كيف تقيّم تجربتك لزيارة الطبيب؟ هل ينحي قناعاته الشخصية تمامًا قبل الكشف على مريض؟ وهل لقناعات الطبيب الشخصية أن تؤثر في علاج المريض؟ هل يسمع الطبيب شكوى الرجل الأسود مثل الأبيض؟ وبالنسبة للنساء هل يصدق الطبيب شكاوى المرأة تمامًا أم يعتقد أنها تبالغ قليلًا؟ كذلك هناك انحيازات أخرى طبية مسبقة تؤثر في التشخيص الخاطئ، ومن ثَم العلاج الخاطئ.

ما هو الانحياز ومن أين يأتي؟

الانحياز هو مجموعة معقدة من المشاعر، تؤثر في اتخاذ القرار، والانحياز نوعان؛ أولهما انحياز واعٍ، وهو انحياز يختص بجماعات أخرى من البشر مثل التمييز الجنسي، أو التمييز العِرقي، أو معاداة المتحولين جنسيًّا، والآخر عن غير قصد، وينتج عن ممارسة عادات متأصلة تؤدي إلى ارتكاب أخطاء إدراكية. ويأتي الانحياز أو التصورات المسبقة من مفردات كثيرة في الحياة؛ مثل التليفزيون، والإعلانات، والمجتمع، والمدرسة، ومن أماكن العمل أيضًا. ويمكن تقريب الصورة بسؤال ما هيّ الصورة المتخيلة لك عن الجرّاحات النساء؟ عن المريض النفسي، عن المثلي؟

1- الانحياز العِرقي.. لا يستوي الأبيض والأسود في غرفة الطوارئ

يعاني الطب من مشكلة تمييز عرقي واضحة؛ فهناك تفاوت كبير في جودة الرعاية الصحية المقدمة للمجموعات الإثنية المختلفة. وإحدى نتائج ذلك أن السود مثلًا يُسجلون نسبة عالية من الوفيات بسبب سرطان القولون مقارنةً بأي مجموعة إثنية أخرى. نشر معهد الطب في عام 2002 تقريرًا عن تأثير الفروق العرقية، والإثنية في تقديم الرعاية الصحية، وقد فحص هذا الفريق أكثر من 100 دراسة، واستخلص أن هناك بالفعل فروقًا في الخدمات الصحية المقدمة بناءً على العِرق؛ وذلك لأسباب اجتماعية، واقتصادية، ونتيجة مباشرة أو غير مباشرة للتمييز العِرقي.

Embed from Getty Images

فيجد أصحاب البشرة الملونة من الأمريكيين من ذوي أصل أفريقي ولاتيني تمييزًا طبيًّا يبدأ من غرفة الطوارئ؛ فعندما يأتي طفل أسود بالتهاب الزائدة الدودية سيجد رعاية طبية أقل، مقارنةً بالطفل الأبيض. وبالمثل في غرفة الرعاية المركزة، الأمر الذي يجعل السود يسجلون نسبة عالية من الوفيات بسبب سرطان القولون مقارنةً بأي عِرق آخر، كما تزداد نسب وفيات اللاتينيين من الإيدز مرتين أكثر من البيض، ويتلقى السود مضادات حيوية لمنع الإصابة بالالتهاب الرئوي بنسبة أقل من البيض، لكن هناك عملية واحدة يتعرض لها السود بشكل أكبر وهي البتر.

2- التحيز في جمع المعلومات

هناك انحيازات طبية ناشئة عن نقص المعلومات، أو ربط المعلومات بعضها ببعض بطريقة خاطئة، هناك مثلًا  التحيز التجميعي، ويحدث عندما يعتقد الطبيب أن البيانات المتعلقة بالتحقق من صحة التشخيص يسمى ذلك «المغالطة البيئية». وفي أحيان أخرى يرفض الطبيب أو المجتمع الطبي أي برهان جديد، أو معلومة جديدة تنفي معتقدًا راسخًا، فيما يسمى بـ«تأثير سيمفليس». وسيمفليس هو طبيب مجري اكتشف أن استخدام الأطباء لمطهر طبي قبل إجراء عمليات الولادة، يقلل إصابات النساء بُحمى النفاس بنسبة 90%، وهو ما رفضه المجتمع لأنها فكرة غير شائعة.

3- الانحياز الجنسي.. النساء دائمًا يبالغن

في برنامجه «last week tonight» خرج أوليفر جون ليتحدث عن الانحيازات في الطب قائلًا «إن أجساد النساء عانت تاريخيًّا من الأحكام المسبقة، وسوء فهم أعراضها المرضية»، ويضيف أنه ثمة مشكلة ممنهجة عند الأطباء، هي أنهم لا يعرفون الكثير عن أجساد النساء. فقد درس الأطباء أجساد الرجال بوصفه عاملًا ثابتًا للقياس على كل الأجساد.

Embed from Getty Images

بالرغم من أن النساء استجابتهن لبعض الأدوية قد تكون مختلفة؛ كانت معظم الأبحاث تُجرى على الرجال فقط؛ لأن النساء يصبن بالدورة الشهرية التي تتداخل مع نتائج الأبحاث. وقد بيّنت الأبحاث أنه عندما تذهب امرأة إلى المستشفى بأعراض هجمة قلبية، فإنها تتعرض لإساءة تفسير المرض، أكثر سبع مرات من الرجل.

بطريركيّة الطب.. كيف عانت النساء من التمييز في المجال الطبي؟

4- الانحياز التأكيدي.. الثقة الزائدة تقتل

أحد أنواع الانحيازات هو انحياز ينشأ عن الثقة الزائدة؛ فيميل الطبيب لأن يعتمد على رأيه الشخصي، أكثر من الاعتماد على دليل موجود بالفعل، أو انحياز الطبيب للمصلحة الذاتية، فيميل الطبيب لسرد مسئوليته عن نجاح الحالات، أكثر من تذكره للعمليات الفاشلة. وهناك أيضًا الانحياز التأكيدي وهو الميل نحو البحث عن مصادر تؤكد وتدعم التصور أو التشخيص المسبق للطبيب، بدلًا من البحث عما ينفي هذا التصور. ويشبهه أيضًا الانحياز للتماثل، وهو الاعتماد على اختبار مباشر، أو فرضية واحدة، وإهمال الاختبارات الأخرى غير المباشرة، والفشل في التفكير في أي فرضية أخرى.

5- الاعتماد على عَرض واحد فقط للتشخيص

عندما يرتكز الطبيب في التشخيص على عرَض واحد، أو معلومة واحدة ويتجاهل أي احتمالات أخرى، يكون قد وقع في خطأ يسمى «الإرتساء». وأحد الأمثلة على هذه الحالة؛ امرأة تبلغ من العمر 48 عامًا تعاني من ألم شديد في الظهر، وبينت الأشعة السينية إصابتها بكسر ضغط العمود الفقري، وقد أرجع الطبيب السبب إلى هشاشة العظام، في هذه الحالة أرسى الطبيب فحصه دون أن يحاول استكشاف أي أسباب أخرى، بينما يتضح أن السبب الحقيقي وراء ألم الظهر الشديد هو تأخر اكتشاف إصابتها بالسرطان الذي انتشر من عضو لآخر.

6- التشخيص غير الناضج

يقبل الطبيب التشخيص المبدئي للمريض بدون نقد، ويفشل في جمع معلومات أبعد تكشف عن التشخيص الصحيح. ومثال لهذه الحالة مريض ذهب لطبيب بعد إصابته بصداع حاد وقيء بعد تناوله الطعام، واعتقد المريض حينها أنه مصاب بالتسمم، عندها قَبل الطبيب هذا التشخيص، ولم يُخضع المريض لاختبارات أخرى. لكن ما حدث هو أن حالة المريض ساءت؛ لأنه في الحقيقة مصاب بـ«تمدد شرياني» شُخص في وقت متأخر. الجانب الآخر من الاعتماد على التشخيص المبدئي السريع يحدث عندما يجد الطبيب موطِن الخلل الأول، ثم يكف عن استكشاف مواطن الخلل الأخرى.

7- «الحمار الوحشي».. اللجوء الآمن للتفسير الأكثر شيوعًا

يشير مصطلح «الحمار الوحشي» في الطب إلى مقولة للطبيب تيودور وودوارد، وهو أستاذ في كلية طب في جامعة مريلاند، في أواخر الأربعينيات، وتقول: «إذا سمعت صوت حوافر، فارجع السبب لوجود حصان، وليس لوجود  حمار وحشي»، ومرجعية هذه الجملة أن الخيول كانت منتشرة في ولاية مريلاند، على عكس الحمير الوحشية.

Embed from Getty Images

وتفسير الجملة هو إذا كان العَرض يسببه المرض الشائع، فلا تفسره بوجود المرض النادر؛ حسنًا لكن هذه النصيحة قد تقود الطبيب إلى التشخيص الخاطئ، لذا على الطبيب توقع السيناريو الأسوأ، وعليه يخضع المريض لاختبارات تؤكد أو تنفي. وينشأ هذا الانحياز نتيجة لعدة أسباب منها؛ الخوف من الاتهام بعدم الواقعية، والإسراف بتكليف المريض باختبارات طبية باهظة.

كيف تتخلى عن انحيازك؟

مقدم الخدمة الطبية ليس معصومًا من الخطأ، لكن عندما يؤثر الانحياز المعرفي في اتخاذ القرار، فيجب اللجوء إلى جمع المعلومات الكافية، لتجنب الوقوع في أخطاء معرفية، كذلك يجب الاستخدام الدائم للتوجيهات المعتمدة في التشخيص والعلاج، والاعتماد على فريق طبي في الاستشارة الطبية للحالات الجدلية، ويُنصح بإعادة التشخيص عند ظهور أعراض جديدة، أو إذا لم يتحسن المريض كما هو المُتوقع. والنقطة المهمة هي تدريب الأطباء لكي يدركوا هذه الانحيازات.

الوجه الخفي للطب الأمريكي.. تاريخ طويل من استعباد واستغلال السود

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد