2,739

يستيقظ الكاتب الثمانيني «بريتكستا طاش» ليرد على مهاتفة سكرتيره الخاص؛ ولم يكن ينسى أن يقول في مستهل المكالمة: آسف يا عزيزي إيرنست، إنني لم أمت بعد.

شاع مؤخرًا بين الوسط الثقافي أن «طاش» الحائز على جائزة نوبل سيموت خلال أجلٍ أقصاه شهرين؛ لإصابته بسرطان الغضروف النادر، والذي لم يمرض به أحد منذ اكتشافه في القرن التاسع عشر في كايين بين 12 مسجونًا ارتكبوا اغتصابات جنسية وختموها بالقتل؛ لذا أوصى طاش بكتابة أنه لم يمت بمرض تافه.

طاش هو بطل رواية «نظافة القاتل» للكاتبة آميلي نوثومب، والتي صدرت مترجمة بالعربية عن «المركز الثقافي العربي». حكت فيها آميلي عن محاولات أربعة صحافيين تداعوا طالبين إجراء حوارات خاصة مع العجوز المشهور، وباءت جميع حواراتهم بالفشل وحظوا بسخرية موجعة من طاش الذي تفوه بأحاديث عنصرية مما جعلهم يرون بين كلماته رغبات الشيخوخة بإثارة الاستنكار وجنون العظمة؛ إلا حوارًا واحدًا سيحكي لكم هذا التقرير عنه، في نصائح للفوز بحوار نادر.

1- لا تكن تافهًا

بدأ الصحافي الأول أسئلته وهو مضطرب من صمت طاش اللاذع؛ فبعد مدح فج، وأسئلة مترادفة وشائعة في مجال الصحافة الركيكة، حاول الصحافي القفز على المعتاد مرة واحدة وكانت أسئلته بين: «حدثني عن أفكارك وأنت على شفا الموت، متى صرت أكولًا؟ ماذا تفعل عدا الأكل؟ ما سبب مرضك؟ ألا تأسف لأنك قضيت عمرك في الكتابة رغم مرضك؟ أتعتقد بأن هناك حياة بعد الموت؟». وعندما دمرت الصحافي إجابات طاش اللاذعة، حاول نقل الأسئلة إلى روايات طاش الاثنتين وعشرين دون قراءة سابقة لهم مما أوقع المسكين في شر أعماله حتى طرده طاش؛ فخرج على زملائه الصحافيين على المقهى تفوح منه رائحة نتنة من شدة خوفه؛ ليصف طاش بأنه بطن حوت يونس، مظلم، وبشع، ومخيف، ومتعفن وصوته وهو يطرده يشبه طريقة أباطرة الصين حين يأمرون بقطع الرؤوس.

2- البعض يصنع من نفسه أسطورة فلا تدعمه

أوقات يصنع الجهل بالأشخاص صدى واسعًا وقدرة على التحدث بعمق؛ ليخجل الكثير من سؤال: هل كان طاش مجددًا في حقل الأدب؟ أم مجرد وريث لمبدعين مجهولين، يدلل كثيرًا بأسمائهم دون أن يقرأ لهم يومًا؟

اعتذر الصحافي الثاني لـ«طاش» بمبالغة فجة عما فعله زميله مبررًا خطأه بأن: نادرون هم الجديرون بمقابلة أشخاص مثله، مما دفع طاش للرد بأنه على الصحافة تأهيل العاملين بها وتنظيم تدريب أسماه «فن مقابلة العباقرة».

يتلقى طاش المديح من دون أن يعترض، ويعترف بأنه ترك رواية غير مكتملة، فهذا سيمنحه المصداقية. وإلا يعتبر كاتبًا من الدرجة الثالثة، يتباهى طاش بدمامته – باعتبار أنه لا يملك غيرها – والأدهى بعدما ربط الصحافي في سؤاله بين تخمته واهتماماته الميتافيزيقية، أجاب طاش مبتكرًا مصطلحين من خياله أسماهما: «البنافيزيقي» و«نهيدافيزيقي» وأكمل إجابته بتزامن الطورين ضمن سيرورة فكرية آيلة إلى الابتذال؛ دون أن يشعر الصحافي بسخرية الروائي منه حتى أنه أخبره ببرود وعمق عن الذهاب لقضاء حاجته كل صباح.

3- لا تذهب قبل أن تقرأ جيدًا

كما بدا، حاول الصحافي الثاني التشدق بكلمات عصية عليه، اعترف بأنه قرأها في ملخصات عن حياة طاش، بعدما كشَف طاش أنه لم يقرأ صفحة واحدة من رواياته، ليستمر طاش في حديثه عن الكاراميلا الإنجليزية، وعن سبب تدخينه للساعة الخامسة تحديدًا، والممرضة البليدة التي تحممه وحرصه على التعفن لمضايقتها بحشو غدائه بفصوص الثوم، ودعكها لمؤخرته الكبيرة وتظاهرها بالمهنية. وهنا فعليك البحث جيدًا حول ضيفك بدلًا من أن يدفعك حديثه للتقيؤ مثل الصحافي وسماعه ضحكاته عليه.

4- لا تجب أسئلتك ودع الضيف يقوم بدوره

ظن الصحافيون أنهم أكثر حظًا من زملائهم الذين مر عليهم طاش بقسوة، وأيضًا في أنهم فهموا من التسجيلات ما يجب قوله أمامه وما لا يجب، وفي حوار الصحافي الثالث استهله بما بينه له تجسسه على الحوارات السابقة لزملائه التعساء.

نهج الصحافي أسلوبًا لا يُنصح به أبدًا؛ وهو الإجابة عن أسئلته على لسان طاش؛ فادعى أنه يسمع في صوته نبرة المتمني وقوع الحرب في الخليج، وعند استهجان طاش، اتهمه الصحافي ثانية بأنه لا يحب الحرب ولكن يتمنى حدوثها؛ وعندما تغير موضوع الحوار إلى الحديث عن الشباب، اتهمه الصحافي مرة أخرى داخل السؤال وقال: هل تحب الشباب؟ فحسب علمي أتصور بأنه ليس بوسعك الإحساس بهم؟ ثم جاء السؤال المضحك إذا توجه لشخصية مثل طاش وكان: لماذا تحاول تحويل النوازع النبيلة لقلبك إلى موضوع للسخرية؟ سؤال الصحافي لا يوضح مبرر له هل فعل ذلك لإنجاز الحوار بالسؤال والإجابة، أم أصابه جنون طاش بنفسه.

5- ليس هناك أمر بديهي.. ورأيك لا مجال له

تحول الحوار مع الصحافي الثالث لأن يجيب هو على أسئلة طاش التي حاصرته وأخذ يجيب: باسم البديهيات الأشد وضوحًا. مع كاتب مثل طاش كانت هذه الإجابة تتر نهاية الحوار؛ لكن الصحافي أخذ يفترض علاقات سببية كما قال طاش عنه ولكن المضحك كان سؤال الصحافي له: هل تعتبرني غبيًا؟

6- أنت تعمل لدى جريدتك وليس لدى المشهورين

إحدى دروس تلك الرواية، أنه لا تدع أحدًا مهما بلغت نجوميته يتعاظم عليك. وللأسف لم يكن أي من الصحافيين يعرف هذه القاعدة؛ فتركوا طاش يسخر منهم ويلقي الشتائم عليهم وهم مطأطئي الرؤوس؛ عدا الصحافية الأخيرة.

هل تصدق أن رجلًا بفظاظة طاش يعتذر ويرجو الصحافية الانتظار بعدما أهانها وطردها وطلبت منه الاعتذار؛ لتكون المرة الأولى التي اعتذر فيها لأحد طوال حياته حين قال: أرجوكِ أن تتفضلي بقبول اعتذاري يا آنستي.

«تحقير للنفس وإيذائها، مع الشعور بالمتعة واللذة الداخلية عند الممارسة»؛ هذا تعريف سريع لاضطراب الشخصية المازوخية من موقع للطب النفسي. لقارئ الرواية لن يأخذ الأمر دقائق منه حتى يتأكد من مازوخية طاش؛ بداية من تناوله الزبد باستمرار والتمتع بلمعان شفتيه وتباهيه أمام الصحافيين بدمامته ووصفه خديه بردفين أملسين؛ ولمزيد من كسب الشفقة عليه والتعاطف معه قال لأحد الصحافيين: أنا رسول البدانة، وحين سأموت، سأحمل فوق كتفي كل الكيلوجرامات الزائدة عن الإنسانية؛ فهل مازلت عزيزي القارئ من خضوع طاش السريع لامرأة تجبره على الاعتذار وبالصيغة التي تختارها هي؟!

7- أنت صحافي.. وفي بعض الأحيان محقق بوليسي

لم تكن الصحافية قد قرأت أعمال طاش الروائية كلها فقط، بل وعملت إحصاء لشخصيات الرجال والنساء بكل رواية؛ وألقت عليه بالترتيب أسماء رواياته؛ عدا واحدة؛ ادعت أنها نسيتها حتى هددها طاش بالخنق إن لم تكف عن الإحصاء نفسه كل مرة بحثًا عن العنوان الناقص.

نقبت الصحافية في ماضي طاش الذي حاول كثيرًا محوه دون بذل جهد كبير لأنه كان آخر ممثل لعائلته بعد أن احترق قصر طفولته منذ 65 عامًا؛ أجرت الصحافية أبحاثًا أولية في الأرشيفات منذ فترة طويلة وقبل شيوع خبر اقتراب موت طاش؛ فقد سكن طاش قصر أجداده بعد وفاة والده ووالدته وهو طفل يكمل بالكاد عامه الثاني. عاش طاش طفولته مع ابنة خالته «ليوبولدين» التي أقنعها بقطع الطريق على طور المراهقة كي لا يصيب التغير جسميهما وعدم مغادرة الطفولة نهائيًا بعدما بلغا الثالثة عشر؛ فابتكر ما أسماه «القواعد الصحية لطفولة أبدية» ومن مبادئها: عدم النوم كليًا، أكل ما يحفظ الرمق، تحريم أطعمة الكبار مثل البط والبحريات. ومثلما كان الضغط والخداع وسيلة الضابط لأخذ الاعتراف من المتهم؛ كانا وسيلة الصحافية التي دفعت طاش للاعتراف بقتل ابنة خاله.

كانت روايته الأخيرة عن قصة حبه وابنة خاله، هي الرواية التي لم يكملها طاش؛ أو بالأحرى سيرة ذاتية؛ بطلها مراهق يافع وجميل مما جعل من الصعب الظن بأن رواية «القواعد الصحية للقاتل» قصة حياة هذا العجوز الدميم الذي لم يحتفظ من طفولته إلا ببشرته البيضاء الناعمة وذكرى قتل حبيبته بعدما أصبحت فتاة حائضة للمرة الأولى بحياتها.


انتهت النصائح المتعلقة بعمل الصحافي الناجح لكن باقي أحداث الرواية أكثر تشويقًا وإثارة. وبإمكانك الوصول لرابط الرواية على موقع جودريدز هنا، ورابط الفيلم المأخوذ عن الرواية على موقع IMDB هنا.

تعليقات الفيسبوك