التطعيم يسبب التوحد.. أشهر 6 خرافات عن اللقاحات

تقول الشاعرة الأمريكية مايا أنجلو: «الماضي هو مجرد استهلال، وبالرغم من ألمه الموجع، لم يكن من الممكن ألا يُعاش، وإذا واجهناه بشجاعة، لن نحتاج أن نعيشه مرة أخرى».

يشبه هذا الأمر كثيرًا قصة التطعيمات أو اللقحات (الأمصال)، فعندما ظهرت أصوات رافضة للتطعيم عادت الأمراض القديمة التي كان وجودها يتضائل، والآن يجب  علينا أن نواجهها مرة أخرى. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2019 أعلنت وزارة الصحة الماليزية عن ظهور أول حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال منذ عام 1992.

لماذا عاد فيروس شلل الأطفال بعد سنوات من الاختباء؟

شلل الأطفال أو (poliomyelitis) هو مرض مُعد، يسببه فيروس، وهو يصيب الأطفال عادةً وينتج عنه شلل الأطراف الرخوي. وقد وصل المرض لمعدلات وبائية في النصف الأول من القرن العشرين، وفي أواخر الخمسينات طوّر الطبيب الأمريكي ألبرت سابين مصل شلل الأطفال، بعدها استُخدم في أمريكا، ومنها انتشر إلى كل بلدان العالم، وساهم هذا المصل في القضاء على الفيروس في كل دول العالم، ما عدا بعض الدول في أفريقيا وآسيا.

لم يعد فيروس شلل الأطفال وحده من مخبئه مؤخرًا، بل عادت معه أيضًا الحصبة. فربما تكون قد سمعت عن موجات اجتياح الحصبة للولايات المتحدة، فقد سُجلّت 1.282 حالة إصابة، في 31 ولاية في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى ديسمبر 2019. رفض التطعيم يأتي لعدة أسباب منها، سياسية في مناطق مثل قندهار في أفغانستان خوفًا من احتمالية أن يكون مقدمي الرعاية الصحية جواسيس لـ«طالبان»، والبقية بسبب عدة أساطير متجذرة منتشرة عن التطعيم هذه بعض منها. 

Embed from Getty Images

(في خمسينات القرن الماضي، يتلقى أطفال من الأمريكان الأصليين للتطعيم)

1- التطعيم يسبب التوحد

 إذا سألت شخصًا من الرافضين للتطعيم الثلاثي أو (MRI) سيخبرك أنه يسبّب التوحد، ولو سألته عن مصدره، سيخبرك بأن هناك دراسات، تبيّن ذلك، أين هذه الدراسات؟ لن تعرف. هذه الأسطورة كانت هي النواة التي بدأت بها كل الحركات الحديثة الرافضة للتطعيم (Anti-vaxxers movement). بداية الأسطورة كانت عام 1998، وشاعت بواسطة طبيب بريطاني، في الكلية الملكية البريطانية يدعى أندرو ويكفيلد نشر في جريدة «لانسيت» البريطانية مقالًا، عن دراسة مزعومة، تفيد بظهور حالات طرأ عليها تغيرات سلوكية، وأصيبت بحال توحد، بعد تلقيها التطعيم الثلاثي مباشرةً، وربط بين الازدياد الدرامي لحالات التوحد، والتطعيم الثلاثي.

في عام 2005 اكتشفت المجلة أنها تعرضت للخداع من قبل أندرو ويكفيلد، وألغى المجلس الطبي العام رخصته الطبية، ونُبذ وسط الباحثين، والأطباء، ومسئولي الصحة العامة. هذا الطبيب هو من بدأ هذه الأسطورة المستمرة حتى الآن، والمستمر هو نفسه في ترديدها، بالرغم من دحضها، علاوة على أن السلطات الصحية حملتّه جزئيًا مسؤولية اجتياح الحصبة عام 2017، للجالية الأمريكية الصومالية في مينابوليس.

فقد قابل أندرو ويكفيلد أفراد من الجالية عدة مرات، ليخبرهم بسبب تفشي التوحد بين أبنائهم. لكن السؤال لماذا سيسبب التطعيم التوحد لأشخاص بعينها دون الآخرين؟ يجيب عن هذا السؤال بيتر هوتيز طبيب الأطفال وعالم المناعة الأمريكي وأب لطفلة متوحدة في كتاب «التطعيم لم يسبب التوحيد لراشيل». والذي ينفي فيه من موقعه كطبيب، وجود أي علاقة بين التطعيم الثلاثي والتوحد كل ما هنالك أن التوحد يظهر تقريبًا في السن نفسه الذي يتلقى فيه الطفل التطعيم، لكن لا يوجد رابط بينهما. ويسرد هوتيز حكاية شخصية عن ابنته المصابة بالتوحد وضعف في القدرات العقلية لديها.

2- لا داعي للتطعيم فقد تخلصنا من معظم الأمراض

تقول الأسطورة إن الأمراض التي يمكن التحصين منها بواسطة الأمصال قد تخلصنا منها في معظم الدول، لذا لا حاجة لمزيد من الأمصال، وأن استمرار التلقيح مجرد استثمار لشركات الأدوية. لكن الحقيقة هي أنه بالرغم من أن هذه الأمراض أصبحت غير شائعة في معظم الدول، لكنها ما زالت موجودة في مكان ما في العالم، ولم تنته من الوجود. إذ لم تغط المناعة 100% من العالم.

كما أن هناك مصطلحًا يُسمى «مناعة العامة»، وهو أن تلقي أكبر عدد من البشر للتطعيم سيحمي العامة من انتشار المرض. فكلما انخفض عدد البشر التي تتلقى التطعيم انخفضت مناعة العامة. وعدم تلقي أبنائك للتطعيم سيؤثر على أطفال الآخرين، وربما يتسبب في موتهم.

Embed from Getty Images

3- الأمصال تحتوي على سموم

يخشى بعض الآباء وجود ما يعتقدون أنه سموم في الأمصال، والتي من بينها  الزئبق، لكن في الحقيقة فإن الزئبق موجود بشكل طبيعي في الهواء، والماء والتربة، وتُستخدم مادة «الثيومرسال» التي تحتوي على الزئبق مادة حافظة لكثير من الأمصال. وتبعًا لـ«منظمة الصحة العالمية» فهي مركّب يُستخدم لمنع النمو البكتيري والفطري في بعض اللقاحات المعطلة التي تحتوي على فيروسات مقتولة.

وتُستخدم مادة «الثيومرسال» منذ الثلاثينيات في صناعة اللقاحات، وتؤكد «منظمة الصحة العالمية» أن «الثيومرسال» يحتوي على الزئبق الإيثيلي الذي يتحلل بسرعة ولا يتراكم داخل الجسم. ورصدت المنظمة بيانات استخدام «الثيومرسال» لمدة 10 سنوات، وخلصت إلى أنه لا يسبب أية أضرار صحية.

4- الأمصال تُسبب السرطان!

يقال عن كل شيء هذه الآونة إنه يسبب السرطان، ربما لأنه مرض شديد التعقيد، ومتجذر، وله عشرات الأنواع، وكثير من المسببات الجينية والبيئية. لكن الأمصال بريئة من هذه التهمة. فقد ربط البعض ازدياد الإصابة بالسرطان في الخمسين عام الأخيرة بالتطعيم، مثلما ربطوه بالتوحد، لكن الحقيقة أن السرطان قد تصاعد ظهوره بسبب تغير أنماط الحياة، وزيادة معدلات الأعمار البشرية.

غير أن هناك بالأساس مصل ضد أحد أنواع السرطان وهو (HPV) أو فيروس الأورام الحليمية. وهو فيروس ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي. فكيف سيسبب المصل السرطان، وهناك بالأساس مصل لأحد أنواعه؟

5- اللقاحات تستخدم أجنة مُجهضة في التصنيع!

هناك جدلية أخلاقية يطرحها البعض بشأن علاقة الأمصال بالإجهاض؛ في الحقيقة تتضمن زراعة الفيروس في مزارع خلايا بشرية بالفعل لإنتاج لقاحات فيروس جدري الماء النطاقي والحصبة الألمانية، وداء الكلب، والالتهاب الكبدي A، لكن تفكيكًا للأسطورة لابد أن نعرف أنه يُستُخدم خطان خلويان لتوفير هذه المزارع، وتم تطويرهما من أجنة مُجهضة بشكل قانوني في الستينات، وهذه الأجنة لم تُجهض خصيصًا من أجل استخدامها في صناعة اللقاحات، كما أن هذه الخلايا ذاتها تُستخدم لمدة 40 عامًا، فلا حاجة لأنسجة أجنة مُجهضة جديدة.

6- المناعة الطبيعية خير وأبقى من مناعة الأمصال

المناعة الطبيعية هي المقاومة التي يكتسبها جسدك بعد الإصابة بالمرض، وتتماثل للشفاء، لكن المناعة التي يزودك بها المصل تكتسبها دون الإصابة بالمرض وبعد عدة جرعات منه، تبدو المناعة الطبيعية أفضل، أليس كذلك؟ لكن هناك ثمنًا لابد عن دفعه قبل اكتساب المناعة الطبيعية، والذي من الممكن أن يكون الالتهاب الرئوي بعد الإصابة بجدري الماء، أو ضعف في القدرات العقلية بعد الإصابة بــ«Haemophilus influenza» أو سرطان الكبد بسبب التهاب الكبد الوبائي B، أو الموت بسبب الحصبة، بعدها من الممكن اكتساب مناعة طبيعية ضد المرض.

Embed from Getty Images

الممثل جيم كاري أحد رافضي التطعيمات يطالب بالتوقف عن إعطاء الأطفال السموم المزعومة

المناعة الطبيعية ضد بعض الأمراض أيضًا لا تستمر للأبد، مثل السعال الديكي، فهي ستستمر عدة سنوات فقط، ومن الممكن أن يصاب بالمرض طفل، ثم يصاب به ثانيةً عند البلوغ، إذًا فلمَ المعاناة؟

رفضك للتطعيم يقتلنا

لكن ماذا سنفعل إزاء هذه الحركات الرافضة للتطعيم؟ بالتذكير بماذا فعلت الأمصال تاريخيًا، هل تتذكر يوم تطعيمك ضد شلل الأطفال؟ هذا المرض شديد القابلية للعدوى، ماذا لو لم يكن هذا التطعيم موجودًا؟ كيف سيكون شكل اقتصاد الدول حينها؟ يزعم رافضوا التطعيم أيضًا أن شلل الأطفال أخذ في الزيادة، بعد انتشار المصل ذاته، فلقاح شلل الأطفال هو ما نشر المرض من وجهة نظرهم، لكن كل اتهام يمكن الرد عليه بالإحصائيات.

فقبل 30 عامًا كان الفيروس يسبب الشلل لـ350 ألف طفل، في 152 دولة حول العالم، وانخفض هذا الرقم إلى 30 حالة فقط في 2018. أما مرض مثل الجدري هو أول مرض استطاع الإنسان استئصاله من الوجود بفضل اختراع مصل الجدري الذي اخترعه إدوارد جينير، هذا المرض كان من الممكن أن يقضي على البشرية. وتقول «منظمة الصحة العالمية»: إن الأمصال من أقوى الوسائل الدفاعية ضد الأمراض، وهي تحمي من 25 مرضًا مهددًا للحياة مثل الحصبة، وشلل الأطفال، والتيتانوس، والالتهاب السحائي، والإنفلونزا، والتيفود، وسرطان عنق الرحم.

ويقول بينجامين فرانكلين في مذكراته: «في عام 1736 فقدت طفلي، طفل جميل ذو أربع سنوات، بسبب مرض الجدري، لقد ندمت ندمًا مريرًا، ما زلت أشعر بالندم على عدم تطعيمه، أقول ذلك للآباء الذين يعارضون التطعيم، لا تسامحوا أنفسكم إذا تسببتم في موت طفلكم».

علوم  منذ سنتين

السرطان ليس من صنع شركات الأدوية.. أشهر 10 أساطير عن المرض الخبيث

أمريكاأمصالالتوحدالجماعات الرافضة للقاحاتتطعيمداء الحصبةشلل الأطفاللقاحات

المصادر