. خصومة تاريخية بعمق الصحراء

بخلاف كل النزاعات الحدودية العربية التي تمتد من المحيط للخليج، يبقى النزاع الجزائري المغربي هو الأقدم تاريخيًا وبداية القصة تختلفُ تمامًا عن نهايتها؛ فمن النضال المشترك ضد الاستعمار الفرنسي، إلى الصراع على الجغرافيا بعد الحصول على الاستقلال، وتعود الجذور التاريخية للصراع إلى الحرب التي خسرتها المغرب أمام فرنسا عام 1844، وأجبرت على توقيع معاهدة «للا مغنية» والتي تعهدت فيها المغرب بعدم دعم الأمير عبد القادر الجزائري الذي انتهى به الأمر للاستسلام للفرنسيين بعد محاربته لهم لـ15 سنة، إلّا أنّ الأهم في تلك المعاهدة هو خسارة المغرب لجزء من أراضيه شرقًا لصالح الجزائر، بينما ظل الجزء الجنوبي بدون أي ترسيم. وعندما أعادت فرنسا تقسيم الحدود مرة أخرى عام 1950  قامت بإدخال كل من «تندوف» و«بشار» ضمن المقاطعة الفرنسية للجزائر، وهكذا اشتعل الصراع المكتوم.

(الحدود بين المغرب والجزائر)

عندما حصلت الجزائر على حريتها عام 1962، طالب المغرب باسترجاع سيادته على كل المناطق التي قطعتها منه فرنسا، لكن الجزائر رفضت، وتمسكت بالخريطة التي رسمها الاستعمار. وسرعان ما تحولت المناوشات الحدودية إلى غضب مُعلن بعد عام واحد من الاستقلال، فاشتبك الطرفان في «حرب الرمال» التي تدخلت لإيقافها منظمة الوحدة الأفريقية، لكنّ الحرب الباردة التي تستمر إلى اليوم لم يتمكن أحد من إيقافها. وفي عام 1972، ظهرت بودار انفراج الأزمة عندما اجتمع الملك والمغربي والرئيس الجزائري، واتّفقا على ترسيم الحدود. لكنّ الجزائر يبدو أنها لم ترغب في أن تنافسها المغرب في الزعامة السياسية في الشمال الأفريقي، فدخلت في صراع جغرافي جديد تمثل في أزمة «الصحراء الغربية» التي يسميها المغاربة «الصحراء المغربية».

تعتبر المغرب أنّ الجزائر «طعنتها في ظهرها»، فعقب قيام جبهة البوليساريو عام 1973، والتي دعت إلى تكوين دولة مستقلة عن المغرب في صحراء الجنوب، قامت الجزائر بدعم التمرد المسلح سياسيًا وعسكريًا ضد الجيش المغربي تحت دعوى حق تقرير المصير والشرعية التي كفلها مجلس الأمن، واعتبرت المغرب ذلك تآمرًا عليها، فقامت في عام 1980 ببناء جدار يمتد على طول الحدود الجنوبية بين البلدين الجارين استمر بناؤه سبع سنوات، وما زالت الجزائر إلى اليوم تدعم الجبهة من جهة وترفض دعوات المغرب للتفاوض المباشر من جهة أخرى، بزعم أنها ليست طرفًا في الأزمة. وتسببت الحرب الباردة التي كانت أكبر آثارها سباق التسليح والتنافس على الزعامة الإقليمية في فشل كل محاولات الصلح والتطبيع، لكنّ اللقاء الأخير الذي جمع بين الوزير الأول الجزائري أحمد أبو يحيى، والملك المغربي الملك محمد السادس خلال القمة الأفريقية الأوروبية أظهر مصافحة حارة من الممكن أن تُذيب الثلوج بين البلدين، والبعض الآخر يُشكك.

وما زالت الحدود مُغلقة بين البلدين إلى الآن منذ أكثر من 20 عامًا، على خلفية انفجار فندق بمدينة مراكش عام 1994، الذي وجّهت المغرب أصابع اتهام إلى الجزائر بالضلوع فيه، ثم فرضت تأشيرة دخول على الجزائريين، وربما لو أنّ البلدين لم يجمعهما حدود مشتركة لاختلف الوضع السياسي والاقتصادي لكليهما.

(4) العراق.. لعنة الحدود المشتركة

حين أراد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، أن يبني دولة خلافته الوليدة، اختار أرض العراق، لتستوعب حُلم الإمبراطورية الإسلامية في عهده؛ حيث أنشأ مدينة بغداد في موقعها الحالي لتوافر أسباب الحضارة، وأهمها: الموقع والمناخ ومصادر المياه، واستطاعت العاصمة الجديدة أن تستوعب أطراف الدولة في خُراسان – أفغانستان حاليًا – وأن تبسط زمام سيطرتها على قلب الجزيرة وحتى المغرب العربي، وبينما ساهمت الجغرافيا تاريخيًا في أن تتحول بغداد إلى كعبة العلم والثقافة، فإن الديموغرافية الحالية قد ساهمت بجزء كبير من الصراع الحالي.

(خريطة الدول المحيطة بالعراق)

حين قامت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، استشعرت الدول العربية الخطر في التجربة التي حرصت طهران على تصديرها للدول الإسلامية السُنية، ولمّا كانت العراق تتجاور مع إيران في حدود واسعة من الشرق؛ سعت بعض الدول العربية لجرّ طهران لحرب كبيرة، تمثل أولها في توقيع الرئيس العراقي صدام حسين ميثاق الدفاع العربي في فبراير (شباط) 1980، الذي اعتبرته إيران أول بوادر وعلامات الحرب، وصدقت النبوءة بالفعل، فبعد عدة أشهر نشبت حرب الخليج الأولى، وهي الحرب التي دعمتها أغلبية الدول العربية لصدّ المدّ الشيعي من على ثغور العراق، وبعد ثمانية أعوام توقفت الحرب التي خلّفت وراءها نحو مليون قتيل، وأكثر من مليار دولار من الخسائر الماديّة، كان نصيب العراق منها 561 مليون دولار، ونصف مليون من الدماء.

الشمال العراقي يواجه أزمة جغرافية تُقلق كل دول الجوار بما فيهم سوريا وتركيا وإيران، فالأكراد الذين يبلغ عددهم 35 مليونًا موزعون على أطراف تلك البلاد دون مصير، وقد أغفلتهم في الماضي اتفاقية «سايكس-بيكو» عام 1916، وهي التي سعت لتقسيم إرث الدولة العثمانية، ومنذ ذلك التاريخ وهم يواجهون الخذلان، سواء بخسارة الحروب أو بإغفالهم في اتفاقيات ترسيم الحدود التي فرقتهم في أربع دول مختلفة اللغات والثقافات. ورغم أنّ أكراد العراق كانوا أكثر حظًا من غيرهم بتوقيعهم مع السلطة اتفاقية الحكم الذاتي عام 1970، وانتزاع اعتراف باستقلالهم إلى حد ما في دستور عام 2005، إلا أن قرار حكومتهم المركزية الأخير بشأن تنظيم استفتاء على استقلالهم كان ضربة موجعة للحكومة العراقية ولدول الجوار التي اصطفت في هدفٍ واحد للقضاء على الحُلم الذي سيظل مُشتعلًا للأبد بفضل الجغرافيا.

حدود العراق مع سوريا في الشمال الغربي كانت مُلهمة لتنظيم داعش، حين أراد أن يُعلن دولته منتصف عام 2014. فحين انتهى التنظيم من استراتيجية التدمير العشوائي، تحوّل إلى مرحلة البحث عن مكان مثالي يصلح لإعلان الخلافة، وكانت الموصل هي المكان الأمثل لعاصمة الدولة، نظرًا لكونها ثاني أكبر مدينة عراقية من حيث المساحة، وتحتوي على أكثر من مليون ونصف نسمة، معظمهم من السُنة، إضافًة إلى أنها تتميز بكونها مثلثًا اقتصاديًا قريبًا من المناطق النفطية ذات العائد الاقتصادي الضخم. إلا أن جغرافيا القرب من سوريا ساعدت على صمود التنظيم أكثر وإطالة زمن الحرب، لأن المقاتلين قاموا بوصل المناطق التي استولوا عليها من كلتا الدولتين ورفعوا الحدود بينهما، فبدا في ظاهر الأمر أنهم أسقطوا الحدود، لكنّ الذي حدث في الحقيقة أنهم انتصروا بالجغرافيا.