1- على النقيض مما يشاع من أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام يحظى بشعبية في العراق, أظهرت استطلاعات الرأي التي جرت في العراق أن الغالبية العظمى من أبناء العراق أصحاب الخلفية السنية هم علمانيو التفكير خلافًا لما يتصف به تنظيم داعش من أصولية ووحشية. وبالرغم من أن الأوضاع القمعية مستمرة، هذه الأوضاع التي يعاني منها السنة في العراق، والتي حلت عليهم عقب الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، والتي قد تكون الدافع وراء حملات التأييد والحشد السني للتنظيم الجهادي, إلا أن هذا الحشد بدأ في التلاشي تدريجيًّا بالتزامن مع انتشار لقطات فيديو مصورة تظهر قيام أعضاء التنظيم بارتكاب مذابح بحق بعض من عناصر الأمن السنة في تكريت.

2- ورغم صحة الأخبار التي تحدثت عن تحقيق مقاتلي داعش لمزيد من الانتصارات المتتابعة في المناطق الشمالية ذات الأغلبية السنية, إلا أن مشاعر السخط والغضب التي انتابت أهل السنة تجاه الحكومة الشيعية على خلفية الحملات القمعية التي مورست بحقهم، كان لها بالغ الأثر في تأثير تلك المشاعر سلبًا في شعبية القوات الحكومية المركزية التي كانت تتمركز في مدن الشمال والموصل باعتبار تلك القوات ممثلة للنظام الشيعي الطائفي, بالإضافة إلى أن الظهور المتنامي لداعش جاء متزامنًا مع حركة تمرد شملت القبائل والجماعات الموالية للنظام البعثي الذين مارسوا بعض حملات من القمع بحق السكان المحليين، ولم يكتفوا من جانبهم بتقديم يد العون للجيش العراقي, بل احتفلوا أيضًا بانسحاب تنظيم داعش من محافظة صلاح الدين.

3- لا يمكن التعويل على صحة التقارير التي تحدثت عن خشية القوات الحكومية العراقية من مواجهة مقاتلي السنة المتطرفين في ظل حالة الغموض التي تنتاب انسحاب القوات الحكومية من مواقعها في مدينة الموصل وغيرها من المدن الأخرى، خاصة مع الأنباء التي تحدثت عن صدور أوامر بالانسحاب.

4- أضف إلى ذلك أن مواجهة بضعة آلاف من الجنود لانتفاضة شعبية يقوم بها مئات الآلاف من السكان الغاضبين لن يجدي نفعًا كما هو الحال مع قوات البشتون الأفغانية التابعة لحركة طالبان، والتي كانت قد استولت على مدينتي طاجيك وأوزبك عام 1997، لفترة لم تتجاوز الأيام المعدودة، قبل أن يقوم السكان المحليون بالانقضاض عليهم وطردهم من المدينتين، وذلك بعد مقتل ثمانية آلاف من طالبان، وهو ما يفسر عجز أي قوات عن مواجهة انتفاضة شعبية في مناطق حضرية.

5- بالرغم مما يثار عن استعدادت تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام للزحف نحو بغداد, إلا أن الواقع الديموجرافي في بغداد يعزز الفرضيات القائلة بأن التنظيم الجهادي سيواجه المزيد من الصعوبات في العاصمة العراقية، ولن يتمكن من الاستيلاء عليها، خاصة إذا ما علمنا أن الجيش الأمريكي قد قام بنزع الأسلحة من الجماعات السنية في بغداد بالتزامن مع الحرب الأهلية التي شهدتها العراق في عام 2007، بين السنة والشيعة، الذين حازوا على ميزات كبيرة من الجيش الأمريكي, ناهيك عن انعدام القواعد السنية القوية في بغداد، والتي كان يمثل فيها السنة نسبة 45% مع بداية الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، في مقابل 55% للشيعة.

6- في الوقت الذي يطالب فيه البعض الولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل العسكري لكبح جماح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق عبر شن مجموعة من الضربات الجوية, يبدو هذا الأمر بعيد المنال في ظل ما هو معلوم من أن التنظيم الجهادي لا يمكن اعتباره جيشًا تقليديًّا يمكن مواجهته بالقصف الجوي.

أيضًا لا يمكن للعيان تجاهل مشاعر الاستياء السنية الغاضبة تجاه الإدارات الأمريكية، ومنها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش على خلفية الدعم الأمريكي للأحزاب الشيعية في عام 2003، العام الذي شهد بداية الاحتلال الأمريكي للعراق وما صاحبه من أوضاع معيشية صعبة ومعدلات بطالة مرتفعة في الأوساط السنية, بالإضافة إلى ما يثيره البعض من أن التدخل العسكري للولايات المتحدة واستهداف مناطق سنية نيابة عن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سيفضي إلى موجات متصاعدة من الهجمات الإرهابية لتنظيم داعش ضد الولايات المتحدة ذاتها، بالرغم من عدم ممارسة التنظيم للنشاطات الإرهابية كجماعة دولية في الوقت الراهن، والذي يشهد هجمات للتنظيم تستهدف النظام البعثي في سوريا والحكومة الشيعية في العراق بهدف تحقيق أهداف استراتيجية وتكتيكية، مما يدفع الولايات المتحدة نحو تجنب الإجراءات التي من شأنها أن تعجل بتحويل داعش إلى شبكة إرهابية معادية لواشنطن.

7-  “سقوط الموصل في أيدي داعش تهديد للمصالح الأمريكية” مقولة يرددها البعض بالتزامن مع الارتفاع الطفيف الذي شهدته أسعار النفط؛ نتيجة توقف خط الأنابيب الذي ينقل النفط من مدينة كركوك العراقية إلى مدينة جيهان التركية، وذلك بالرغم من أن الإنتاج اليومي لهذا الخط لا يتعدى مئات الآلاف من براميل النفط يوميًّا، وهو ما يقلص من حدة التهديدات التي تعتري المصالح الأمريكية في العراق، التي تستحوذ فيها المناطق الشيعية في الجنوب على ما تصل نسبته إلى 90% من الإنتاج النفطي في مدينة البصرة, كما أن ارتفاع أسعار النفط يبدو مجديًّا للولايات المتحدة في ظل الدعوات التي ينادي بها البعض لتبني سياسات لمكافحة التغير المناخي للتقليل من الاعتماد على المنتجات النفطية، والاتجاه إلى شراء السيارات الكهربائية ووضع الألواح الشمسية على أسطح المنازل لتشغيل المركبات الكهربائية.

خلافًا لما يتردد من أن الولايات المتحدة ينتابها المزيد من القلق من تصاعد النفوذ الإيراني في العراق, يمكننا القول بأن المصالح الأمريكية والإيرانية قد تتلاقى في العراق، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار الرغبة المشتركة بين الجانبين في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام “داعش” التنظيم الذي تنحدر أصوله من تنظيم القاعدة الذي لطالما مثل تهديدًا مباشرًا للإدارات الأمريكية. ولا ريب في هذا الشأن أن تقوم الإدارة الأمريكية الحالية بالتنسيق وإجراء المشاورات مع الطرف الإيراني، فيما يتعلق بالوضع في العراق وتحسين العلاقات مع طهران؛ لهزيمة التنظيم الجهادي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد