قال أحد أطباء الأسنان لمريضه الذي كسر فكه في الحرب الأخيرة: «أشعر بعقدة عندما أبدأ في العناية بأسنانك».
*روجيه موكيالي في كتاب «العقد النفسية»

بهذه العبارة افتتح موكيالي كتابه عن العقد النفسية، والتي وصفها بأنها شعور المرء بضيق مبهم، لا يستطيع تجنبه، ويضايقه في تصرفاته المهنية العادية، ويمكن الإشارة إلى العقدة النفسية بأنها اضطراب نفسي، قد ينشأ من تجارب سابقة، أو ذكريات أو شحنات عاطفية مختزنة، أو نتيجة التعرض للضغوط والحرمان والكبت، ما يدفع المرء إلى انتهاج سلوكيات «تعويضية»، وتصرفات لا يأتيها الشخص الطبيعي إذا تعرض للموقف ذاته.

بالطبع يصعب حصر كل العقد النفسية، ولا يمكن بالتأكيد الإلمام بها في تقرير واحد، لكن السطور التالية تطرح بعضًا منها، سيما أكثرها غرابة، والتي ربما لم تسمع بها من قبل، ولكنك تجد الكثير من المتصفين بها في حياتك الشخصية ودوائر معارفك.

1- عقدة أدونيس.. هل تمارس الرياضة أكثر من اللازم؟

هل رأيت من قبل شابًا مهتمًّا بقوامه الرياضي إلى درجة الهوس، يتمتع بجسم رياضي نموذجي، وعضلات مفتولة ومظهر جذاب، ومع ذلك فهو يشتكي دومًا من أن جسمه ضعيف ومترهل؟ ربما صادفت واحدًا منهم، وربما كنت أنت شخصيًّا أحد هؤلاء، حسنًا هؤلاء يمكن أن ينطبق عليهم ذلك التشخيص المعروف باسم «عقدة أدونيس»، وهي من العقد النفسية الشهيرة.

أدونيس- المصدر: يوتيوب

وأدونيس هو اسم أحد أبطال الأساطير القديمة، إذ كان شابًا فاتنًا معجبًا بنفسه، كان رفيقًا لعشتروت/ فينوس إلهة الجمال، لكن حياته انتهت فجأة حين خرج في رحلة صيد، وتعرف عقدة أدونيس بأنها اضطراب في إدراك صورة الجسم، كثيرًا ما يصيب المنخرطين في أنشطة كمال الأجسام، الذين يتمتعون في الحقيقة بمواصفات جسدية نموذجية، لكنهم يعانون دومًا من اعتقاد العكس، وأن جسدهم ضعيف ومترهل، وسبق للجمعية الألمانية للطب النفسي أن وصفت الرجال الذين يبالغون في ممارسة الرياضة بأنهم يعانون من هذا الاضطراب.

2- عقدة سندريلا.. في انتظار فارس الأحلام

من منا لا يعرف قصة سندريلا، الفتاة باهرة الجمال التي ماتت أمها فعاشت مع زوجة أبيها وابنتيها، حيث كانت تتعرض للاضطهاد منهن، فيطلبن منها غسل الصحون، وتنظيف المنزل، والسهر على راحتهن وخدمتهن، كانت تعيش حياة غاية في البؤس، قبل أن يأتيها الفرج فتحضر حفلًا في بيت الملك، ويفتتن بها الأمير، تفر سندريلا مسرعة قبل منتصف الليل، لتعود إلى حياتها التعيسة، لكنها تنسى حذاءها، فيصمم الأمير على العثور عليها، إلى أن يتعرف إليها حرس الأمير أخيرًا عن طريق مقاس حذائها، لينتشلها الأمير من تلك الحياة القاسية ويأخذها إلى حياة القصور.

سندريلا- المصدر

كانت هذه القصة مصدر إلهام للكاتبة الأمريكية كوليت دولينغ، التي صاغت منها إحدى العقد النفسية التي تقول إنها تنتشر بين نساء هذا العصر، وتتلخص هذه العقدة النفسية في شعور النساء المصابات بالخوف الشديد من الاستقلال، والرغبة الدائمة في أن تعيش في كنف الآخرين ورعايتهم، وغالبًا ما يكون الرجال هم مصدر هذه الرعاية المبتغاة، سمت دولينغ هذه الحالة النفسية باسم «عقدة سندريلا»، وذلك في كتابها الذي أصدرته عام 1982 بعنوان: «عقدة سندريلا: خوف النساء الخفي من الاستقلال»، ومصدر التشابه هنا بين العقدة وسندريلا هو أن الأخيرة رغم جمالها، وطاقتها، وشبابها، وما تتمتع به من مقومات، ظلت تعيش مع زوجة أبيها، ولم تبادر بالخروج من هذا الجحيم، ولم يخرجها منه إلا قوة خارجية (الأمير).

لماذا يحاور البعض الحيوانات الأليفة كما لو كانت بشرًا؟ علم النفس يجيبك

3- عقدة كليوباترا.. «أنا أعظم امرأة في الوجود»

من بين كل النساء اللائي تبوأن سدة الحكم قديمًا أو حديثًا، احتلت الملكة المصرية القديمة كليوباترا السابعة مكانة خاصة، انتمت كليوباترا إلى الأسرة المقدونية التي حكمت مصر منذ القرن الرابع قبل الميلاد، وقد تمتعت بذكاء ودهاء شديدين، وفوق كل هذا كان جمالها فاتنًا إلى حد أنها فتنت العديد من قادة ذلك العصر، من أمثال يوليوس قيصر، وماركوس أنطونيوس.

 

صورة تجمع كليوباترا ويوليوس قيصر

كما كانت كليوباترا حاضرة عبر التاريخ، وعبر صفحات الأدب العالمي مثل مسرحية «أنطونيوس وكليوباترا» لويليام شكسبير، فقد كان مثالها أيضًا حاضرًا في العقد النفسية، يشير مصطلح «عقدة كليوباترا» إلى ذلك النوع من النساء اللاتي امتلكن قدرًا كبيرًا من الجمال، أو السلطة، أو المال، أو الجاه، فصارت تشعر أنها ملكة متوجة، لا تشبه الآخرين، وليس للآخرين الحق في الاقتراب منها إلا بقدر ما يتقرب العبيد من ملكتهن.

هذا النوع من النساء قد يحرمن أنفسهن من أشياء طبيعية جدًّا، بوصفها أشياء لا يأتيها إلا البشر العاديون، وليس الفاتنات المميزات مثلهن، بالطبع يصعب أن تحتفظ امرأة بهذا القدر من العجرفة بعلاقة عاطفية مستقرة مع أحد الرجال، فهي لا ترى أن الكثيرين يستحقون جوهرة مثلها، وتتوقع من رفيقها الولاء التام والتبجيل الذي يصل إلى حد التقديس، وهو ما يجعل علاقاتها العاطفية درامية وقصيرة الأجل في الغالب.

4- عقدة ديانا.. امرأة في ثوب رجل

ضربت أميرة ويلز البريطانية مثالًا صارخًا على تحدي التقاليد الملكية، حتى صار يضرب بها المثل في التمرد على القوالب السائدة، فكل من يخرج عن المألوف في القصر الملكي يعيد إلى الأذهان سيرة الراحلة ديانا، ليس ذلك فقط بل امتد الأمر إلى عالم التحليل النفسي، حتى سمى البعض أحد العقد النفسية باسمها وهو «عقدة ديانا».

Embed from Getty Images

الأميرة ديانا

يشير هذا المصطلح إلى فتاة مقتنعة تمامًا بأنوثتها – تختلف في ذلك عن اضطراب الهوية الجنسية- ولكنها مع ذلك ترفض الاتصاف بصفات الأنوثة، فتتمرد على واقعها، وتعيش في ثوب الرجال، فهي تتقمص دور الذكر في تصرفاتها، حتى إنها قد ترتدي الملابس الذكورية وتقص شعرها مثل الرجال.

وبحسب إسماعيل صادق، استشاري الطب النفسي بكلية الطب جامعة الأزهر، فتربية البنت قد يكون لها دور في هذه العقدة النفسية، فقد تنشأ في أسرة أغلبية أعضائها من الذكور، أو تفضل الذكور على الإناث، ومن ثم فقد يستقر في عقلها أن الذكور أعلى شأنًا من الإناث، ما يدفعها إلى محاولة التشبه بالرجال وهجر صفات الأنوثة.

5- عقدة نابليون.. «القصير المكير»

بلغ نابليون الأول من المجد حد عده أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ، تربع الرجل على قمة هرم المجد في بلاده فأُعلن امبراطورًا لفرنسا، وقاد حركة إصلاحات كبرى رسخت صورته زعيمًا لفرنسا، التي كانت غارقة في أتون الاضطرابات والحروب الأهلية، قاد حملة على مصر والشرق، احتل أرجاء واسعة من أوروبا، ووزع ملكها بين إخوته، وقام بغزو روسيا.

ربما تنبئ تلك المغامرات عن روح متقدة أو عزيمة كالجبال، لكن البعض يرد تلك الأفعال إلى حقيقة أكثر بساطة كانت كامنة في التكوين الجسماني لنابليون نفسه، إذ كان الإمبراطور الفرنسي قصير القامة ضئيل الجسم، على غير المعتاد في القادة والزعماء العظماء عبر التاريخ.

نابليون بونابرت- المصدر

يرى البعض أن قصر قامة نابليون كان سببًا في إحدى العقد النفسية التي تعرض له، إذ سعى إلى تعويضه بالعدوانية البالغة والحروب التي أذل فيها أعناق الأعداء الذين كانوا أطول منه وأضخم، كان ذلك سببًا في إطلاق اسم «عقدة نابليون» – تسمى أيضًا بـ«عقدة الرجل القصير» أو «متلازمة نابليون» على الأشخاص قصار القامة، الذين يسعون إلى ولوج الحياة بعدوانية زائدة وعنف مبالغ فيه تجاه الآخرين.

 

من أجل الحصول على المعلومات.. هل ينقذنا تعذيب المتهمين من الأعمال «الإرهابية»؟

6- عقدة مادونا/ العاهرة.. الحب والشهوة لا يجتمعان

إذا علمت أن مادونا اسم يطلق على العذراء مريم، فاسم العقدة إذن سيشرحها بوضوح، فالرجال هنا ببساطة لا يرون النساء إلا واحدة من اثنتين: امرأة محترمة بتول تحظى بقلبه، لكنه لا يتمتع معها بالعلاقة الجنسية، أو امرأة فاسدة الأخلاق تثير شهوته، لكنها لا تحظى باحترامه، لا يمكن أن تحظى امرأة ما بشهوته واحترامه في الوقت ذاته.

 

أول من شرح تلك العقدة النفسية هو سيجموند فرويد، وهي نوع من العجز النفسي، إذ لن يحظى هؤلاء بعلاقة عاطفية أو جنسية مستقرة، أو مرضية بحسب الدراسات النفسية، «فالرجل هنا لا ينجذب جنسيًّا للمرأة التي يحبها، كما أنه لا ينجذب جنسيًّا للمرأة التي لا يحبها، وبالتالي فهو لن يحظى بالقناعة في علاقته الرومانسية أبدًا»، فالمرأة المثيرة برأيه لن يمكنها أبدًا أن تكون أمًّا جيدة.

7- عقدة «سوبر مان».. لا تحلم كثيرًا أن تصير بطلًا

هل تسيطر عليك فكرة أنك تتمتع بصفات خارقة مقارنة بالآخرين، وأنك تنجح دومًا فيما يفشل فيه أقرانك، هل ترى أن عليك عبء انتشال الآخرين من مشاكلهم وإنهائها، هل تراودك كثيرًا فكرة أنك مثل «سوبرمان» الذي وهبه الله قدرات غير طبيعية عليه أن يستخدمها في مساعدة الآخرين؟ حسنًا ربما أنت إذن أحد المصابين بـ«عقدة سوبرمان»، آخر العقد النفسية التي نستعرضها في التقرير.

 

ثمة علامات قد تشير إلى احتمالية إصابة الشخص بهذه العقدة النفسية، منها الانخراط التام في العمل إلى أقصى درجة، حتى إن المرء يضع لنفسه معايير غير عقلانية يلزم نفسه بها، فيحرم نفسه من أي قسط من الراحة أو فرصة الاسترخاء، والإحساس الدائم بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، والإحساس المبالغ فيه بامتلاك قدرات تفوق الآخرين، كل تلك الصفات تدخل الشخص في دوامة من القلق تسحب من روحه ومن تركيزه، وتجعله في حالة مستمرة من التوتر والضغوطات العصبية التي تعرقل سير حياته بشكل طبيعي.

«إنها لا تُستورد بل من داخلنا تولد».. حيل نفسية لتجعل حياتك أكثر سعادة

 

المصادر

تحميل المزيد